الأكثر مشاهدة

محمد إبراهيم الزعير* “تعد نظرية (ما بعد الكولونيالية) من أهم النظريات الأد …

(سوانح نقدية) عرض وتحليل

منذ 3 سنوات

551

0

محمد إبراهيم الزعير*

“تعد نظرية (ما بعد الكولونيالية) من أهم النظريات الأدبية والنقدية التي تطرح العديد من القضايا الشائكة للتحليل والتفكيك، وأبرزها جدلية الأنا والآخر، وثنائية المركز والهامش، والشرق والغرب، وتجليات الخطاب الاستعماري، والتغريب، بعد أن تشكل الغرب باعتباره المركز في مقابل الشعوب المستعمرة باعتبارها تابع”. (تشظي الهوية وانشطار الذات في الخطاب الروائي الجزائري ما بعد الكولونيالي).
من خصائص أدب ما بعد الاستعمار حسب شرح د. رائد الصبح:
-المحافظة على الهوية.
-المحافظة على الأصالة.
-استعادة ما كان مسلوبًا ثقافيًّا، وتاريخيًا، و…
اختيرت مراجعة عن كتاب “سوانح نقدية” بعنوان: دراسات وقراءات في الرواية العربية -وهي حول روايات ما بعد الاستعمار-، العجائبية في الرواية السعودية، السير الذاتية وإشكالية التجنيس، مظاهر الغربة والاغتراب.من إصدارات مؤسسة الانتشار العربي، تأليف: د. سميرة الزهراني. يحتوي على 170 صفحة من القطع المتوسط.
نسلط الضوء على شذرات من محتوى الدراسات والقراءات.
-رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للكاتب الطيب صالح، تحفز القارئ للبحث عن المعاني والمغازي، مع استطاعته الوصول إلى الغاية، حيث تطرح الكاتبة تساؤلات جوهرية: هل نسقط كل دلالاتها على الدول الغربية المستعمرة التي تحاول تجريد العربي من (أصوله، إسلامه، وتراثه)؟
هل نعد شخوص الرواية أجزاءً من صورة (الوعود التي تلامس حاجة العربي)؟
من الشخصيات (مصطفى سعيد)، ومحاولة مواجهة الغرب مع انحراف اتجاهه. (حسنة)، الوفاء والتحضر المنضبط. (الجد)، وصفٌ لكامل صفاته الخلقية وتصرفاته الدينية الفاضلة، مثل: (المحافظة على الصلوات، مساعدة الناس وحل مشكلاتهم).
-رواية ” الحي اللاتيني” للكاتب سهيل إدريس، حيث البطل يحاول تحقيق ذاته في أرض الغرب/ ظاهرة هجرة العقول، رغم ارتباطه الشرقي بأهله وأقاربه.
شخصيات (الأم) الصلة الأقوى في الشرق. (ناهدة)، الإخلاص والانفتاح الملتزم. (فؤاد)، محاولة الوقوف مع الوطن بثقافة الطموح للحرية من خلال النضال.
الروايتان تتحدثان عن صراع الغرب والشرق، المقاومة كانت وسيلتها الكتابة، برؤى جديدة، جريئة، واضحة، تبوح بالمسكوت عنه.
-العجائبية في الرواية، وتداخل العجائبية مع عدة مصطلحات:
الغرائبي: الدلالة على الأمور الجديدة.
الخيال: يعرفه شاكر عبد الحميد بأنه: عمليّة يقوم بها الإنسان بإرادته، وبكل مرونة، يستطيع من خلالها أن يتجول في عالمه الخاص بواسطة عقله، وتكوين الصور وتحريكها حتى يصل إلى ما يريده، وهي عمليّة كلية ذات فروع خاصة بها.
الواقعية السحرية: هي “نمط قصصي، يشير إلى حدث غريب وخارق بالأخص فيما له علاقة بالأمور الروحية الغيبية التي لا يدركها العلم”.
-رواية (أم الصبيان) لإبراهيم مفتاح: استفاد الكاتب من أسطورتها في التراث المجتمعي السعودي؛ إذ يأتي بالعجائبية ويمرر نظرة الواقعية ويسقطها على مجرياتها.
-رواية (المنهوبة) لعواض العصيمي: الثنائيات الضدية: الشخصيات (أبطال، هامشيون)، (منهوبون، ناهبون)، (جمال، قبح)، (الفنية، التجربة الحقيقة).
-السيرة الذاتية يعرفها محمد عبد الغني بقوله: هي أن يكتب المرء بنفسه تاريخ نفسه؛ فيسجل حوادثه وأخباره، ويسرد أعماله وآثاره، ويذكر أيام طفولته، وشبابه، وكهولته، وما جرى له فيها من أحداث…
” لقد أدركت أن قيمة وقتي فيما عرفته وأعرفه وسأعرفه عني وعن العالم من حولي”
“إنني أكبر، وسأؤول إلى موت بطيء، سأتحلل رويدًا رويدًا، إن واظبت على العيش أكثر”.
“أني أكبر، وأتورط في سحر الكتب والقراءة أكثر فأكثر…”
إعادة الحسابات مع تقدم العمر ووزن الأشياء والأولويات التي تستحق.
الخوف من ظلمة الأيام والنهاية.. سحر القراءة يزداد تألقًا مع السنوات ويرتبط بالعزلة.
-ملامح الغربة في رواية (سمراويت) لحجي جابر:
غربة المكان:” في السعودية لم أعش سعوديًّا خالصًا، ولا إرتريًّا خالصًا”.
غربة الروح: “من يفقد الرغبة في شيء، قد لا تسعفه كل أدوات الدنيا”.
غربة اللهجات: ” ايش معنى هلاني؟ الله يخرب بيتك من فين هذي الكلمة”.
-غربة العادات: “القهوة الإرترية تشبه القهوة التركية إلى حد بعيد، لكن طقوسها تحتم شرب ثلاثة فناجين “أول”، “بركة”، “خضر” خاتمة الفناجين”.
مما تقدم عرضه نشارككم فوائد عديدة:
• لازالت أزمة الهيمنة الغربية على الشعوب المستعمرة مستمرة، وأهم خطوات المعالجة هي التسلح بالعلم.
• خفت وتيرة الانبهار بالغرب والصدمة الحضارية في زمن كتابة الروايتين “موسم الهجرة إلى الشمال”، و”الحي اللاتيني” بفضل سرعة التواصل، وانتشار أنظمة الاتصالات وتطور الإنترنت.
• تتجلى المعادلة السياسية في هيمنة القطب الواحد، غير أن ظهور لاعبين جدد على مستوى الدول سينتج عنه أزمات عالمية جديدة.

• يستخرج من الدراسة وقائع تساعد في تقييم الوضع الاجتماعي والاقتصادي العربي الذي يحث الجهات الرسمية على البحث والتقصي وإيجاد الحلول؛ لأن الروايات أساسها الواقع وتحاك بالخيال.
• ظهور نماذج عربية في الغرب تشريف يعكس حضارتنا الصافية.
• الدراسات والقراءات المؤلفة في موضوعات جدلية شائكة، مع أمواج الآراء المتباينة وتقديمها على هيئة فصول تتسم بالرصانة والثبات منجز يستحق التقدير.
• اجيدت معالجة تداخل المصطلحات النقدية الحديثة: (الغرائبي، الواقعية السحرية …) وحللت المصطلحات بوضوح وتفكيك يكشف كيف وظفت في الروايتين الأسطوريتين (أم الصبيان، المنهوبة).
اقتبست بعض النصوص من “40 في معنى أن أكبر” الحالة الشعورية الذاتية، ترتيب الأمور وأهميتها، الهلع من المستقبل، بث الطاقة في القراءة مثلاً والتعلق بها.
يورد الأديب سعد الغريبي في كتابه “الشيخوخة في الشعر العربي” أقوالًا وأبيات عن الأربعين:
1- عارف الساعدي: “(أربعون) نجد في هذا العمر تحولًا هائلًا يحدث للإنسان، بيولوجيا وعقليا، لذلك تكثر الشكوى والبكاء على أيام الشباب، والخوف من القادم”.
2-الساعدي: ” الأربعون عمر النضج والاستقرار والهدوء والحكمة”
3- ” وماذا يبتغي الشعراء مني وقد جاوزت حد الأربعين”. سحيم الرياحي.
فقد الوقت، واكتساب الخبرة، الحياة المتجددة، تقول هدى المطيري:
“لنا لقاء آخر مع كل ما فُقِد، لم تنته الحكاية بعد!”
يقع مجموعة من الناس في العصر الحالي أحد أنواع الغربة الأربعة (المكان، الروح، اللهجات، العادات)، وهذا فيه سبر لأغوار النفس البشرية وما يعتريها من قلق يرافق الظروف المحيطة، به نقلتها لنا (سمراويت)، واقتنصتها الناقدة وأعدتها على طبق من ذهب للمتلقي.
تذكرت رواية (بقشة الفرقنا)؛ إذ عاش مؤلفها علي يوسف (مريال) ظروفًا مشابهة لحجي جابر؛ فقد اغترب مكانياً وروحياً، حصل بينهما تقاطعات عدة، مع اختلاف الأحداث.
سوانح نقدية سدت فجوة وأضافت للمكتبة العربية والنقدية إثراء بربطها النظريات بصلب المجريات (ما بعد الاستعمار) اجتماعياً: مصطلحات نقدية وحسنت دراستها للواقعية السحرية فكرياً، السيرة الذاتية، استقرار مكاني، شتات نفسي، استخلاص لمؤثرات الغربة على الإنسان المعاصر، عدم استقرار الذات، وضياع للأمكنة.

* كاتب سعودي.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود