12
0
8
0
6
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13576
0
13420
0
12254
0
12157
0
9604
0

د. هاني الغيتاوي*
لقد بد أثرُ السلطة الأبوية جليًّا في حياة الأديب فرانز كافكا، فعاش حياة مُثقلة بالتعاسة والتعقيد، فآثر العزلة والوحدة، يتلظى بنار القلق والخوف والاضطراب. كان يحجم عن مواجهة الناس والانخراط في الحياة، ويلازمه شعورٌ دائم بالنقص والانكسار، حتى بدا كأنه غريبٌ عن ذاته.
وكان وراء هذه المشاعر – في جانب كبير منها – أبٌ مستبدٌ مُتسلط، ترك أثرًا عميقًا في تكوينه النفسي وشخصيته.
وقد صوّر كافكا جانبًا من هذه المعاناة في رسالته إلى صديقته ميلينا يسينسكا، حين أشار إلى أن والده كان حاضرًا في معظم تعاساته، وأنه السبب الكامن خلف كثيرٍ من أزماته النفسية، وأنه كان يلجأ إلى الكتابة كلما عجز عن مواجهته أو التعبير عمّا يعتمل داخله.
لقد امتد تأثير السلطة الأبوية إلى مجمل حياة كافكا الاجتماعية والمهنية والأدبية؛ إذ أصرّ والده على توجيه مسار حياته بما يتوافق مع رغباته هو، لا مع ميول ابنه وتطلعاته. فألزمه بدراسة القانون والعمل بالمحاماة، فاستسلم الابن لرغبة الأب، وأذعن لها رغم تعارضها مع ميوله الأدبية، حتى أعلن لاحقًا أن هذا الإذعان كان أول هزائمه الكبرى في الحياة:
“كنت أعرف أنه لا توجد حرية حقيقية في اختيار المهنة”.
كان كافكا مرهف الحس شديد التأثر، وقد تركت قسوة والده وجراحه النفسية أثرًا بالغًا في أعماقه، فنمت داخله مشاعر القهر والصراع والانكسار، حتى وجد في الكتابة ملاذًا يلوذ به وعزاءً يُخفف وطأة ما يُكابده من ألم. ولم تكن كتاباته – في جانب منها – سوى محاولة لفهم جراحه الداخلية والبوح بما عجز عن قوله وجهًا لوجه.
ويقول مُخاطبًا والده:
“كانت كتاباتي تدور حولك، والحق كنت أشكو فيها ما لم أستطع أن أشكوه على صدرك“.
لقد انعكست معاناة كافكا النفسية بوضوح على إنتاجه الأدبي؛ فامتلأت أعماله بمشاعر الخوف والقلق والاغتراب والشعور بالعجز، وغدت الكتابة مرآة لصراعاته الداخلية.
ولعل من أبرز ما يختزل هذه المعاناة عجزه عن إتمام كثير من أعماله الأدبية؛ إذ كان الشعور بالنقص والصراع النفسي يلاحقه باستمرار.
ويقول صديقه المقرب “ماكس برود” صاحب الفضل في نشر أعماله بعد وفاته: ” إن كافكا لم يكتب الفصل الختامي لمعظم أعماله، لكنه أخبرني ذات يوم أن عليه أن يموت وقد مزقه الصراع”.
وإذا كانت تجربة كافكا قد كشفت أثر السلطة الأبوية في تكوين ذاتٍ قلقة ومنكسرة، فإن تجربة الأديب والروائي المغربي محمد شكري تمثل وجهًا أكثر قسوة وعنفًا لهذه السلطة؛ إذ تجاوز الأمر حدود الهيمنة النفسية إلى صورٍ فادحة من القهر والعنف والإذلال.
في روايته الشهيرة الخبز الحافي، قدّم شكري صورة صادمة للسلطة الأبوية، كاشفًا عن أبٍ مارس أقسى ألوان البطش والاستبداد، حتى غدت الطفولة في ظله مساحةً للخوف والحرمان لا للأمان والرعاية. وقد انعكست هذه التجربة القاسية بعمق على شخصيته، فغلب على حياته القلق والاضطراب وفقدان الشعور بالأمان.
يقول شكري مصورًا بشاعة تلك السلطة: “نحن كنا أغنامه يستطيع أن يذبح ما يشاء”.
وهي عبارة تختزل طبيعة العلاقة القائمة على الهيمنة المطلقة؛ حيث يُختزل الأبناء إلى كائنات فاقدة الإرادة خاضعة لسلطةٍ لا تعرف الرحمة ولا تعترف بالحدود.
وكان الأب يردد على مسامع أبنائه:
“الطاعة لي وحدي ما دُمت حيًّا”.
وكما يصفه شكري بقوله “أبي.. أقرب إلى الأنبياء والقديسين” وهو وصف يحمل في طياته سخريةً مُرةً، ويعكس صورة الأب الذي يرى نفسه صاحب سلطة مطلقة، كأنه عملاق يحكم أقزامًا.
لقد عانى شكري من أبٍ قاسٍ لا يتورع عن الضرب والإهانة لأتفه الأسباب فيقول:
“كان أبي يضربني لأنني أكلت خبزه، كان الخبز خبزه، وكان عليّ أن أجوع”.
ولم تقف قسوة الأب عند حدود الإيذاء النفسي والجسدي، بل امتدت إلى تعنيف الأم واستغلال الأبناء وسلبهم ما يكسبونه من قوت يومهم، ثم إنفاقه على الخمر والسُّكر. بل تجاوز الأمر ذلك إلى مأساة أكثر فداحة، حين تسبب في مقتل أحد أبنائه، كما يروي شكري بألم بالغ:
“كيف لوى أبي عنف أخي.. هو الذي قتله، رأيته يقتله، هو قتله، رأيته يقتله، أبي قتله، قاتله الله”.
“صرت أفكر، إذا كان من تمنيته أن يموت قبل الأوان فهو أبي”.
ويقول أيضًا:
“أكره الناس الذين يشبهون أبي، وفي الخيال لا أذكر كم مرة قتلته ولم يتبق لي إلاّ أن أقتله في الواقع”.
لقد دفعت هذه البيئة القاسية شكري إلى النفور من البيت، وآثر حياة التشرد في الشوارع على قهر المنزل، فعانى الفقر والجوع والبؤس، وانزلق إلى عالمٍ مُضطربٍ من الضياع والانحراف، وكانت السلطة الأبوية عاملًا رئيسًا في تشكيل هذا المسار المؤلم.
فالأب الذي كان يُفترض أن يكون مصدر الأمان والاحتواء، تحول إلى بؤرة للخوف واليأس، وإلى أحد أبرز أسباب السقوط النفسي والاجتماعي لابنه. وقد جسّد شكري هذه التجربة بجرأة وصدق في الخبز الحافي، فجاءت الرواية حافلةً بصورة الألم والقسوة، صادمةً أحيانًا لكنها مُشبعة بصدق التجربة ومراراة المعاناة.
“وحش يزرع حضوره في الزمان والمكان الرعب والصمت، وعندما يدخل لا حركة لا كلمة ولا شيء يحدث إلاّ بإذنه”.
لقد حمل شكري لأبيه البغض والشنآن، فكان يراه وحشًا، وشخصًا لا قيمة له متعطل عن العمل، استغلالي وانتهازي وقاتل، ولم يقف الابن عند الكره لأبيه فقط بل تمنى له الموت، لأنه هو السبب الرئيس في أن يرديه صريع الخوف والقلق واليأس ويودي به إلى قاع الانحراف والضياع والبؤس.
يقول شكري: “طفولتي هي القيمة الأكثر تبلدًا في حياتي، لا أحد كان يجازي عملي، كنت طفلًا يُصفع لا أكثر، لم تكن هناك حتى بسمة عابرة، وكنت أعيش ولم أكن قادرًا على تغيير شيء؛ لأن كل تغيير يتحكم فيه الكبار”.
هذا النزوع الشاذ في قيمة الأبوة، كان له أبلغ التأثير على حياة محمد شكري، فآثر حياة التشرد في الشارع عن قهر وتسلط أبيه في المنزل ، فعانى الجوع والفقر وحياة البؤس، وفي هذا المناخ الملطخ بالظلم والظلام كانت حياة شكري رحلة موغلة في الضياع، فانحرف إلى عالم التشرد والفقر بكل تفاصيله، فخاض في الوحل بشربه الخمر وعلاقته بالنساء والرذيلة، وكان السبب الأب الذي جعله يتلظى في نار الجحيم.
لقد صور شكري معاني السلطة الأبوية بكل تجلياتها القاسية، ومظاهر الاستبداد والسلطة فيها، وعانى منها فجاء تعبيره عنها صادقًا نابعًا من نفس لاكتها الأيام وشربت عليها، فنقل لنا الحياة المؤلمة والصادمة.
ورغم الانتقادات التي وُجهت إليه بسبب جرأته في تصوير عالم التشرد والرذيلة والانكسار، فإن شكري لم يتراجع عن صدقه في نقل ما عاشه، وكان ردّه البليغ كاشفًا عن عمق جراحه: “أنا أكلت من القمامة ونمت في الشوارع فماذا تنتظرون مني؟! أن أكتب عن الفراشات؟!“.
*كاتب مصري