9
0
13
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13378
0
12214
0
12138
0
9570
0

زينب عقيل*
لطالما أسمع على ألسنة الآخرين ممّن لم يُخرجهم الشّعر من غيهب الظّلمات، أنّ الشّعر ترفٌ محض لصاحبه، تستفزني هذه العبارات الثّقيلة وأجدها مُجحفةً في حقّ الشّعر والشّعراء.
وُلد الشّعرُ حزينًا على ألسنة مَن وقفوا على الأطلالِ ينتظرونَ صدًى لحبيبةٍ راحلةٍ عن الدّيار وظلّ الشّعر العربيّ حزينًا إلى وقتنا الحاضر، مع رسم صورة أوطانٍ معذّبةٍ تقف على حافّة العدم، إذًا لم يكن الشّعر العربيّ ترفًا إلّا في فتراتٍ تاريخيّةٍ عرف فيها العرب الازدهار والسّطوع من مختلف الجوانب الاجتماعيّة، السّياسيّة، الفنّيّة إلخ…
فما زالت قصائد امرؤ القيس، وعنترة بن شداد وغيره ممّن عرفوا الحبّ وذاقوا مرارة الهجر والفراق تُعدّ للآن دليلًا واضحًا لا لبس فيه، على أن الشّعر يُولد من وجعٍ، فهذه بعض شواهد من شعر امرئ القيس يقول فيها:
لِمَنْ طَلَلُ أبْصَرتُه فَشَجَانِي كَخَطَ زَبُورِ في عَسِيبِ يَمانِ
دِيَـــارُ لهِنْدٍ وَالرَّبَابِ وَفَرتنَي لَيَالِيَنَا بِــالنَّغفِ مِنْ بَدَلانِ
لَيَالي يَدْعُوني الهَوَى فأَجِيبهُ وَأعْيُنُ مَنْ أهْوَى إلىَّ رَوَاني
ويقول:
قفا نبْكِ من ذِكرى حَبيبٍ وَمَنْزِلِ
بسِقطِ اللوى بينَ الدَّخول فحَوْمَلِ
ويقول الشاعرُ طَرَفة بن العبد:
لِخوْلَةَ أطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهْمَــــدِ تَلوحُ كباقي الوَشْمِ في ظاهرِ اليَدِ
وما زال الشّاعر العربيّ حبيس حزنه وكآبته، حبيس قضاياه المصيريّة: الوطن، الحبّ، العائلة… كتب خليل حاوي للوطن الذي لو استطاع لخبّأه من أعين الطّامعين:
أَغمضتَ عينيكَ عَلى رَمَادْ
أَغمضتَ عينيكَ عَلى سَوَاد
تغُورُ في أَرضٍ بِلا سريرهْ
غُصَّاتُكَ المريرهْ
أو لحبيبةٍ لم تأتِ في موعدها مع الحبيب الذي ينتظرها مُعذّبًا، يقول محمد علي شمس الدين:
أنا الخاسر الأبدي
فلماذا إذن
أشتري بالمواعيد
هذي الحياة؟
قلت تأتين في الثامنة
وها عقربان
يدوران حولي
ولا يقفان
عقربان يدوران في معصمي
يلدغان دمي
ولا يقفان
كأن لم تكن ثامنة
في الزمان
وعن بدر شاكر السّيّاب وأنشودة المطر، الّتي خزنت الكثير من المشاعر الإنسانيّة الّتي لم يستطع الزّمن ولا الآلة ولا المكان أن يُبدّل فيها شيئًا:
تثاءب المساء، والغيومُ ما تزالْ
تسحُّ ما تسحّ من دموعها الثِقالْ
كأنّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينامْ:
بأنّ أمّه ـ التي أفاق منذ عامْ
فلم يجدها، ثمّ حين لجّ في السؤالْ
قالوا له: (بعد غدٍ تعودْ…)
لابدّ أن تعودْ
وإنْ تهامس الرفاق أنها هناكْ
في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ
تسفّ من ترابها وتشرب المطرْ؛
كأن صيادًا حزينًا يجمع الشِّباكْ
ويلعن المياه والقَدَرْ
وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ
منذ أن وُلد العربيّ شاعرًا، ومنذ أن وُلد الحزن والتّعب والشّقاء في هذه المساحة من الأرض، ما زال الشّعر العربيّ يخرجُ من رحمِ هذه الأرض يُشبهها ويُشبه حزنها فيكتب عنها، ليصل صوته ويخرج عن صمته، وما زال الشّعر العربيّ معلّقًا بجديلة حبيبةٍ غابت ولم تعد.
الكمال الّذي يكتب من أجله الشُّعراء، وإن كان صعبًا، يحتاج إلى الكثير من الفرح، الحزن، السّعيّ، الإقدام والهروب أحيانًا… كلّ هذه المشاعر بتقلّباتها القاسية كطقسٍ مجنون، أيُعقل أن تكون ترفًا؟!
* شاعرة لبنانية