مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أبو بكر بن مخاشن* في قرية نائية، حيث تنام الجبال فوق العواصف وتغفو الأنهار في حض …

حين يلتقي الحب بالتقاليد.. حكاية تبحث عن قارئها (تأملات في صراع لا ينتهي)

منذ 5 ساعات

7

0

أبو بكر بن مخاشن*

في قرية نائية، حيث تنام الجبال فوق العواصف وتغفو الأنهار في حضن الأشجار، التقى قلبان: يوسف وليلى. هو شاب يفيض وسامة ويمتاز بذكاء مدهش، وهي غادة أبهرت الجميع بجمالها ورقة روحها. وفي تلك البقعة التي شهدت ولادة حبهما، بالقرب من النهر المتلألئ تحت ضوء القمر، بدأت حكاية لا تزال حتى اليوم تبحث عن قارئ منصف.

لكن… ما الذي يجعل قصة حب بسيطة تتحول إلى مأساة؟ أهو تعنت العائلة؟ أم تهور العاشقين؟ أم أن ثمة ما هو أعمق من ذلك؟

من جهة الحب…

أليس الحب أصدق ما في الوجود؟ أليس هو النبض الذي يحرك الكون؟ حين رأى يوسف في عيني ليلى عالمًا من الأمل، ومنحته هي بابتسامتها دفئًا يتحدى برودة الأيام، هل كان ذلك وهمًا؟ أم كان الحقيقة الوحيدة في قرية غارقة في أوهام الأجداد؟

هل يحق لأب أن يمنع ابنته من حبها بحجة “التقاليد”؟ وأي تقاليد تلك التي تقف بين قلبين نبضهما واحد؟ أليست التقاليد صناعة بشرية، والحب هبة إلهية؟ ومن ذا الذي يجرؤ على رد هدية السماء؟

يقول أحدهم: الحب كزهرة اللوتس تنبت في وحل المستنقع، كلما ازداد الظلام المحيط بها ازداد بياضها نقاءً. فلماذا نحاول أن نقتلعها بأيدينا؟

ومن جهة التقاليد…

ولنكن منصفين… ما التقاليد إن لم تكن حصيلة قرون من التجربة والألم؟ حين وقف والد ليلى صارماً يقول: “هذا ليس بالطريق المناسب لكِ… نحن من عائلة محترمة”، أكان يتحدث عن تعصب أعمى أم عن حكمة لا يرى ظاهرها إلا من عاش مثل ما عاش؟

هل يعقل أن نجعل من الحب مبرراً لكل شيء؟ أليس الحب أعمى في كثير من الأحيان؟ ألم يندم عشاق كثر على خطوات أقدموا عليها وهم يرون الدنيا بعيون لا ترى إلا لوناً واحداً؟

يقول الحكماء: من كرمت نفسه عليه هان عليه غيره. لكن… أليس من الكرم أن نحافظ على ما بناه الأجداد؟ أليس من الحكمة أن نزن الأمور بميزان العقل لا بميزان القلب الثائر؟

ثم… هل كان يوسف وليلى سيعيشان بسعادة لو هربا؟ أم أن الهروب كان سيفتح باباً من الألم لا يغلق؟ ومن يعلم؟ ربما كان الأب يرى ما لا يريان.

تسلقا الجبل في مغامرة حالمة، كأن الطبيعة احتفلت بحبهما. ثم… انفصلت صخرة عن مكانها، وسقط يوسف إلى الأسفل. مات. وبعد أيام، ماتت ليلى حزناً عليه. أو ربما ماتت لأنها لم تجد إجابة.

هل كان بإمكان يوسف وليلى أن يعيشا لو احترما التقاليد قليلاً؟ أم أن التقاليد نفسها كانت الصخرة التي سقطت عليهما؟

أكان الأب حكيماً حين منع ابنته من الزواج ممن تحب؟ أم كان قاسياً حدَّ البكاء؟

أكان الهروب حلاً؟ أم كان بداية النهاية؟

من القاتل الحقيقي؟
الحب الأعمى الذي لا يرى العواقب؟ أم التقاليد الجامدة التي لا ترى نبض البشر؟

يقول أحد الفلاسفة: “ليس كل حب ينتهي بزواج، وليس كل زواج يبدأ بحب”. ويقول آخر: “من عاش بلا تقاليد عاش بلا جذور، ومن عاش بلا حب عاش بلا أجنحة”.

ألقِ نظرة على حياتك. انظر إلى قصص الحب التي رأيتها. إلى التقاليد التي كبرت عليها. ثم اسأل نفسك بصدق:

لو كنت مكانَ يوسف… ماذا كنت ستفعل؟
ولو كنت مكانَ ليلى… من كنت ستختارين؟
ولو كنت مكانَ الأب… هل كنت ستمنع أم تسمح؟

الحياة ليست أبيض وأسود.. هي ظلال لا نهاية لها من الرمادي. وربما لهذا السبب بالذات، تظل قصص مثل قصة يوسف وليلى خالدة: لأنها تذكرنا بأنه لا توجد إجابات سهلة، بل أسئلة تظل ترافقنا إلى الأبد.

فأي الطريقين أكثر حكمة في نظرك؟
الحب الذي لا يرى إلا الآن؟ أم التقاليد التي تنظر إلى الغد؟

القصة انتهت، لكن السؤال يبقى مفتوحًا.

* كاتب يمني

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود