6
0
11
0
28
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13531
0
13376
0
12212
0
12137
0
9568
0
قراءة_مريم الحربي*
تُعدُّ الصورة الشعرِيَّة مقياسًا فنِّيًا كبيرًا للمبدع وقدراته الفنية والشعرية، بل إنَّ الصورة هي الميزان الذي قد يُميِّز شاعرًا عن غيره.
فهي خلق فنّي غاية في الجدة والابتكار.
وفي هذه القراءة التي تتناول ديوان الشاعر الأمير البدر بن عبد المحسن، ومن خلال تصفح النُّصوص، أول ما يلفت القارئَ تركيب الصُّورة بطريقة غير مألوفة، أو بطريقة انزياحِيَّة جديدة. وسوف تتناول القراءةُ (الانزياحَ) الذي يكسر فيه الكتابي الأداءَ المألوفَ والمُعتاد.
ولكي ندخل إلى معنى الدراسة لا بدَّ من تناول مفهوم “الانزياح” فيها.
فالانزياح في اللغة: (العدول والتباعد) فحين نقول: أزحتُ الشيءَ: أي أبعدته.
وفي الاصطلاح: (استعمال الشاعر للغة بطريقة غير مألوفة وغير معتادة؛ بحيث يخرق اللغة قواعد اللغة بطريقة فنية مقبولة) فيحقق الدهشة والصدمة، ويجعل من النص نصًا مستفزًا يثير قراءات من زوايا مختلفة.
“زل الطرب يا موجع الطار بالكف
شابت قوافي الليل .. نور الضحى لاح
كانك تدق القلب .. دقك على الدف
عسى الضلوع توقي القلب لا طاح
شفتك .. ولا ادري من قضب بعدك الصف
ناس ٍ كثير .. وكنهم عندي أشباح
نورك دعاني عندك الشوف وقف
كنه فنارٍٍٍ لاح في عين ملاح”
يتضح الانزياح في المقطع الخرق غير المألوف (شابت قوافي الليل-كانك تدق القلب-نورك دعاني).
فهذا التجسيد للقوافي بصورة إنسان يؤثر فيه الزمن وتظهر عليه ملامح التغيير، فيشيب ويهرم كما يهرم الإنسان.
وكذلك نجد الانزياح في (كأنك تدق القلب) فشبه القلب بدف يدق ويطرب بدقاته ويحدث البهجة والسرور.
أما في قوله: (نورك دعاني) شخّص النور وجعله يملك القدرة على المناداة لمَن أراد.
وفي الأبيات التي يقول فيها:
( فم الجروح ..
نوافذ البوح ..
هذي الثقوب في الصارخ الحي ..
نوافير من ضي ..
وجدار ..
املاها بحديث النار ..
واكسرها على اقدام الاماني ..
مره أغاني ..
ومرها .. كلامٍٍ جارح ..
وهذا القصيد ..اللي كتبت البارح ..
اليوم .. انفاس الصباح ..
تلفح جروحي ..
آه .. ياصبحٍٍ لمحت في عتمته روحي ..
طفلةٍ تصدح على خشب المسارح ..
يا صوتها الغاضب المقطوع ..
بعض السواد .. شموع ..
ومحدٍ درى وش قلتي ..
خانتني الجوارح ..
مثل القصيد اللي كتبت البارح…).
نجد تزاحمًا مكثفًا، الانزياحات المتتابعة في الألفاظ (فم الجروح – نوافذ البوح- نوافير من ضي – حديث النار-صوتها الغاضب المقطوع – خانتني الجروح)
فقد جعل الجروح إنسانًا مكتمل الحواس والأعضاء؛ فله فم يصرخ من الآلام التي خلّفها الحبيب جراء هجره، وجعل البوح ليس مجرد نوع من الحديث، إنما مبنى مكتمل بنوافذه التي يتم البوح والتنفس خلالها، كما جعل الضياء كثيفًا كنوافير الماء كناية عن كثرته المتدفقة في جمال، أما النار فقد انزاح معناها عن النار المعهودة إلى نار مأنسنة لها حديث حار يلفح ويحرق، كناية عن الأشواق وما خلفته في جوفه من نيران مشتعلة، كذلك نجد الانزياح في جعله صوت الحبيبة غاضبًا مقطوعًا كإنسان يعتريه من تغيّر المزاج ما يجعل حالته النفسية تسوء لدرجة الغضب والفوران ومن ثم الانقطاع التام، أما الجروح فقد انزاحت هي أيضًا فصارت تملك القدرة على الخيانة والغدر تمامًا كما يخون الإنسان.
ومن الملاحظ أنَّ الانزياحات جاءت مكثفة من خلال الاستعارات؛ حيث واءم النص بين الفعل المضارع من خلال (تلفح – تصدح) حيث التقديم للفاعل، بينما تكرار حروف مثل:
(الحاء- والباء- والهاء) أعطى المقطع موسيقا متفاعلة مع الموقف والنص.
وإذا كان الانزياح الدلالي مرتبط بالمجاز ((تشبيه . استعارة . كناية ومجاز مرسل)) فهو يتمثل في تشابه المفردة المنزاحة للمفردة الأصلية، لكن تختلف بانزياحها عنها.
ويقول:
“ظهرت من جفونك ليلة عيونك نثرت..
دمعك.. وقلبي..
ليلة تجرحنا العتاب..
ما اكذب عليك .. كنت مشتاق ليلتها وربي ..
لبيتي .. ولغرفتي .. ولمكتبي مشتاق..
لأقلامي .. والأوراق..
ولقيتها مثل ما كانت .. تحت الغبار ..
حلم وقصيد من شرار..
ومفرش محروق..
وزرع يبس وعروق .. وفجر بلا أبواب
ووسادةٍ ياما ليالي استكثرت..
نومي عليها.. ما تغيرت
رديني لعيونك .. أرجوك رديني ..
ما بي أحد .. ما بيني
ابي عيونك بس ..
تكفيني .. تكفيني .. تكفيني…”.
ولأن تنظيم النسيج اللغوي يثير الدهشة من خلال التأثير والتأثر؛ فإن المتلقي أمام ألفاظ جديدة منحرفة خارجة عن القاعدة المألوفة (ظهرت من جفونك ليلة – عيونك نثرت دمعك وقلبي – فجر بلا أبواب – ليالي استكثرت نومي).
ويعكس النص فرط الأشواق واحتراقاته، التي بلغت بالروح حد التمزق؛ طلبًا للقرب وتأثرًا بالبعد والشعور بالوحدة.
فالمتلقي أمام لوحة الحنين يمزق بوحدة يسيطر عليها، فعندما جرّب وحدته شعر بضياعه دون محبوبه وشتاته في بُعده وفقدانه لنفسه، ويعلن أنه لا يريد نفسه دون حبيبه (ما بيني.. أبي عيونك بس) لهذا يصرخ معلنًا ويكرر مؤكدًا أن عيني حبيبه تغنيه عن كل شيء (تكفيني تكفيني تكفيني).
ويخاطب قصيدته:
(قصيدتي .. وين الحروف .. جف القلم
يا ضايعة .. ببرد الكفوف .. رعشة ألم
قصيدتي .. إلا الندم .. إلا الندم
بتسافرين .. وانتي معي
وبترجعين .. وانتي معي
قصيدتي .. لا تسمعي .. غيري قصيد
يا ساكنة افـ ورق الحشا .. وحبر الوريد).
أفضى النص إلى تفاعل في أعماق المتلقي من خلال البنية الفنية التركيبية في الإسناد ما بين الحسي والمادي والمجرد، ليأتي بدلالة جديدة حالة من التفاعل بين القصيدة والشاعر في الموقف، ومحاولة نقلها بقمة الانزياح في (وين الحروف – يا ضايعة – قصيدتي إلا الندم – تسافرين – بترجعين – لا تسمعي).
فيسألها كما يسأل الإنسان (وين الحروف) هنا انزياح دلالي جميل، فجعل السؤال بدل أن يوجه لإنسان وجّه للقصيدة، وفي مناداته لها بالـ(الضايعة) تشخيص حيوي فجعل القصيدة كفتاة تتوه وتضيع عن دربها.
ثم نجده يواسيها بلطف كما يواسي الطفلة (قصيدتي إلا الندم) فالاستعارة هنا لإظهار مدى قوة العلاقة بين الشاعر وقصيدته؛ إذ يواسيها بحنان أبوي، ويرجوها أن تترك الندم، ثم يحادثها في استعارة مكنية جميلة ويطمئنها أنه لن يتركها فإن سافرت أو رجعت ستظل معه، وينهاها أن تسمع لسواه حتى يهدأ حزنها ويسكن ندمها.
وهنا حالة من الجمال ببذر التأثير ليخلق الحلم، والتماهي والذوبان بين ذاتين أنتجا حياةً وإبداعًا، فامتزجت الاستعارة بالرمز والمعنوي بالحسي. فثمة جمالية في الدالة والتركيب والخطاب والذات والموقف والمؤثر والمتأثر، فلم تعد الألفاظ قاصرة مباشرة، بل نحن أمام صور بيانية مختلفة وغير مألوفة.
ويقول أيضًا:
“يسيل قلبي على الخدين .. وارده
خبرت قلبٍ من اللوعات ينحبي
وان قلت لا بد يبرد زادت الشده
شقيت انا منك والشكوى على ربي
يا من يغيب القمر لا من ظهر خده
الزين زينك وانا كثر الوله ذنبي
من عانق السيف لازم يجرحه خده
ومن يعشق الجمر فيه النار تشتبي”.
هنا حالة من الخروج عن المعيارية المألوفة فنجد القلب يسيل بدلًا عن الدموع، والقمر يغيب لظهور الحبيب حياءً وخجلًا من جماله، والاستعارة التصريحية في جعل السيف هو الحبيب لشدته وهجرانه القاتل الذي يفعل في محبوبه فعل السيف في الأعداء، كل تلك الانزياحات المكثفة جعلت النص على مستوى عالٍ من الإدهاش والمتعة.
وتأتي في مقطع آخر انزياحات غاية في الإدهاش:
“من رماد المصابيح .. اللي انطفت في الريح
جيتك أنا وقلبي ..
ومن سهاد المواويل .. وباقي قصيد الليل
جيتك قمر دربي ..
فيني تعب .. لا والله أكثر
حالي صعب .. لا والله أكثر
وكنتي الحبيبة والصديق .. واللي خذتني من الطريق
وسكنتني أهدابها ..
في قلبي شوك .. وفي عيوني شوك
شوفي أصابعك انزفت .. من كثر ما لمست جروحي وجففت .. دمعي الحزين ..
في صوتي ليل .. وفـ صمتي ليل…”.
فالاستعمال المجازي والرمزي
يشير إلى سرابية الأحلام، فهي مجرد رماد بعثرته الريح، لا تتحقق في الوقع وقد(انطفت) يوم أن هبت رياح الواقع وعراقيله، ليشير الاستعمال الصادم إلى الخيبات التي تمتد عمرًا وبخطاب موجع، والاستعمال جاء بفنية عالية من خلال التركيب (رماد المصابيح – سهاد المواويل)، ليأتي المقطع بتزاوج حسي انتقالًا من المعنوي(رماد) فهذه الاستعارة غربة بحد ذاتها، فالمتلقي أمام خرق للغة من خلال (رماد المصابيح – سهاد المواويل) فثمة خذلان واغتراب روحي ونفسي؛ ليأتي الجواب بعد تبيين مكانه الذي جاء منه فيقول: (جيتك أنا وقلبي) وبين لفظتي (تعب- صعب) جناس ناقس أعطى جرسًا جميلًا.
وينتهي المقطع بقمة الانزياح والخرق (في قلبي شوك – في عيوني شوك) فهذا الاستعمال الاستعاري يحتمل الاستعارتين المكنية والتصريحية)، فاستعماله لشوك يشير لمدى الألم والوخز المؤذي الذي يشعر به جراء الشوق الذي يعانيه ويكابده، فهذا الاستخدام الجديد يكسر أفق المتلقي ويستفز مخيلته بالتفسيرات الجديدة في التركيب الفني لتشير الاستعمال إلى دلالات متعددة.
ومن خلال ما سبق:
– التركيب فريد والشاعرية عالية ومثيرة للمتلقي، فالبنية الفنية كانت مدهشة.
– أتى التصوير أحيانًا بالرمز عميق الدلالة والتأثير.
– تنوع التصوير ما بين المادي والمعنوي، فكان الانزياح أكثر عمقًا وجذبًا.
– يغلب على النصوص لغة الخطاب، التي تثير ذات المتلقي وتستفزه فتكون النتيجة مبتكرة وأحيانًا صادمة.
– تنوع الانزياحات ما بين المجازية والتركيبية.
* ناقدة سعودية