24
0
19
0
28
0
11
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13333
0
13133
1
12119
0
12050
5
9465
0
منى القرشي*
تسربت خيوط الشمس مجدداً من نافذة غرفته الصغيرة .. وأخذت تداعبه ليستيقظ، فتح عينية بثقل، تأمل السقف طويلاً .. ثم أخذ نفساً عميقاً، بالكاد استطاع أن ينهض من سريره الذي لازمه خلال الثلاثة الأيام
الماضية، قائلا في نفسه: لماذا لا يكون الليل سرمدياً لنغرق في نوم طويل! ونهرب من ضيق الأيام ؟
خرج من صومعته بخطوات جنديٍ مهزوم بعد معركة دامية فقد فيها صديقه وخوذته
باحثاً عن الماء وعن ما يوقف إصرار معدته على إصدار الضجيج ..
وصل إلى المطبخ، إنها أمي تٌعدُ الطعام!! هذا جيد..
ألقى بثقله على كرسي المطبخ دون أن يَهمسَ ببتِ كلمة.. جابت عينيهِ ارجاء المكان وكأنه يَرمقُه أول مرة منذ زمنٍ بعيد، أخذ يراقب والدته وهي تضع حبات البطاطا بهدوء تام في إناء مملوء بالماء الساخن، تساءل في نفسه: ماذا تحضر أمي!
خطف إنتباهه تراقص البيض مع غليان الماء في إناء آخر .. تذكر غليان قلبه على أحلامه التي تهشمت أمام عينيه وعلى محاولاته التي أخذت نصيبها من اللا شيء..
أحس بصداع خفيف عندما وصلت لأنفه رائحة حبوب القهوة التي وضعتها أمه في إبريق أزرقٍ متناهي الصغر، أشعلت النار من تحتها وقالت: إنه يومٌ رائع .. أليس كذلك؟ أحمر وجهه وأخذت عيناه تفيض دمعاً حاراً بلا أسباب، ضرب المنضدة بكلتا يديه، وأخذ يصرخ بكل ما أوتي من قوته.
رائع .. نعم إنه في منتهى الروعة، أكملت العشرين من عمري وأنا فارغ تماماً إلا من بعض الخيبات، رصيدي من هذه الحياة خطوات فاشلة، وأمنيات باردة لم يُكتب لها التحقق.
المشكلات تسقط على رأسي كالمنجل فتصرم ما تبقى من طموحي وتقطع بلا رحمة عروق الأمل في أيامي. قلبي مثقوب يا أمي ما عاد يحتمل المزيد، هاقد هزمتني الحياة!
أليس من العدل أن أرى تلك الفوهة السوداء التي يحكون لنا عنها في الحكايات .. فأهرب نحوها ..
ليتي أستطيع أن أتناثر بسرعةٍ كنفلةٍ بريةٍ وقفت أمام ريح قوية فأحالتها إلى رَذاذ ..
أو ليتي أذوب وأتلاشى بين الثواني كشمعة أنكر صاحبها جميل احتراقها عند الصباح.
أو ………. خارت قواه، ثم سكت.
وبعد ١٣ دقيقة من الصمت الممتد .. وضعت والدته أمامه طبق الإفطار ..
وقالت: وضعت الطعام في طبقك المفضل، إنه أبيضٌ ناصعٌ كقلبك .. تزينه ياسمينةٌ صغيرة ٌمن جانبٍ واحد ..
وهذا كوبُ قهوتك المفضل .. زجاجيٌ يَشفِ عن ما بداخله ..
أخذ الصبي نفساً عميقاً ثم سأل: ولكن ما سر البطاطا والبيض؟ ولماذا هم معاً بلا ترابط في طبق الإفطار.
ابتسمت الأم وهي ترشف قهوتها وقالت بحنانٍ مُفرط:
أَي بُني، نَحن وكل من في عُمرك واجهنا الصعاب ولم توفر لنا الحياة فرصةً واحدة لتنزعنا من أرواحنا باليأس
والأسى .. كلنا يحمل الشقوقَ في قلبه، والهزائم في روحه، والخيبات في أيامه .. ولكن ماذا يجب علينا أن نفعل؟
تمعن إلى طبقك وإلى كوب قهوتك .. وتأمل بحرص إلى ما لاقته حبةُ البطاطا والبيض، وحبيبات القهوة من ضغطٍ
وقوةٍ وقسوة.
وتعلم يا بني من نتائج هذه الضغوط عليهم جميعاً.
إنها حياتك يا بني فقرر ما تريد أن تكون .. صَلباً فتُكسَرْ، أو لَيناً فتُعْصَرْ. أو مُتوازناً عَميقاً فَتُنْصَرْ؟
*كاتبة من السعودية
محتوى رائع وجميل ، فيه سرد لطيف يجذب الإنتباه ، وتناغم يصل بالقاريء الى هدف هذا المحتوى الرائع ، اهنيك وسلمت أحرفك .