24
0
19
0
31
0
12
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13336
0
13135
1
12119
0
12053
5
9469
0
المقطوعة
أرجوحةٌ ناءتْ بعيدًا لا تُرى
وتربعتْ صخرًا أصمَّ كما ترى
علِقتْ هناك براحةٍ في عزلةٍ
فالعزلةُ اليومَ النجاة من الورى
وتأرجحتْ كيما تلوحَ بدنيتي
وهَفَت إلى العلياءِ تحتقرُ الثرى
كم أشبهتني في عزوفي خلوةً
إن القلوب على المحبة تُشترى
فتشابه القلبانِ قلبي قلبها
هل ثَمَّ حُبٌّ مثلَ حب (الشنفرى)
في هذه المقطوعة الشعرية يرسم لنا الشاعر السعودي “علي بن ناصر الحناكي” فصلًا جديدًا من فصول (العُزلة)، التي لطالما كانت نَايًا يعزف عليه الشعراء أشجى معانيهم وأبدع صورهم، بل صارت موضوعًا أثيرًا في الأدب عامة بجميع أجناسه؛ حتى صار لها أدب خاص عرف بـــ(أدب العُزلة)، ولا أعتقد -والكلام عن الشعر هنا- أن شاعرًا من الشعراء من لدن (المهلهل) وإلى يومنا هذا قد عالج الشعر وقصيدَه بمعزِل عن الشعور بالعزلة! فهي التجربة الصادقة التي تَبتني في الشعر صدقًا يُضفي عليه جمالًا يُعادل جمال الكذب الفني الذي يضفيه الخيال، لا سيما وهذه العزلة عزلة (ذات) لا عزلة مكان، كما هو الأمر عند شاعرنا في هذه المقطوعة.
إنّ الألم إذا اشتد على النفس قويتْ قدرتُها على تحمله، ومن هذا الباب نجد (الحناكي) يسمو بعزلته، فلا نسمع لها أنينا ولا جَلبَة، كما أن نفسه الأبيّة ناءت دون أن يُعبر عنها بشكل مباشر ينمُّ عن الضعف والانكسار، لكنه ألقى بعبء الشعور بالعزلة التي تعتري نفسه، وتنهش من روحه على هذه (الأرجوحة)؛ لتصير مُعادلًا موضوعيًا معبّرًا عنه؛ عاكسًا صورة عزلته عليها، كما تنعكس الصورة في المرآة.
وقد تجلت السعة اللغوية لشاعرنا في اختياره الأسلوبي المناسب للتعبير عن البُعد والعزلة لهذه الأرجوحة، فقد عبّر بالفعل (ناءت) والفعل (ناء) مقلوب (نأيَ) على وزن ( فَعَلَ)، وبعد نقل الألف مكان الهمزة أصبح الفعل ( نَاءَ) على وزن ( فَلَعَ )، هذا القلب المكاني يضفي على الفعل نفسه معنى العزلة، فهو منقلب عن الأصل المعروف، كأنه هو الآخر قد خرج عن طوره لعوارض غيّرته، وصدق العقاد حين سمّى كتابًا من كتبه “اللغة الشاعرة” فمفردات اللغة تبوح بمعانيها، وهي بعد مطوية في المعاجم، ما بالنا حين تُركَّب في سياق العزلة كما هو الأمر عند شاعرنا (الحناكي) في هذه المقطوعة!
إن إسناد الفعل مجازيًا إلى (الأرجوحة) في قوله: “أرجوحة ناءت بعيدا…” يجعلنا نضيف إلى معنى البُعد، الذي دلّت عليه (ناءت) معنى جديدًا معروفًا لها -أيضا- في المعجم يناسب السياق الشعري هنا، ألا وهو: معنى الإعراض، فكأن الأرجوحة قد أخذت قرار البُعد إعراضًا بوجهها عن شؤم ما تراه في عالم الأرض؛ مُيممةً وجهها إلى يُمنٍ يسمو بها إلى عالم السماء، يقول: (وهَفت إلى العلياء تحتقر الثرى)، ولما كانت الأرجوحة معادلًا موضوعيًا للحناكي، فبإمكاننا أن نعيد التحليل السابق مستبدلين الحناكي بالأرجوحة؛ فنجعله هو مَن أخذ قرار العزلة والبعد إعراضًا بوجهه عن شؤم ما يراه من بعض البشر، مُيممًا وجهه إلى عزلة يأتنس بها.
ولأن الشعر والشعراء لهم كون خاص يرون فيه أشياء بغير العين التي يرى بها غيرهم، فشاعرنا أرانا في (الأرجوحة) ما لم نرَ، فاختارها دون غيرها؛ ليعكس عليها حالة العزلة التي تعتريه؛ وهنا تكمن المفارقة، فالأراجيح في دنيا الناس تُتخذ زينةً ورفاهية يتكئون عليها حين يفرحون وحين يمرحون، كما تُتخذ تسلية ولعبا، إذن، فهي آلة اجتماعية من آلات الاجتماع، وليست مفردة من مفردات الاعتزال، لكن الحناكي رأى فيها ما لم نره، لقد رأى الناس يتعاورون عليها صباح مساء، ويتعبونها إلقاءً صعودًا ونزولًا في الهواء؛ حتى إذا فرغوا من لهوهم تركوها وحيدة ساكنة، وهي التي روحها في الحركة، إن الشاعر يؤنسن الأرجوحة -هنا- بل يجعلها في عالمه الشعري أفضل من الإنسان؛ لذلك سجل لنا قرارها بالبعد؛ إعراضًا عن الناس، فقال (أرجوحة ناءت بعيدًا لا ترى).
إن للمقطعات مجالًا رحبًا في ديوان الشعر العربي؛ ومنبع جمالها أنها تولد ولادة واحدة، ولعل هذا ما يجعل الشاعر قادرًا على استكمالًا -أحيانا- لكنه يُعرض عن هذا الاستكمال الذي به تصير قصيدة كاملة؛ لأن الروح الشعرية التي ستُكمِل ليست كالروح الشعرية التي أوجدت وابتدأت المقطوعة في شكلها الأول، وينطبق هذا الأمر على مقطوعة الحناكي الشعرية، فقد رسم التشبيهُ فيها صورة طريفة، فالشاعر بنى الصورة على جَعْلِ الأرجوحة هي الأصلَ (في العزلة)، فهي مشبه به، وحالته الفرع (المشبه)، لكنه حين قال:( كم أشبهتني في عزوفي خلوة) في البيت الرابع، صار التشبيه (الأرجوحة كالشاعر)، وهو بذلك قد جعل التشبيه مقلوبًا؛ إذ الأصل أن التشبيه إلحاق الناقص في الصفة بالكامل فيها، والكامل في العزلة (داخل القصيدة) الأرجوحة، والناقص فيها (الشاعر)، لكنه هنا عاد فقلب التشبيه، وجعل الأرجوحة هي الناقصة في الصفة، والشاعر هو الكامل فيها (مشبهًا به)، وإيراد التشبيه بهذا الشكل مرجعه أنه قد تفرغ لذكر عزلته في آخر بيتين من المقطوعة؛ ليجعل عزلته الأصل، إضافة إلى أمر مهم آخر، وهو أن المنعزل دومًا -بحسب كشوفات علم النفس- يقوم بإحلال الجمادات محل البشر، فيخادنها ويصاحبها، ويبوح لها بهمّه؛ وهو جانب رومانسي مهم في المقطوعة، ومن هنا جاء الاستفهام المجازي الأخير؛ ليرسم لنا فرادة الشاعر في قلبه الذي لا يشبهه قلب، وحبه الذي لا يشبهه حب، ثم تنفتح القصيدة بإضافة (الشنفرى) لهذا الحب، ذلك الصعلوك النبيل، الذي كان يعيش على فطرة سليمة حتى أخرجه الناس بأفعالهم عن تلك الفطرة؛ فتصعلك، وهو تأزم نفسي خطير تفجّره لنا مفردة (الشنفرى)؛ الذي يجعل النص لا نهائي التأويل، فالعزلة وإن كان فيها مندوحة، فإنها تظل الخيار الأصعب عند من تشبه قلوبُهم قلوبَ الطير، ولعلها يوما ما –إذا ما تحولت نفوسُهم- ستشبه قلوب الطير (الجارح)! فيتغير حالهم كما تغيرت حال الشنفرى في سردية الصعاليك المشهورة قصتُها في الأدب العربيّ.
ما شاء الله تبارك الله، دام عطاء الحبيبين الشاعر والناقد