مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

صالحة نصيب * نعم إنها سنة الحمد والشكر، لدي ولدى الكثير من الناس، سنة ستظل في ذا …

سنة 2023.. الحمد والشكر لله

منذ 5 ساعات

8

0

صالحة نصيب *

نعم إنها سنة الحمد والشكر، لدي ولدى الكثير من الناس، سنة ستظل في ذاكرتي ما امتد بي العمر، ترافقني بكل ذكرياتها، سنة لم تكن كبقية السنوات التي مرت بعمري، شعرت بالسعادة والغبطة والحزن والفرح، تقلبت بي الأيام في تلك السنين الماضية بكل ما فيها، لكنها لم تكن ولن تكون السنوات الباقيات من عمري مثلها أبدًا، نعم لن تكون ومن رابع المستحيلات أن تجاريها وتنافسها.

سيسأل سائل منكم كيف ستكون من رابع المستحيلات أن تمر سنة مثلها في حياتك الباقية؟! وما الذي ميزها وجعلها سنة حمد وشكر لك؟!

سأخبركم، نعم سأخبركم وسأجلو الغموض عن أعينكم، وسأفتح قلبي لكم لتشاركوني الحمد والشكر، وإن كان من أشد أنواع الألم على النفس والقلب، لكن كل شيء يهون عندما تضع نصب عينيك هذه الآية الكريمة لا غيرها: “قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا”، وتؤمن بحديث رسولنا الكريم: “ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها”، نعم حتى الشوكة لو انغرست في أي جزء من جسمك وتألمت منها لكنك لم تتأفف ولم تدع وتتذمر مما أصابك كتب الله لك عليها حسنة وثوابًا، فما بالك إن كانت الهدايا ثلاثًا اجتمعن في سنة واحدة فقط، وفي شهور متتابعة، ويوم يسعد ويحتفل به الناس، ما أعظم الفقد والمصاب، لكن أعظم منهما ذلك القلب الذي لم يسخط ويتذمر، إنما ردد بكلمات ألهمه الله إياها مع هول المصاب: الحمد لله على ما أعطى، والحمد لله على ما أخذ، لا شيء غيرها تردد على اللسان أمام كل من حضر والتقيته.
هل أتحدث بالألغاز والرموز، وأترك لكم حل شفرات كلامي دون توضيح؟! بينما وعدتكم بفتح قلبي وكشف خباياه، سأخبركم بما يسميه بعض الناس
مصائب، وأسميتها هدايا وتكفيرًا للذنوب والرزايا.
أول الهدايا كانت قبل شهر رمضان بشهرين تقريبًا، فقد خرج أخي وتاه في الشوارع وهو مريض لا يعرف شرقه من غربه، خرجت مع صلاة المغرب أبحث عنه كالمجنونة، لا مرشد ولا دليل لديه على الطريق الذي سلكه وهو يقود سيارته في تلك الشوارع التي تتبدل وتعمر وتتغير اتجاهاتها ومسمياتها ويضيع فيها المتعلم قبل الجاهل الفاقد لنصف ذاكرته، والذي لم ير الشوارع منذ أكثر من ثمانية أشهر كان طريح الفراش فيها، نعم تجولت في كل الشوارع التي سلكتها في مشاويري سابقًا، وشوارع لم أعلم إلى أين ستأخذني، كنت أقود سيارتي وحيدة إلا من دعوات أدعو الله بها أن يحفظه ويعيده لنا سالمًا غانمًا لا غير، ومن دموع أذرفها ثم أمسحها بكفي لكي أرى الطريق، فربما لمحت سيارته متوقفة في أي مكان، وعندما عجزت عن أن أجده في شوارع مدينتي الحبيبة دبي ذات التطور الرهيب في الشوارع ومسمياتها توجهت إلى خارج الإمارة، إلى شارقتي الحبيبة الباسمة، لعلها تبتسم في وجهي وأجده في أحد شوارعها أو حدائقها الجميلة، حان وقت صلاة العشاء فتوقفت بجانب أحد الشوارع، وصليت ودعوت الله أن يهديني للعثور عليه، ثم أكملت المسير، عيناي على الطريق أمامي وأخرى على جوانب الطريق، توقفت أمام كافتيريا وأخذت كأس عصير وشاورما لأن الساعة قد تجاوزت الواحده ليلًا، حاولت تناول الطعام فلم أستطعمه، قضمت قضمة واحدة وتركته، وواصلت المسير حتى شعرت بأن قواي خارت وعيني لم تعد تستطيع أن ترى ما في الطريق، نظرت لساعة السيارة فوجدتها تشير إلى الثالثة والنصف ليلًا، فعدت لمدينتي دبي ولبيتنا، وصلت قبل أذان الفجر بقليل، إنها الساعة الرابعة. دخلت المنزل وتوجهت لغرفتي لأنام قليلًا، عند الخامسة صحوت ومن ثم تجهزت للصلاة، وتوجهت لسيارتي وأخذت طريق العين لعلي أجده هناك، وأشرقت الشمس لكني لم أجده، فعدت إلى شارع الإمارات متجهة إلى رأس الخيمة لعلي أجده هناك. وعند الساعة الواحدة ظهرًا استخلفت الله في العثور عليه، فتوقفت بجانب الطريق أنتحب كطفل فصلوه عن أبويه، ثم كففت دمعي ورددت هذا القول بخفوت، ثم ارتفع الصوت ينادي الله وحده، ربي إني يئست من العثور عليه، فإني أترك الأمر بين يديك وحدك، نعم وحدك، وأفوض أمره وأمري إليك، وتحركت من مكاني كأن الله جل جلاله وعظيم سلطانه قد استجاب لدعائي، فرن هاتفي وكانت أختي تبشرني بأن هناك من عثر عليه الحمد لله رب العالمين. (عُثِرَ عليه في المدينة الباسمة موطن زوجة أبي الثانية) يتفيأ ظلال أشجارها وقد بقي طوال الليل تحت ظلها وحيدًا بلا ماء وزاد.
لم تتوقف الأمور عند هذا الحد لكن استمرت المحنة وتعب بعد ذلك ونام في المستشفى، ثم جاء هادم اللذات واختطفه في أول أسبوع من شهر رمضان ورحل هذه المرة، بكيت قليلًا وحمدت الله كثيرًا لأنه أصبح بين يدي رب كريم رحيم، ومكانه سيكون معلومًا معروفًا، فالحمد لله على ما أعطى والحمد لله على ما أخذ، أرددها لكل من جاء للتعزية فيه.

الحمد والشكر الثاني جاء سريعًا أيضًا، هو انتقال خالي وهو خال أمي بالأساس، لكننا تعودنا أن نقول له خالي منذ عرفناه، وهو خال أمي الوحيد الذي بقي لها في الحياة، فذهبت لتعزية أخواتي وخالتي ولساني يردد الحمد لله على ما أعطى والحمد لله على ما أخذ لكل من قابلتهم.

وجاء ختام عام الحمد والشكر عام 2023 ليودعني الوداع الأخير بذكرى حفرها بغزارة وحد السكين في أعماق قلبي المسكين، لا أبدًا.. لم ولن يكون قلبي مسكينًا أيها العام الراحل، الذي لن يعود للوراء ليعيد كرته معي، فقد أصبحت في غياهب وطيات السنين، وسؤالي فقط ليس اعتراضًا أو تذمرًا لكن لسبب سوف أذكره بعد طرح السؤال، لماذا اخترت هذا اليوم من بين كل الأيام 12/5؟ أكانت صدفة أم ماذا؟! أم لأني لم أحتفل به يومًا كما يحتفل به الآخرون وأتذكره بعد مضيه وولدت فيه منذ سنين، وأني أتجاهل دومًا من يسألني كم عمرك؟ فيكون ردي اسألني ماذا أنجزت وماذا قدمت؟ واترك عمري ليعلمه رب العالمين فقط، فليس في قاموسي أني وصلت للخمسين أو الستين، لكن ماذا تركت في نفوس من مررت بحياتهم وقلوبهم، وهل تركت فيهم من يدعو لي ويذكرني بالخير؟ فقط هذا هو عمري.
في هذا اليوم نعم في يوم ميلادي كما أضاء النور حياة أمي بمولدي وفرحتها وفرحة أبي بمقدمي  رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته، فقد حج واعتمر أكثر من خمسة وعشرين مرة – وإن كان تمنى أن أكون ذكرًا ليس أنثى، فلديه البكر أنثى، لكنه فرح بي أي فرح، لقد كنت عنده الأثيرة المفضلة، كنت أيقونته ويده التي توكأ عليها بعد مرور السنين، كان يأخذني معه في مركب التحميل والقطر (القطر تعني سحب الدوبة وهي نوع من أنواع السفن) وإحضار البضائع من المراكب التي كانت ترسو في وسط البحر لعدم وجود الموانئ المؤهلة لتنزل بضائعها على أرصفتها مباشرة في مدينتي دبي خاصة الشندقة، وفي نهاية الشهر يجتمع أبي مع بقية إخوته وأنا لتقسيم حصيلة الشهر، ويا له من يوم مميز ذلك اليوم بالنسبة لي، خاصة لأنني أحظى فيه بنصيب كبير من المبالغ، فما لا يستطيعون قسمته على الخمسة – وهو عددهم – يكون من نصيبي أنا، وإن لم يوجد ما يقسم تطوع كل منهم بإعطائي مبلغًا ولو يسيرًا لأفرح به وأعيش منه كأني أميره تزوجها أمير، نعم في يوم مولدي جاء الوعد الرباني “لكل أجل كتاب”، ورحلت عن دنياي والدتي غفر الله لها ورحمها برحمته الواسعة وأسكنها فسيح جناته، بعد أن ظلت طريحة الفراش عشرة أيام فقط ما بين غمضة عين وانتباهتها، رحلت بصمت، وتلقيت العزاء فيها مع إخوتي وأخواتي وكان ردي فقط: الحمد لله على ما أعطى والحمد لله على ما أخذ، إنهم راحلون ونحن راحلون، يتقدم أحدنا ويتأخر الثاني لحكمة يعلمها الله وحده فقط.
الحمد لك يا الله، فقد بقيت يتيمة الوالدين، لكنني قوية أستمد قوتي منك يا الله وحدك، ومن كل من فقد العزيزين من قبلي، وأصبر وأحتسب الأجر والثواب.
وستمضي الحياة بحلوها ومرها، ونحن سنمضي معها يدفعنا الإيمان بالله وحده، وأن أقدارنا مكتوبة محسومة منذ أن خلقنا الله نطفة ثم علقة ثم مضغة حتى تشكلنا، ومن بعدها خرجنا للحياة لنسلك دروب الخير فيها وغيره، لكن ميزة العقل والتفكير التي ميزنا الله بها عن سائر مخلوقاته هي التي ستحدد لنا طريقنا، وترسمه لنا، لذا أقول لكل من تنازعته الحياة بين خير وشر: لا تيأس من رحمة الله واصبر واحتسب، وشغل عقلك ليكون لك معينًا يرشدك لطريق الحياة فتمسك به عندها ولا تفقده، وكما قيل تمسك به بيديك ورجليك وإن استطعت فبأسنانك أيضًا ولا تفلته لتعود إلى ما نجاك الله منه وأنار لك طريق الصلاح والتقوى.. الصبر الصبر في كل خطواتك [إن الله مع الصابرين].
أستودعك الله يا سنة 2023، وأهلًا وسهلًا عام 2024، اللهم اجعله عام عوض وفلاح وقوة إيمان وثبات وأفراح.

* كاتبة إماراتية

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود