مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

   نجلاء سلامة*           يعيش الإنسان عدة فترات مختلفة في حياته وينتقل من مرحلة …

ضلَّ سعيهم

منذ 4 أشهر

448

0

  

نجلاء سلامة*          

يعيش الإنسان عدة فترات مختلفة في حياته وينتقل من مرحلة لأخرى… 
كأنَّه في سباق، حتى يصل إلى خط النهاية الذي يقف عنده فيجد نفسه إمَّا من الفائزين أو من الخاسرين، لكن خط النهاية هذه المرة لا يمكن العودة بعده لتحسين الأعمال أو تغييرها، لأنَّ فرص التحسين والتغيير في هذا الوقت تكون قد نفذت وانتهت، وفي هذه اللحظة تمر أمامه كل حياته التي عاشها منذ صرخة الولادة الأولى حتى النفس الأخير كأنَّها لحظة واحدة.
هذه هي الحياة تبدأ بصرخات الطفل الأولى ليُعلن عن وجوده وبدايته، ومن ثَمَّ مرحلة الطفولة التي لا همَّ فيها ولا تعب، لكن يمكن اعتبارها مرحلة غرس وزرع ونمو، خلال هذه المرحلة لا يوجد حساب ولا عقاب، فقط تعلم وتدريب وتجهيز للمراحل القادمة، حتى إذا بلغ الطفل وأصبح ذا تمييز؛ هنا يدخل في بدايات مرحلة المسؤولية عن أفعاله.
ويجد الإنسان فجأة أنَّه قد مرَّت السنون وأصبح مسؤولًا، سواء كان رجلًا أو امرأة فلا فرق هنا في المسؤولية والعمل بينهما، وإذا لم ينتبه الإنسان لنفسه في هذه المرحلة ولم يراقب أعماله جيدًا فستمر سنون أخرى ويجد نفسه كهلًا ينظر وراءه ليجد الكثير من الأخطاء التي يحاول في تلك اللحظة أنْ يُحصيها ليحاول أنْ يصحح بعضها أو أنْ يُدرك الخلل فيها لعله يستطيع جبره.
لماذا ننتظر نهاية العمر لنُقَيِّم أعمالنا؟ ولماذا نسير وأعيننا تلاحق القادم ولا تنتبه إلى الماضي؟ وما الذي يجعلنا بكل هذه الثقة ونحن نَظلم ونُهمل
ونَعبث ونُفسد و… والكثير من الأخطاء التي قد نتذكرها أو لانتذكرها؟ هل تأكدّ لنا أنَّ ما فات قد مات، ولن نُحاسب عليه أم ماذا؟
لا أعتقد أنَّ بين أيدينا أي شيء يعطينا كل هذه الثقة عند الخطأ، إلا أنْ نطمع في عفوِ الله ومغفرته، وغير هذا السبيل لا يوجد شيء آخر، لذا علينا الحذر جيدًا والانتباه لأفعالنا وأقوالنا وأعمالنا الحالية والقادمة، أمَّا الماضية فلنحاول أن نطلب عفو الله ومغفرته عليها وإذا كان هناك خطأ أصاب أحدًا ما أو أضرَّ بحقٍ له نتيجة عملٍ ما قد ارتكبناه، فلنحاول أنْ نعالج ذلك الخطأ أو نصلح ذلك الضرر، ولا تستمعوا للأقوال التي تدعو بألّا ننظر وراءنا ولا نهتم بما حدث ولنتقدم للأمام، فلا فائدة من النظر في الماضي، فكل هذا هراء وزيادة في الغفلة لا أكثر.

الإنسان ينظر لماضيه ليتعلم منه ويحاول عدم الوقوع في نفس الخطأ مرة أخرى، أمَّا أنْ نغمض أعيننا عن الماضي ونسير، فهذا ليس من العقل ولا من الحكمة.. ولا نقول نجلس بجوار الماضي نقول لو كنّا، ولو فعلنا لكان كذا وكذا، لكن نتعلم منه للمستقبل، فعند النّفس الأخير في حياة الإنسان تكون النّظرة الأخيرة لكل ما سبق فعله، ويأتيني تخيل أنَّه في تلك اللحظة الحاسمة والأخيرة عندما يلتفت الإنسان برأسه التفاتة بسيطة لحياته السابقة، فإمَّا ستنفرج أساريره أو يعبس جبينه ويا لها من لحظات حاسمة. 
عزيزي القارئ، انظر وراءك وصحح أخطاءك، وقَيِّم أعمالك، وأيقظ ضميرك، واهجر شيطانك، فاليوم تستطيع أن تنقذ نفسك وتفعل هذا، لكن غدًا لا تستطيع، وإن كنت اليوم تحاول أن تتذكر ما مضى لتصلحه حتى تكمل طريقك نظيفًا وطاهرًا قدر الإمكان، فسيساعدك الله على ذلك ما دمت قد نويت سلوك هذا الطريق، أمَّا إذا عاندت وقلت كيف يمكنني تذكر ما مضى، فلا تقلق أبدًا من هذه الناحية لأن بصرك يوم الحساب سيكون حديدًا وقويًا وثاقبًا، وكل ما فعلت ستجده حاضرًا أمامك، وذاكرتك قوية خصوصًا عند الأخطاء كأنَّ كل ما حدث في حياتك قد تمَّ الآن في اللحظة نفسها.
ما فات لا يموت، لكنَّه يظل حيًا حتى تُصلحه أو تُحاسَب عليه، فكن لنفسِك ميزانًا تحسب الخير والشر، واسع في الدنيا وعينك على الآخرة، واعلم أنَّ سعيك ستُحاسب عليه أمام الله واحذر أنْ تكون ممن ضلَّ سعيه. 

*كاتبة مصرية

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود