7
0
13
0
13
0
10
0
16
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13561
0
13405
0
12240
0
12151
0
9593
0

قررت السفر إلى بغداد لأمر عارض.. امتطيت صهوة جوادي، ولما وصلت إلى الكرخ بالقرب من بغداد توقفت في مقهى على قارعة الطريق.. دخلت المقهى وإذا أنا وجها لوجه بصديق الصبا (حنظلة).. جلسنا نحتسي عصير الرمان، ونتجاذب أطراف الحديث، فعرفت منه أنه في طريقه إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد للسلام عليه، والبحث عن فرصة عمل في بلاطه!
قلت لصديقي: وأي عمل تحسن في بلاط الملوك؟
قال: ألا تعرف عني خفة الدم؟
قلت: وهل هذه مؤهل؟!
قال: نعم. إذا كانت الوظيفة (نديما)!..
عرض علي حنظلة مرافقته. وكنت لم أر أمير المؤمنين منذ مبايعته خليفة للمسلمين، وكان عائدا لتوه من الحج فاستحسنت فكرة مرافقته، ولكني اشترطت عليه ألا يحرجني بطلب تزكيته إن سألني عنه الرشيد، فأنا أعرف حنظلة وسيرته التي ليست على ما يرام!
خرجنا من المقهى، وامتطى كل منا جواده وسرنا جنبا إلى جنب، وظل يحدثني عن الرشيد وبلاطه وندمائه وكأنه نشأ في قصره منذ صغره.. قال لي وكأنه يسرد علي حلما: سنستمتع بعد قليل بما يدور في مجلسه من أفانين القول شعرا ونثرا وحوارا ومناظرة، حتى إذا حان وقت الغداء شاركناه في لحم الظباء المشوي متلوا بالفالوذج، ثم نقضي اليوم كله في حدائق القصر الغناء، فإذا ما جن الليل كنا أول من يحجز طاولة في منتدى الرشيد الليلي فنستمتع باللهو والطرب والرقص والغناء إلى السحر!..
وصلنا قصر الرشيد، وأشار لنا حارس القصر إلى مكان الاسطبل حيث أوقفنا جوادينا، وتقدم سائس الخيل وقاد الجوادين إلى الداخل لتقديم ما يحتاجانه من علف وماء، وتوجهنا –أنا وحنظلة– إلى داخل القصر بعد أن أصلحنا عمامتينا ونفضنا التراب عن جبتينا ودلفنا معا إلى بلاط الرشيد، فسلمنا ودخلنا وذهلنا من حفاوته الشخصية بنا وترحيبه، وطلب منا التقدم إلى عمق المكان قريبا من مجلسه.. هنأناه بسلامة الوصول من الحج ودعونا له بالقبول والتوفيق.. كان يتحدث إلى جلسائه عن زيارة مسجد رسول الله في المدينة المنورة بعد الحج، ولقائه بأستاذه في الفقه والحديث الإمام مالك بن أنس، وقد سرد لنا الرشيد ذكريات الطفولة مع أستاذه..
قال: ألح أبي المهدي –رحمه الله- على الإمام مالك أن يسعى إلى القصر ليعلمنا أنا وأخي موسى، فقال الإمام لأبي: لا يا أمير المؤمنين. العلم يُؤتى ولا يأتي.. واضطر والدي أن يبعثنا –أنا وأخي هارون– إليه كل يوم فنقف بالباب وريح الشتاء تلفحنا حتى يفتح لنا..
بعدها التفت إلى الجالس عن يمينه – أبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني وقال له: لقد وليتك كما تعلم منصب قاضي القضاة خلفا لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب –رحمه الله– فاتق الله فيما وكل إليك من أمر..
بارك المجتمعون لقاضي القضاة الجديد ودعوا له بالتسديد، وبعد انتهاء مراسيم تنصيب قاضي القضاة استمع الرشيد من رئيس ديوان العرض إلى تقرير عن سير العمل في الديوان وطمأنه عن استتباب الأمن على الحدود مع الروم بعد المعركة الأخيرة، ووعده الرشيد بزيارة قريبة لاستعراض الجند.. نودي بعد ذلك لصلاة الظهر وقمنا إلى المسجد الملحق بالقصر وأدينا الصلاة، وبعدها اتجهنا إلى مجلسنا السابق، فأشار إلينا الرشيد بالتوجه إلى صالون آخر تتوسطه مائدة الغداء.. كانت مائدة عامرة بأطايب الأكل المشوي والمقلي، مع شراب اللوز.
قال لي صاحبي هامسا: أين النبيذ؟!
فنكزته نكزة خفيفة فهم منها أني أطلب منه الصمت..
انتهينا من الغداء، ووجهنا الحاجب إلى دار الضيافة واسترحنا هناك إلى أن نودي لصلاة العصر، ولما قضيت الصلاة إذا بجمع من العلماء والفقهاء والأعيان وعموم الرعية قدموا للسلام على أمير المؤمنين، ومضى الوقت في عرض لمسائل فقهية وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أخذ الامام الشافعي يعظ أمير المؤمنين حتى بكى، فقال: أحد الحاضرين له: احبس لسانك عن أمير المؤمنين. فقال الشافعي: اسكتوا.. لا تذهبوا بنور الحكمة. فأشار إليه الرشيد بمواصلة الموعظة حتى إذا انتهى رفع الرشيد رأسه وقال للشافعي: قد أمرت لك بصلة.
فأجاب: كلا والله لا يراني الله قد سودت وجه موعظتي بقبول الجزاء عليها..
بعد صلاة المغرب حضر جابر بن حيان (أبو الكيمياء) والحسن بن الهيثم عالم البصريات والخوارزمي عالم الرياضيات وسألهم عن سير العمل في دار الحكمة وعمل النساخ. أما بعد صلاة العشاء فقد كان موعد الشعراء والظرفاء.. تقدم أحد الظرفاء فقال له الرشيد قبل أن يبدأ: اجتنب الصلاة والقرآن وقل فيما عدا ذلك!!..
في الصباح الباكر وبعد أن تناولنا طعام الإفطار وودعنا أمير المؤمنين وامتطينا صهوتي جوادينا قلت لحنظلة: لم تحدث أمير المؤمنين بشأن ما قدمت من أجله..
قال: ليس عندي من القول ما يليق بمجلس أمير المؤمنين!
كان حديثنا طول الطريق إلى الكرخ –حيث افترقنا– عمن شوه سيرة الرشيد وخاصة كتاب (إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس) وكتاب (ألف ليلة وليلة) وكتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني وكتب جورجي زيدان..
قال لي صديقي: عندما أصل إلى الكرخ سأرفع دعوى قضائية على أصحاب هذه الكتب جميعا..
قلت له: وسأدفع نصف الأتعاب !!
*كاتب من السعودية