أحمد فلمبان*
ظهر الفن التشكيلي في بلادنا ونما وانتشر ببطء بمسيرة متواترة، ومر بعدد من الكبوات والعثرات والمحاذير والإحباطات والنجاحات، حيث توافرت الظروف المواتية لذلك، وعبر هذه المسافة الزمنية بين البدايات والزمن الحاضر، تأثر كغيره بالتحولات الاجتماعية، ومظاهر النمو الأخرى التي حدثت في بلادنا، خاصة خلال العقدين الماضيين، وحدثت تراكمات كمًا وكيفية في واقع الفن التشكيلي، مثله مثل الفنون الأخرى (كالقصة والشعر والموسيقى وغيرها) فرضت واقعاً جديداً، ونمطاً مختلفاً للوعي والممارسة، كما لا ننكر أن هناك من تحملوا عبء البدايات وحملوا شرف التأسيس، وتركوا أثراً كبيراً، إلا أن الأسبقية الزمنية لا تعني بالضرورة الأفضلية في النوعية، ولا رواداً، وقد يعتبروا مؤسسين؛ لأن في مجالات الإبداع، لا تكون الأحقية بالأقدمية، لكن القدرة على الابتكار والأصالة، وتقديم تكوينات وأفكار جديدة، ودمج المهارة البصرية والخيال الإنساني لابتكار أعمال ملموسة، تعبر عن المشاعر بطرق غير مألوفة، وغير تقليدية، إذ يتجاوز مجرد “المهارة التقنية” ليصل إلى القدرة البصرية، ونقل رؤية الفنان الخاصة للمتلقي وتفريغ الشحنات الانفعالية والتعبير عن الذات الفنية، برؤية عميقة، يمثل مشاعره وأفكاره وثقافته، وبصمة عاطفية وفكرية، ولعل نسيان أو تناسي هذه الحقيقة، هو ما دفع البعض بالوهم والظن بالتميز والإبداع، مجرد عمل لوحتين أو ثلاث والمشاركة في معرض أو معرضين، في شرم الشيخ وعَمَّان وباريس وكوزفو، ليكون (فناناً عالمياً) أنا لم اقرأ عن (بيكاسو ومودلياني وكاندنسكي، وفان جوخ، وميرو، وادوارد موخ، وكليمت، وماتيس) وغيرهم من رموز الفن العالمي، ولوحاتهم تجوب القارات، وتعرضها أشهر الجاليريات وتحفظها كبرى المتاحف، لقب (فنان عالمي) لكنفي ساحتنا التشكيلية، تحول الشغوفين، بقدرة قادر إلى (فنانين عالميين) في ظل الفوضى العارمة، وغياب المعايير، واهمين أنفسهم فنانين ومبدعين؛ لأنه مع هذا العبث والفوضى وفلتان الساحة التشكيلية، اختلط الحابل بالنابل، حيث لا فرق بين المتطفل والفنان الأصيل، فمن خلال هذه الثغرة، أصبحت من السيولة والأحكام، ممارسة حالة من الإجتراء على الفن (اربكت المتلقي) وابتعد عن هذا الفن وحضور المعارض، وصار يذهب إلى معارض السيارات والمولات، ومن المؤسف أن ساحتنا التشكيلية ابتليت بهذه الفئة، اهتزت فيها المعايير وأُطلقت مسميات كبيرة على أوهام صغيرة نُفخ فيها وتضخمت حتى باتت تتصدر المشهد، ويبدو أنه في عالم المجاملة والمداهنة والتملق، تتوالد الأوهام وتتناثر كالطحالب بسرعة ليرفعوا الستار عن هجمتهم، للتزاحم والمضاربة؛ لإيجاد مقعد في عربات الشهرة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه -ماذا قدموا في هذه المعارض التجارية-؛ لأن اغلب أعمالهم (في رأي) تدور في فلك التقليد والاقتباس والنسخ من الفنون العربية، مع بعض التشويهات للخروج من ضائقة الاقتباس، وصدى باهتا للفن الغربي، سواء في المضمون أو الطرح أو التقنية، ولا يمكن أن تصل الى مستوى (العالمية) والطامة الكبرى، انه لا يوجد لدينا “حركة تشكيلية” بمعناه الصحيح، ولا يزال يسير بخطوات غير ثابتة وصل لحد الترنح، ولم يواكب دول الجوار وركض العالم، وإن ظهرت بعض المبادرات التشجيعية من جمعية الثقافة والفنون وجسف، ولكن بشيء من الاستحياء والخصوصية، لا العمل الجاد، والموجود من إنتاج هؤلاء الشغوفين، لا يعبر عن حالة فنية أصيلة، ولا ترقى إلى المأمول، فالطابع مفقود والأصالة مُمْحاة، عبارة عن تشويش وخلط ومعظم الأعمال محاكاة وتقليد في الأسلوب والتقنية والإستلهامات متشابهة أيضًا الصِّيَغ واحدة، وعندما يظهر أسلوب فنان (ما) ولقي الإشادة والتطبيل، قلده العشرات بعده، ويتبعون أسلوب بعضهم عند اجتماعاتهم الدورية أو عند إقامة الورش التدريبية، من مدربين وسائل تعليمهم من الصور والرسومات في الكتب والكتالوجات واللوحات الجاهزة، بل ويرشدوهم بالنسخ والتقليد وكيفية الخروج من ضائقة اللطش، وهناك ركض جنوني خلف السوق ومن يبيع أكثر وتقليد ممَّن تذهب إليه الجوائز، فهذه الحالة لا اعتقد بإيجابيتها؛ لأنها لا ترنو إلى التطور ومواكبة العالم الفني؛ لغياب التقييم الجاد والممارسة النقدية الصريحة، في سبيل الولوج للشهرة والمفاخرة باللقب (الفنان العالمي) لذلك يجب على هؤلاء الفهم بما يمارسونه، لأن الفن الحقيقي، منظومة متكاملة لعالم مرئي له مخرجاته، ويتم من خلال عمليات التعامل مع الخطوط والأشكال والمساحات والألوان، بلغة متزنة تضم تنويعا من الأدوات والخامات، واتباع أسس وقواعد الرسم، والمهارات المتنوعة من عناصر الإبداع، وهناك ثمة خلل في هذا الجانب يحتاج إلى وقفة تأمل وموضوعية وصريحة وحازمة، ومنهجية واعية، أكثر حيوية تتلمس مستوى الفن المحلي وواقع وتيارات العولمة بأفقها الواسع ومتطلباتها الفكرية المتطورة، لذا، على الجهات المشرفة للتشكيل، وضع المعايير والشروط للمشاركات في المعارض الخارجية التجارية، التي تلقى رواجا لدى الشغوفين والمتطفلون، لتظهر الصورة الحقيقية للتشكيل السعودي، يعكس الجانب الحضاري الذي يمثل واقع الوطن المزدهر في جميع المجالات العلمية والثقافية والأدبية، وتكون الأعمال مميزة، غير مألوفة وغير عادية وغير معروفة وغير متكررة، المهم يكون فناً أصيلاً، له مقوماته، كعمل فني إبداعي مبتكر ينتمي للفنان؛ لإثبات حضوره ومدى تميزه وأهليته، لمقارعة فناني العالم في الفعاليات والبيناليات العالمية، ليكون فعلاً (فناناً عالمياً)، لا شك أن مجال الفن مفتوح، للمحترف والرسام والشغوف والمتطفل والهاوي وعمال الصبة وبياعو الغاز، يرسمون ما يشاؤون، لكن (منطقياً وفنياً) هناك شروط يجب استيفاؤه لإنتاج أي عمل فني حقيقي، واعطاؤه التأثير البصري، للأشكال والألوان، والقدرة على ترتيب العناصر بتكوينات مبتكرة وأفكار مميزة، بأسلوب يحمل دلالات فلسفية وجمالية وفكرية وعاطفية، وليس نسخاً وتقليداً للمفردات المعروفة كالنقش والزخرفة والخط العربي والقط، و التصاوير المناسبة مع المجالس والصالونات، هي فقط من ميراث ثقافي وليست مناسبة للمتغيرات الفنية المعاصرة، تسهم في تحييد التغيير أو الجرأة الفنية نحو ما هو مختلف ومعبر عن حالة فنية أصيلة، تحولهم إلى راكضين خلف السوق، والولوج بسرعة للشهرة، جعلت أكثر أعمالهم في سلة واحدة، لذلك على الشغوفين التمهل في الوثب العالي، ومعرفة أهداف المشاركات الخارجية التجارية النفعية، والتي لا تفيدهم، بل تسيء للفن التشكيلي السعودي، لأننا جميعاً نتطلع إلى تجارب ناضجة وناجحة، يواكب الحركات الفنية المعاصرة في العالم ولابد أن يتفاعل هذا التقدم طابعه التأثيري، ويترافق إنتاج الفنانين مع العهد الفني الجديد، وتقدم كبير في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، لمواكبة العالم الفني، ومنحه المنظومة المتكاملة، تثري مجالات الفنون البصرية لتكون إحدى أدوات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للثقافة السعودية، في وقت تشهد حراكًا ثقافيًا متسارعاً، ومشروعاً استراتيجياً، يعيد تعريف دور الفنون في التنمية، ومن فنانين محترفين متعلمين، بكفاءات إبداعية في مجالات الفنون أكاديمياً وثقافياً وتقنياً، لتكون ركيزةً أساسية للابتكار الثقافي الناضج، يخدم الفكر والثقافة، له قيمه العالية، ويرتقي به إلى مجالات خارج نطاق الواقع، لترسيخ القدرة الفنية والبناء المتكامل والتخطيط المحكم، باعتباره واجهة حضارية ورافدًا مهمًا للثقافة السعودية يُنظر له بعين الاعتبار، كجزء من ثقافة وحضارة الوطن وانعكاس لواقع ثقافة ووعي المجتمع، والارتقاء به إلى مستوى الحراك التشكيلي، وتتكامل في ضوئها الجهود بين المؤسسات التثقيفية فيه وتنبثق منها الخطط والأهداف الواضحة والمخرجات المدروسة، للوصول به إلى المستوى الذي يميزه عن بقية الفنون العربية والعالمية، وترسيخ مكانته كمنارة ملهمة للثقافة والفن.
دروس لتعليم الرسم












