الأكثر مشاهدة

الغرائبية والتموضع السردي الواقعي: قراءة في رواية (أنفس) لعبده خال د. محمد ياسين …

الغرائبية والتموضع السردي الواقعي

منذ 3 سنوات

512

0

الغرائبية والتموضع السردي الواقعي:

قراءة في رواية (أنفس) لعبده خال

د. محمد ياسين صبيح*

مدخل:

 تكمن أهمية الروايات التي تستخدم العجائبي أو الأسطورة في تقنياتها، بأنها تبتكر حلولاً سردية مختلفة للمعضلات التي يريد الكاتب التحدث عنها، وذلك عندما لا يجد أن السرد الواقعي مناسب لإظهار أفكاره، وعندما تحقق هذه المعادلة فإن الرواية تحقق ريادة وقوة كنص أدبي ابتكر أسلوبه دون الوقوع في التقليد أو المشابهة، من هذا المنطلق يمكننا أن نقرأ رواية عبده خال (أنفس- دار الساقي- بيروت 2019)، حيث يمكننا إدراجها ضمن الروايات الغرائبية؛ لأنها تستخدم أحداثاً غير مألوفة لتحقيق واقع مألوف.

ملخص الرواية:

    صفية الجدة تريد أن يكون لها حفيد بأي ثمن، وعندما تحمل زوجة ابنها تفرح وتنتظر، ولكن ما حصل يقلب الترقب بالفرح إلى حزن، حيث تسقط زوجة ابنها فجأة، فتسقط من رحمها كتلة لحم (مضغة دم)، وهنا تكثر الآراء حولها، البعض رأى أن تدفن المضغة، ولكن الجدة كان لها رأي آخر، فخبأت المضغة ولفتها بقطن وبللته بالماء، وبعد عدة أيام نما كطفل، فأعادته لأمه لترضعه وسط دهشة الجميع وفرح الأم، يبدأ هنا الحدث الغرائبي، فكيف لمضغة دم ولحم أن تنمو دون تغذية أو هواء؟! أو وجود أساس للحياة البيولوجية، وأن يتشكل طفلاً معافى، ثم تبدأ الأحداث بوجود قدار الذي تنبئ للطفل قدراً مهماً بأنه سيكون المهدي، وأشار على الجدة أن تخبئه؛ لأن السحرة يتربصون به، وهكذا تكلف الجدة قدار بحراسته وأخذه بعيداً، حيث يتولى قدار رعايته وحمايته، ولكن نكتشف أن وحيد، طفل المضغة، غير مقتنع بتنبؤ قدار، ولكن اللعبة السردية تستمر، ونقطة التحول في الرواية ظهور ثنوى، وحب وحيد الكبير لها، ومن ثم قيام قدار بإخفائها حتى لا تلهيي وحيدًا عن مهمته المقدسة، ويظل وحيد يحبها فيرسمها ويصنع لها التماثيل، حتى يتحول أحدها إلى جسد ويمارس معها الجنس، ويتفاجأ يوماً باستدعائه من قبل الشرطة للتعرف على ولده، نظراً لادعاء امرأة ما بأنه أباه، وهناك لا يعرف من المرأة ولا يعترف به، فتكشف عن نفسها ويعرفها، ولكنها تتحول على تراب.

الوصف وتكرار السرد:

    يعتبر الوصف من التقنيات المهمة في الرواية بشرط أن يحقق مهمة إكمال الحدث بوصف البيئة أو حال الشخصيات، دون أن يكون لمجرد تعبير غير مجدٍ عن حالات لا تؤثر على سير الحدث أو على بنية الشخصية، هكذا يمكن أن نرى وصفا وشرحا لحالة المضغة التي أسقطتها سلمى زوجة ابن الجدة صفية، وكذلك طريقة دفنها.

   من المفيد جداً أن يترك السارد للشخصية أن تنمو وتتطور طبيعياً دون تدخل كبير منه، ولكن هنا في الرواية نجد أن السارد هو من يوجه الشخصية ويرسم لها خط سيرها، وهذا لا يعطي الرواية خصوصيتها وحرية التحرك، فهاهو يسرد ملخص ما سيحدث تقريباً ويشرح أفكاره، وهذا برأيي لم يضف للرواية أي قيمة فنية، بل أثقلت الرواية بالشروحات والوصوف، وكذلك نجد تداعيات سردية تحرك السارد بشكل غير عفوي، كما في قوله:

“في كل انتصاب، يغرس قامته بين خطوطه المتعرجة على الأرض فتذهب مخيلته إلى أن الكون لوحة إرشادية كتب فيها ملايين الأسرار، والمحظوظ من يمسك بشفرة قراءة صفحات الكون”.

    لجأ الكاتب إلى استخدام تقنية تعدد الأصوات وذلك من خلال صوت وحيد طفل اللطخة ولفافة الطين، وهذا أعطاه مرونة كبيرة في سبر أغوار الشخصية والكشف عن ميولها وتقلباتها، وبالتالي ساعده على إظهار تفاصيل علاقته بثنوى وبقدار وبالعالم وبكينونته التي ابتكرها الكاتب كحالة فريدة واسطورية.

    أما الفصل 90=أ فوصف عودة وحيد إلى قريته، ورؤية التغير الذي طرأ عليها، ولم يفعل شيئاً سوى وصف المكان، بمعنى أننا لم نلحظ أي إضافة تستحق أن تذكر، وكان بالإمكان إدراجها في أي فصل من فصول الرواية بشكل مختصر.

تساؤلات سردية:

    ما ذكره الكاتب بلسان وحيد عن علاقاته الغرامية وتشبهه للفتيات اللاتي يلتقيهن بثنوى حبيبته المختفية، كثير جداً وكاف لإظهار غرامياته وعلاقاته المتعددة لمجرد اشتياقه لثنوى، وبالتالي فإنه في القسم المعنون بـ(ن) لم نرَ مبرراً وفائدة من ذكر علاقاته بالتفصيل مع فتيات تبدأ اسمائهن بحروف حبيبته ثنوى، (ث ن و ى)، فقد شرح لنا كيف تعرف على كل واحدة منهن وكيف كانت علاقته بها، وهذا برأينا لم يضف للرواية، بل أطال السرد وأضعف عنصر التشويق، فالقارئ فهم الفكرة والمقصد، ويكفي لو عرج على ذلك بسرد سريع، فهذه التجربة لم تفد تطور الحدث والشخصية، وفيها تكرار لما ذكره دوماً من حبه وهيامه بثنوى.

    لقد حاول الكاتب اقناعنا بحكاياته الأسطورية (بالكرامات التي تحقق المعجزات)، وبفكرة ولادة وحيد في نهاية الرواية، وترويج فكرة قدار بأنه المهدي المنتظر، ويصر على إثبات هذه المقولات في مواضع كثيرة.

عندما تنظر زوجته إلى المرآة وتجد نفسها فقط من دونه، “أخبرتها أنني لم أرَ وجهي بتاتاً، فأحضرت المرآة وجاورتني، صُعقت عندما رأت نفسها وحيدة على سطح المرآة، وقفزت كملدوغة: “من أنت”؟ -أنا وحي.”، وهنا نرى إشكالية سردية، من خلال عدم اعتبار نفسه مهديا وصاحب معجزات أو كرامات، وهنا يعتبر نفسه كذلك، هي تساؤلات تثير التفكير ملياً في تركيب الرواية البنيوي، فالخلط بين الأسطوري والواقعي يمكن أن يخرج عن سياق المعقول إلى سياق التعالق غير التوافقي، وهنا يجب أن نتنبه إلى التفريق بين رأي الكاتب ورأي السارد، بمعنى ألا يجعلنا الكاتب نعتقد أنه يخلط رأيه بلسان السارد كما بدأ هنا وفي كثير من المواضع.

    ولكن فجأة نعرف أن وحيدًا كان في أفغانستان للجهاد وفي غيرها من البلدان التي تعاني صراعات عسكرية، ولم يذكر الكاتب أي تفصيلات سابقًا عن ذلك، ورغم رغبته في جعل هذا الحدث علامة ووسيلة لإيصال رسالة أن وحيدًا عاش حالة من عدم إتزان فكري، وعدم وثوقه من تموضعه على أي وجهة فكرية هو، ولكن المشكلة أن الأسلوب والطريقة لم نجدها مناسبة، رغم أنها أطالت السرد وغيرت اتجاه الرواية قليلاً. 

    فما علاقة الأسطورة بالواقع؟ يتبادر للذهن عدة أجوبة، ومنها أنها وسيلة لجذب المتلقي إلى النص، ولكن بالمقابل هي محاولة لدمج الواقع الماضوي وتأثيره على المجتمع، ومحاولة رفضه من قبل الواقع الحالي، هي قضية حساسة يجب أن يرسم الكاتب حدود كل متخيل دون أن يطغى على باقي المفاهيم الفكرية في الرواية، فالرواية تحتاج على أحداث لها أسباب ودوافع ونتائج، لذلك نرى قضية الرواية الأساسية هي ولادة وحيد غير التقليدية، ودخول ثنوى في حياته هي محاولة من الكاتب لإظهار أن وحيدًا ليس المهدي، من خلال انجرافه وراء أهوائه (حبه لثنوى) وصراعه مع قدار الذي يصر على أنه المهدي ويقوم بإخفاء ثنوى، فهذه المعادلة وفقت في إظهار التناقض في المجتمع بين طرفين، (ماضوي تقليدي وحداثوي يرفض الأسطورة)، ولكن تبقى في الرواية نقطة غير واضحة، وهي إصرار الكاتب من خلال الشخصيات وحتى وحيد على وجود المعجزة.

تأملات الرواية:

    حاول الكاتب أن يجد لنفسه فسحة من التأمل الفلسفي والفيزيائي، لجعل الرواية تختلف بمواضيعها عن المفهوم الأخروي والديني، فمحاولة قدار لاعتبار وحيد المهدي المنتظر، هي سبر للمفاهيم المتجذرة عند الكثيرين، ومحاولة للخلاص من واقع ماضوي تقليدي، رغم إصرار صاحب المكرمة على رفض الفكرة، وهي رؤية جريئة من الكاتب، على رفض أن تكون المعجزة هي الحل، بل العمل والتفكّر هو الحل، فهي محاولة من الكاتب للتشابه مع الروايات الصوفية التي تخلط الفلسفة بالحب والتأمل، وقد نجح جزئياً بذلك، إذ يقول: “هل أنا كون مستقل بذاته له أناسه وأماكنه ومناخه وأتعامل مع كل هؤلاء بينما هم نفسي أنا؟ أخلق من كل خلية كائناً وأضع له اسماً وأبادله القول والفعل”، ويقول – أيضًا-: “أنا فوضى لا يحيط بها نظام”، هي مقولات تأملية، تخرق حاجز المألوف لتعرج إلى العالم الصوفي الآخر، الذي يتماهى مع الذات وذات الحق.

    تلقي الأحداث المتخيلة والأسطورية بظلالها غير المفهومة أحياناً على الرواية، مثل: الأحداث التي تتحدث عن معجزة حدثت وليس مقولة فقط كحدث ولادة وحيد، ومعالجة ثنوى للمرضى بأعجوبة وغير ذلك، وهذا يعتبر إشكالية مع سير الفكرة والأحداث، فلو ترك هذه الأحداث كمقولة وادعاء من الشخصيات، لكان السرد قد وفق دون تدخل أو تبني من الكاتب، ولكن ظهر لنا هنا أن الكاتب يتبنى هذه المقولات، عندما لا نشعر أن هذه الأحداث هي وجهة نظر الشخصيات. وبالتالي لم نر الجسر الذي يوصلنا إلى الوجدان الكوني للإنسان.

    وما نراه أن الكاتب ربما قصد أن يظهر لنا مدى تعمق فكرة الأسطورة في الوجدان الشعبي لتلك الأحياء، ومدى إيمانهم بالمعجزات لإنهاء مشكلاتهم، أو مدى عدم قدرتهم على التأقلم مع الحداثة، وبناء على ذلك أدرج قصة الروبوت السعودي صوفيا، لجعلها على نقيض الحالة الأسطورية الماضوية، وربما هذا يخلق حافزاً للصراع على المستقبل، ولكن ذلك لم يقدم المردود المطلوب من الرواية؛ لأن المضي في قصة ثنوى وعجائبيتها، وفي الإمعان في الترويج لها، غير انحياز ربما للحالة الأسطورية، فلا تكفي الإشارة إلى أي تطور تكنولوجي لجعله مقابلاً لحالة أسطورية، بل يجب أن يتجلى ذلك في صراع درامي بين الشخصيات وفي الحدث نفسه، ومن خلال الصراع يظهر التضاد الإيجابي الخلاق، وما رغبة وحيد في استحضار ثنوى عبر أسلاك وكوابل إلا إمعاناً في الوصول إلى المستقبل من خلال الأسطورة، حيث يقول: “هل أستطيع استحضار ثنوى من غير أسلاك وكوابل؟ فأي معادلة يمكن لها تجسيد رغبتي في استحضار هذه المرأة التي جمعتني وفقتني أيضاً”، ولكن ما أنقذ الموقف هنا، التأمل الفيزيائي الجديد، عندما انتقل إلى الحل الفيزيائي، عن طريق استحضار الفيزياء الكمومية القائلة بتوازي العوالم، يقول: “لا مراء عن وجود كيفية لاستحضار الغائب، فكيف لي الوصول إلى تقنين جلب ما هو غائب في أزمنة ومدارات أخرى. الحياة تغير أرديتها وفق الزمن الذي تعيشه، فهل أستطيع منحها رداءً جديداً يكشف “الأنوات” التي أحياها؟”، فهي إشارة للحل بوجود علوم المستقبل.

    يسرد الكاتب خيالات وحيد وأفكاره عن الحياة والنبوة والمعجزات، عندما يكون وحيداً في الفيلا، وكان يفضل في هذه الحالة أن يشرح هذه الأفكار والتخيلات من خلال حوار ما، لجعله تشويقي أكثر، وبوظيفة إقناعية للأخر أكثر، دون أن تقال هكذا وكأنها جزءا من محاضرة ما، إذ يقول: “الخيال هو المنحة الإلهية المطلقة التي وهبك إياها الخالق العاطي كي تكون إلهاً، والفرق بين الحالتين أن ألوهية الله عز وجل تحقق طرفي الأول والآخر، بينما منحة ألوهيتنا التي اكتسبناها من الخيال تكون داخل الزمن وليس خارجه، الله خارج أزماننا”.

لغة الرواية:

    يمتلك الكاتب لغة شعرية جميلة وسلسة، وصياغات شعرية غير متكلفة ومناسبة للسرد المشوّق، كما يظهر أريحية كبيرة في الأسلوب السردي المزخرف والموظف بشكل جيد في الرواية، ومن ذلك قوله: “تعرف كيف تحرك أمواج غيرتي حين تفتح مغاليق الكون لتنشر جمالها تحت أشعة ولهيب العيون الباحثة عن نظرة منها وهي سخية في نشر جمالها على البشر”، كما تميز السرد بصور بديعة وفريدة كحالة وصف وحيد لقريته “قرية غرقت في هاوية سحيقة بين جبال السروات أطبقت عليها بأنياب مدببة كفريسة تم اصطيادها منذ الخليقة الأولى، فبقيت في جوف الكون حجراً لا يهضم ولا يفنى”، كما تخترق وصوفه الذاكرة بهدوء وسكينة دون تكلف أو مشقة حيث يقول: “مساء منشرح بنجومه المحدقة في ظلمة الليل وعينه تتربص بلهو نسائم الهواء المتلاعبة على رؤوس النخيل المصطفة على رصيف الشارع، فاضحة كثافة الغزل المهدر لسعفات لا تخفق كما يجب أن تفعله معشوقة”.

خاتمة:

    رغم السرد الممتع والمناسب والأسلوب التخيلي، إلا أن ما نقرأه من ملامح دلالات الرواية، لا يعطي رؤية مترابطة ومهمة، فابتكار وحيد من لطخة فقط، ونموه دون وجود بيئة طبيعية مناسبة، حالة غرائبية غير واقعية وتدخل في باب المعجزات، رغم أن الكاتب حاول كثيراً في سياق الرواية أن يعطي مؤشرات على دور العلم، ولكن لم نجد ذلك مقنعاً، لعدم وجود أحد من الشخصيات الرئيسة يدعم هذا الخيار، سوى وحيد نفسه المتأرجح بين واقعين (خيالي ينحو للمعجزة، وواقعي يرفض ذلك جزئياً)، ولم نرَ -أيضاً- من كل مغامرات وحيد مع قدار غير محاولة إثبات أن وحيدًا هو المهدي المنتظر، رغم رفض الفكرة من قبل وحيد، لكنه راح يسايره ربما للمتعة في اللعب كرجل مميز، وكان يمكن للسرد أن يحقق قيمة مضافة لو اتخذ الكاتب مساراً آخر في الأحداث، وابتعد عن حالة الانخراط في الجهاد، لأنني وجدته مقحما بشكل غير مناسب ولم يقدم جديدا لأفكار الرواية.

     قدمت الرواية تجربة سردية جميلة ومميزة، وامتازت بالسرد الشاعري وأسلوب تعدد الأصوات، وهذا أعطى الكاتب قدرة على كشف عوالم الشخصيات، ورغم بعض الملحوظات التي أوردناها، تبقى الرواية على أهمية كبيرة من خلال طرحها إشكالية الأسطوري، وإشكالية التفكير الماضوي الموجود لدى كثير من المجتمعات وليس المجتمع السعودي فقط، والمتمثل بالكثير من المفاهيم التي لا تنسجم مع الرؤية المستقبلية للمجتمعات، ورغم حالة التشابك بين الحداثوي والأحداث التي تثبت وجود المعجزة، والتي قد جعلت الرواية في حالة تشابك بنيوي وشكلاني لم ينته بنهايتها، فالرواية بشكل عام كانت على مستوى كبير من المتعة والتشويق والبنية السردية المتطورة.

*كاتب وناقد من سوريا.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود