9
0
13
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13378
0
12214
0
12138
0
9570
0

حميد الشمران*
تحدث نيتشه عن سفاهة الأخلاق البشريّة متخذًا من أقدم مصطلح للمكانة الاجتماعية “النبيل” دليلًا لتبيان إسفافها، واصفًا إياها بالمفردة اللاتينية الأساس لما شاءوا أن يستخرجوا منها، إذ انضوى تحتها المعنى القيمي لكثير من السلوكيات الحياتية. يرى نيتشه أن أصل الفعل الطيب لم يكن طيبًا بمعناه المتجذّر، بل إن الأمر يندرج في لائحة التقدير وما يصطحبها من مدح وثناء وتقرّب للنبلاء ولا شيء غير ذلك البتة، معتبرًا مرد تلك التصرّفات يعود إلى الحسب والنسب أو المركز والوظيفة “القوة” كما يصف نيتشه، أي إنه ليس من الضروري أن نجد في أفعالهم السمو الذاتي بقدر ما للبيئة من دور في التّكوين الاجتماعي المعتبر والمتعالي، ومن دون أي شرط غير كونهم عظموا أفعالهم وكرموا أنفسهم حينما جعلوا الكلمة الفصل للون وهو الذي يحدد أصل للجنس البشري، بمعنى “أبناء الرب”، فكانت تلك ولادة “الطيب الأخلاقي”.
يكتب نيتشه عن البشر الأقوياء أصحاب المكانة الرفيعة الذين اعتبروا أنفسهم طيبين وحكموا على أفعالهم طيّبة وصدّقهم فيما بعد البسطاء أو “إنسان العامة” كما يعبّر عنه، إذ إن ما تمتعوا به من فوارق طبقّية جعلهم في خانة الرفعة، لذلك ظنوا أن لفظهم مصدّق ومسعاهم خير، وعلى غرار ذلك فإن لهم الحق في إيجاد الشرعية لأن يعمموا رؤاهم على العامّة من الناس ممن وجدوا أنفسهم على حين غفلة في الاتجاه الآخر “الأدنى” أو “الأقل رفعة”، هذا الذي خوّلهم التخصيص لما هو “طيب” وما هو “خبيث” في عامّة سلوكيات المرء، وفق تسميات تتناسب والاسم السلطوي “النبيل” باعتبارهم لهم الغلبة والهيمنة إزاء من هم أقل وجاهة اجتماعية، والحال هذا الذي استدعى العبيد للتمرد على الأخلاق النبيلة التي اقترنت وخصّت النبلاء، وقد مضى على ذلك ما مضى إلى أن استقر الأمر على ما هو عليه عبر تحولات في المفاهيم المجردة عن الثيمة التي يعنيها المصطلح الأصيل، إلى أن أصبح الواقع مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا في الغريزة السيكولوجية بمعناه “واسع الخير”، لتتشكل منه عدّة مفاهيم بديلة تحوّلت فيما بعد ضمن ذات المسار المفاهيمي لتعيّن “المفيد” أو “المناسب” وما عداه فهو “المضر” أو “الخبيث” من دون شك أو مناقشة، إذ عدّ نيتشه نشأة الأخلاق النبيلة عن طريق حالة شعوريّة لدى النبلاء “أصحاب السنن”، حيث استمدوا وجاهتهم من قوة نفوذهم ومن مراتبهم الاجتماعية العليا، وبصرف النظر عمّا إذا كانت هذه القوة حقيقة أم متخيّلة من البيئة التي تستجيب لتقبل مثل هكذا فوارق طبقيّة، يكفي أنه هاجسٌ ذهنيٌ تسلّح به ذو الشأن ليستأنف انطباعه الذي لا يمكن مخالفته حتى من قبله، وهنا يأتي معنى الفعل النبيل؛ إذ ينتسب لهذه القاعدة الهرميّة التي بدأت بمفردة “النبيل” ثم تفرّعت وتحوّلت فيما بعد إلى معيار سلوكي يفضي لمجاورة المفردات المجردة المشتقة من الأصل لكلمة نبيل.
هل لإنسان العامّة من مصطلح لتنضم مسيرته تحته؟ غير الرفض والمجيء بما يحل عوضًا عن ذلك، بعد أن صرّح النبلاء بالفضيلة والتفوق الأخلاقي “الطيّب” و”النافع” و”الكريم” و”حسن الخلق” على أنها تسميات تتسم بالخلق أو الشيّم، كلها تعود على الشخصية النبيلة بالخير، لأصحاب العرق الغالب “البيض”، وما عدى ذلك فهو دونه بلا أدنى شك. لماذا لم يكن لأصاحب العرق المغلوب “السود” دور في تحديد تسمية ما غير “الرديء” أو “البسيط”؟ وهل من الممكن أن نجد المجتمعات في يوم من الأيام وهي تدافع عن اللفظ الرديء على أنه منتج لشيءٍ جيدٍ يصح الاتفاق عليه. طبعًا لا، لأن نيتشه في اجابته كان قطعيًّا بعد أن استند على الاشتقاق اللفظي من المفردة الأم “النبيل” أي “المصطفى في خلقه”، إذ وجد معنى كلمة “طيب” في مختلف اللغات وبعد أن مرّت بكثير من التحولات لتكون في النهاية “النبيل” أو “المتميز” من ناحية المرتبة الاجتماعية “حياة عُليا”، بالتالي يقابلها المعنى العكسي وهو “الرديء” أو “المبتذل”. وفي الحصيلة صارت “الإنسان البسيط” أو “إنسان العامة” أي “حياةٌ دون” ومن مرادفاتها في اللاتينية “الأسود”.
*كاتب عراقي