765
0
1037
0
2217
0
90
0
980
0
10
0
71
0
108
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13504
0
13350
0
12187
0
12127
0
9548
0

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز*
ليس الطفلُ صفحةً بيضاء كما يزعمُ العابرون، بل هو مخطوطةٌ كونية فُتحت على دهشةٍ بكر؛ يقرأُ العالم بعينٍ لم تُكدّر صفوَها ظلالُ الأبجدية، ولم تُثقِل كاهلَها أغلالُ النحو، إنه يتلقّى المعنى من ارتعاشةِ الضوء، ومن تموّجاتِ النبرة، ومن دفءِ الكفِّ حين تغمرُ أنامله الصغيرة؛ فقبل أن يفكَّ مغاليق “ألف باء”، يكون قد فكَّ شفراتِ الحياة واستنطقَ صمتَ الأشياء.
فالطفلُ لا ينتظرُ الحرفَ ليعبر بوابةَ الفهم؛ هو يقرأُ الوجوه بوصفها نصوصاً حيّة، يلمحُ الفرح في انحناءةِ ثغر، ويقتفي أثر الحزن في رفةِ هدبٍ أو صمتٍ عابر، يقرأُ “البيت” من طمأنينةِ زواياه و”الأم” من موسيقى خُطاها، و”الأب” من هيبةِ غيابه وحضوره، إنه الناقدُ الحافي، يفسّرُ الوجودَ بحدسه، ويُعيدُ صياغةَ الكونِ بمخيّلته دون جلبة.
هنا، في هذا الفضاءِ الفطري، يولدُ أدبُ الطفل الحقيقي: لا بوصفه ترويضاً على التهجئة، بل بوصفه صدىً لتلك القراءة الأولى.
فالنصُّ الموجّه للطفل ليس وصايةً على وعيه، بل هو “جسرٌ ضوئي” يصلُ بين مرافئ إحساسه وشواطئ العالم؛ بين دهشتهِ المقيمة، وما يُقدَّم له من رؤى.
وحين نقدّم له نصوصاً مصلوبةً على أعوادِ المواعظ المباشرة، فإننا نغلقُ دونه نوافذَ التأويل ونختزلُ فِعل القراءة في تلقٍّ جامد.
أما النصُّ الحيّ، فهو الذي يترك مساحةً للسؤال، ويمنحُ الطفلَ حقَّ الشراكة في “تخليق” المعنى لا أن يكتفي بامتصاصه.
ومن هنا، تكتسبُ “الصورة” في أدب الطفل سيادتَها الكبرى؛ فهي ليست حاشيةً للزينة، بل هي متنٌ بصريٌّ موازٍ.
فكم من فكرةٍ وجودية تسللت إلى وجدان طفلٍ عبر “لونٍ دافئ” قبل أن تدركها العبارة، وكم من مشهدٍ اختصر في ذاكرته فصولاً من البيان، إن الكتابة للطفل، في جوهرها، هي غمسُ الريشة في الحبر واللون والضوء معاً.
ولعلّ أبهى ما في عوالم الصغار هو ذاك التلاحمُ الذي لا ينفصمُ بين الواقع والخيال؛ حيث كلُّ شيءٍ يمتلكُ قابليةً لأن يكون أكثر حياةً مما يبدو، وهنا، لا تكمنُ مهارة الكاتب في تسييج هذا الخيال، بل في “مصاحبته”؛ أن يكتب بروح الدهشة لا بمنطق الإملاء، وأن يهبط إلى ملكوت الطفل دون أن يفرض عليه وقارَ الكبار المثقَل.
إن أدب الطفل يبدأ من “فضيلة الإصغاء”؛ الإصغاء لما لا يُقال، ولما يُرى ولا يُشرح. وحين نُحسن هذا الإنصات، سننسجُ له نصوصاً تشبهه، نمنحه من خلالها مفاتيح القراءة… لا للحروف فحسب، بل للحياة في أبهى تجلياتها.
وفي المنتهى، ليس المبتغى طفلاً يحذقُ “التهجئة”، بل إنسانًا يجيدُ “الاستبصار”؛ يرى ما وراء الكلمات، ويلمسُ الروح القابعة بين السطور، لأن مَن تعمّدَ بماء الدهشة وقرأ العالم بقلبه أولاً سيقرأ الحروف لاحقاً… بوعيٍ أشفّ، ونفسٍ أكثر امتلاءً بالوجود.
*كاتبة سعودية
7aerh_4