646
0
11
0
652
0
969
0
645
0
17
0
11
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13580
0
13425
0
12258
0
12158
0
9606
0

محمد سرور*
السماء رمادية، والغيوم تلوح في الأفق، تعودت أن أرى هذا المشهد، في أثناء خروجي من مصنع الأدوية، مشهد متكرر، صيفًا وشتاءً، حتى بتُّ أشعر أن الشمس نسيت مدينتنا، ولم تعُد تمر عليها كما كنت أراها في الصغر، أنهيت دوامي في المصنع، وخرجت منهكًا، كل عضلة في جسدي كانت تصرخ من الألم، الصداع يلفني، والغيوم تترك مكانها في السماء وتتسلل إلى رأسي. كنت أسير، ببطء ورويّة، في ذلك الشارع الطويل المؤدي إلى بيتي، عندما تذكرت فجأة، ومن دون أي مقدمات، أنه لا وقت لديَّ. كنت أسير، بتمهل، مطأطأ الرأس، ثقيل الأجفان، بخطوة تزحف وراء الأخرى، عندما أدركت، ومن دون أي واردة للشك، أنني رجل، لا أملك الوقت، ولا إمكانية لزيارة بائع الوقت قريبًا.
نظرت إلى ساعتي، عقرب الدقائق يدور حول نفسه في سرعة. كان ذلك المشهد كافيًا لأن يدب النشاط في جسدي، أسرعت في خطواتي، كانت الغيوم منقسمة، جزءًا يلون السماء، وجزءًا يلف رأسي، نظرت إلى ساعتي مرة أخرى، عقرب الدقائق فقد عقله، ازدادت سرعة دورانه، بدأت في العدو، وكذلك فعل العقرب الخبيث، كلما زدت من سرعتي تقدَّم هو عني. تقطعت أنفاسي، وكنت ألهث بشدة، وحبات العرق تغطِّي جسدي. لم تكتفِ السماء، وقررت أن تمطر، بلل المطر جسدي بالكامل، اختلط بعرقي الذي أغرقني، وعندما وصلت إلى البيت أخيرًا، لم يكُن فيَّ أي جزء يابس سوى روحي. قطعت السلالم ركضًا، وقفت منهكًا على باب البيت، أكاد أقع، تسمرت اصابعي فوق الجرس، لاح لي مشهد مألوفًا، ابنتي الصغيرة، ذات الشعر المنكوش، وهي تسد مدخل البيت، وتقول بصوت متقطع:
– أنا جائعة، لا يوجد طعام، وأنا جائعة.
في صغري، كان العالم في يدي، ألهو كما يحلو لي، ولديَّ الكثير من الوقت. كان أبي يفتح يدي اليمنى، يضع بها المال، ويمنح الأخرى الوقت. وكنت أمزج الاثنين ببعضهما، ثم أضيعهما بمرح. كل شيء حولي يسير برويَّة، عقارب العالم لم تتعلَّم كيفية الطيران بعدُ. كنت أسبح في نهر مدينتنا وقتما أشاء.
أسبح تحت الشمس، وتحت القمر، مع بزوغ الفجر، ومع الغروب، أما الآن فلا وقت لذلك، لا أذكر متى آخر مرة سبحت فيها، أعتقد أن كل ما أحتاج إليه الآن هو القفز في مياه النهر الباردة، والسباحة دون قلق، دون خوف، دون وقت.. هل هذا كثير؟
كانت قدماي لا تكاد تحملانني، والغيوم ازدادت في رأسي، عندما لاح لي مشهد ابنتي الجائعة. وقفتُ تائهًا، لا بديل لدي، هبط درجات السلم في سرعة، عدوت حتى مكان العمل الإضافي، لم أكُن أملك وقتًا لتغيير ملابسي، لم يكُن لديَّ الرفاهية لذلك، ربما أصاب بنوبة برد، لكن هذا لا يهم، لم تعُد تشغلني تلك الأمور منذ زمن، لا أعرف متى توقفت عن التفكير في تلك الأمور، نوبة برد، سعال، صداع، نوبة برد أخرى، غيوم في الرأس، ألم في المعدة، تورم في العينين، كل شيء أصبح يمر على جسدي ويرحل، كرفقاء قدامى، لا أحد منهم يتركني وحيدًا، صديق يسلمني لآخر، بحب وامتنان، وكل منهم يترك تذكارًا خفيفًا على جسدي، أصدقاء طيبون، لا أحد يأتي ويرحل فارغًا.
أريد السباحة، هذا كل ما يدور في عقلي، لكن لا وقت لهذا، فكَّرت أنه يجب عليَّ أن أشتري بعض الوقت يومًا ما.. فكرت في هذا وأنا أعبئ صناديق اللبن على العربات، أرصُّها في صفوف رأسية أولًا ثم أفقية. والمدير يقف على رأسي يتابعني، ويدي المهزوزة مستمرة في تعبئة الصناديق، المدير يراقب بعينَي صقر، عيناه لا ترمشان، ورقبته لا تلتفت يمينًا أو يسارًا، رأسه مثبت تجاهي، مراقبته تزيد من توتري، ويدي المرتعشة أسقطت علبة لبن، واللبن أغرق الأرض، تلون وجه مديري، اخترقت نظراته المتوعدة صدري, اقترب وقبض على يدي، وقال:
– والآن، مخصوم منك ثمن الصندوق كله.
قلت:
– لكنها علبة واحدة فقط.
قال:
– ثمن العلبة فقط لن يعلمك، لكن الصندوق كله بالتأكيد سيجعلك شديد الحرص في المرة القادمة.
لم أرد، فقط ذهبت إلى الحمام، جلست على أرضه، وأخذت أبكي. «لا تبكِ في الحمام»، كانت أمي تردد ذلك دائمًا وأنا صغير، لم أعرف أبدًا السبب، ولكن تناهى إلى مسامعي مرة أنه شيء له علاقة بسكان العالم الآخر، ماذا سيفعلون يا أمي؟ أريد أن أبكي، لكني حقيقة لا أملك الوقت حتى للبكاء.. خرجت مسرعًا، وأكملت تعبئة الصناديق، والمدير يقف مبتسمًا، مستمرًّا في مراقبته، عملت حتى انهارت قدماي، وسقطتُ أرضًا، حسب المدير كم صندوقًا عبَّأتُه، وعندما جاء ليخصم ثمن صندوق اللبن، وجد أن أجري لن يتحمَّل، فقال بود مصطنع:
– سأكون رحيمًا معك وأخصم ثمن الصندوق على دفعات.
خصم أول دفعة وأعطاني الباقي.
عدوت مرة أخرى للبيت، هذه المرة برجلين كسيحتين، فكان عَدْوي لمن يراه من بعيد يبدو مضحكًا، لكن الوقت لا يتوقف، لا مجال لأن أسير بهدوء، جلبتُ معي خبز وجبن وحلاوة، صعدتُ إلى الشقة في سرعة، أعطيت ابنتي الحلاوة التي تحبها، رأيت الفرحة في عينيها، وجلسَتْ لتأكل بنهم، هذه الفرحة كانت كافية لتهوِّن كل هذا التعب، دخلت غرفتي لأنام قليلًا، قبل أن تبدأ نوبتي في مصنع الأدوية، تركت جسدي يسقط على السرير، من دون أن أغيِّر ملابسي، أو أغسل وجهي أو جسدي، فقط ألقيت بكل ثقلي على السرير، ونمت أخيرًا.
أود أن أسبح في نهر مدينتنا، ولو قليلًا، هذا كل ما أريده، هل هذا كثير؟
السباحة تحتاج إلى وقت، وأنا لا أملكه، كما أنني فقير، لا أملك المال لأشتري وقتًا. أعمل كل يوم، بجانب العمل الإضافي، ومع ذلك، لا أملك كثيرًا من المال أيضًا. الوقت كالسيف، ومع ذلك كلما حاولت قطعه قطعني هو قطعًا صغيرة. الوقت كالذهب، ولكن أين الذهب، أو الفضة حتى، أو النحاس؟! أين أي شيء؟ مَن قال تلك الأقوال بالتأكيد لم يعمل في مصنع أدوية صباحًا ومصنع لبن ليلًا. يجب أن يغيروا تلك الأقوال التي لم تعُد مناسبة، وإذا سمحوا لي بالاختيار، سأقول:
– الوقت كرغيف خبز، أو كعلبة جبن، أو كدجاجة صغيرة، أو كفستان لطفلة صغيرة.. الوقت كدجاجة صغيرة، إذا لم تأكلها أكلتك.
المرة السابقة، قال لي بائع الوقت إن ما معي من مال لا يكفي لشراء الزمن، ويجب أن أجمع مالًا أكثر. لم أفكر يومًا في شراء الوقت، لكن الرغبة الملحة في السباحة والغوص في مياه النهر الباردة كانت تدفعني دفعًا لأفعل ذلك. وكأنَّ كل ما تبقَّى لي من حلم هو ذلك الأمر. في صغري، لم يكُن الأمر يشغل بالي، كنت أضيِّع الوقت بلا رحمة، كنت أنام كثيرًا، وألهو كثيرًا، قالت لي جدتي ذات يوم:
– كل هذا الوقت الذي تضيعه ستعرف قيمته يومًا ما.
يقف بائع الوقت في كشك صغير، في ناصية شارع كبير، يبيع الزمن بالدقائق، كثير من الناس يذهبون إليه، البعض ليشتري والبعض ليبيع، معظم مَن يبيع وقته هم كبار السن، يملكون الكثير منه والقليل من الصحة، لا طاقة لهم لاستغلال هذا الوقت كله.
لدى البائع عدة صناديق صغيرة، يحتفظ فيها بدقائق ذهبية وفضية، قضاها بعض الناس في سعادة، وقرروا في النهاية، بسبب الحاجة إلى المال، بيعها.. بعد بيع تلك الدقائق الذهبية، ينساها الناس من حياتهم، كأنها لم تكُن. كل دقيقة منها لها قصة مختلفة، يحب بائع الوقت أن يحكيها لروَّاده حتى يشجِّعهم على جمع المال لشراء تلك الدقائق الذهبية. اقتربتُ في أحد الأيام, ودخلت لأول مرة، وقفت أمام البائع وكان مشغولاً بعرض دقيقة ذهبية لزبون، قال البائع وهو يمسك الدقيقة:
– إنها لرجل عاد لحبيبته بعد فراق عشرين عامًا. هل من مشترٍ؟ دقيقة لا تعوَّض، مَن يقدر ثمنها؟ مَن يقدر ثمن الحب؟
قضيت ليالي كثيرة دون نوم، كنت أخرج من شركة الأدوية لأذهب لمصنع اللبن، وأحيانًا لو تبقى لي ساعة أو اثنتان، أستغلهما في الوقوف في محل سوبر ماركت. كان الأمر يشغل بالي، ويلح، ويطرق رأسي، كلما وضعت رأسي للنوم، يتردد صوت، يبدأ في الهمس: أريد السباحة. ثم يتحول الهمس إلى صوت قوي صارم: مياه النهر الباردة. ثم يبدأ في الصياح: أريد الغوص. ويظل يطرق رأسي حتى أذهب في النوم. جمعت مبلغًا من المال، اعتقدت أنه كافٍ لشراء بعض الوقت للسباحة. ذهبت لبائع الزمن ومعي المال، قال لي:
– لقد تأخَّرت، الوقت سعره ازداد، أنت تدرك بطبيعة الحال أن كل شيء سعره يزداد، لماذا إذًا كنت تعتقد أن الوقت سيثبت على سعره؟
عدتُ خائبًا، اليأس يتملَّكني، وكدت أرجع عن رغبتي، واتناسى ذلك الحلم البعيد، لكن رائحة النهر كانت تعبر إليَّ من حين لآخر، وإحساس المياه الباردة وهي تغمر الجسد كان يزورني في أحلامي، فعاد إليَّ الحماس، فضاعفتُ من وقت العمل، فكنت أعمل وأعمل، من دون كلل، مصنع الأدوية، مصنع اللبن، (السوبر ماركت)، دائرة مغلقة، لا أقطعها إلا بالنوم القليل، ربما لا أقدر أن أطلق عليه كلمة نوم، فهي عدة غفوات متقطعة بين كل عمل وآخر، حتى جمعت مزيدًا من المال.. عدوتُ حتى بائع الوقت، قدمت كل ما لديَّ من مال، قال لي:
– إن ما جمعته من المال يكفي لشراء ساعة واحدة فقط من الفئة العادية، لا ذهبية ولا فضية، 60 دقيقة عادية، تلك الساعات التي يقضيها الناس في اللاشيء، في انتظار القطارات مثلًا، أو دور عند الطبيب، أو أحد الطوابير الطويلة بالمدينة. فقلت له:
– إن هذا كافٍ جدًّا بالنسبة لي، أنا لا أطلب أكثر من ذلك، ساعة واحدة من السباحة بالمياه الباردة، هذا كل ما أتمناه.
اشتريت الساعة فرِحًا، وعدتُ مسرعًا. الآن حان موعد عملي في مصنع اللبن، نظرت في ساعتي، وجدت العقارب تعود إلى الوراء، إذًا قد بدأت الساعة من الآن. نهر مدينتنا بعيد؛ لذلك قررت اختصار الوقت والتضحية بقليل من المال، وأن أركب سيارة تمر على طريق النهر. وقفتُ أراقب السيارات والسائقين، اخترتُ شابًّا يقود بسرعة، هذا سيختصر الوقت كثيرًا، ربما تتبقى لي 40 دقيقة للسباحة، هذه كافية أيضًا. كانت السيارة تسير بسرعة، كان كل شيء جيدًا، حتى رأيت سيارة يقودها شاب متهور، يقود السيارة في جنون، ويعبر بسرعة من جانبنا، ثم رأيته يحاول أن يناور سيارة نقل ضخمة، لكنه لم يفلح، وانزلقت عجلات سيارته تصطدم بالسيارة النقل، وانحرف سائق النقل مع الاصطدام المفاجئ، واصطدمت السيارات المسرعة وراءه بهما وتوقف الطريق تمامًا. نظرت إلى ساعتي، الوقت يمرُّ بسرعة، من دون هوادة، والطريق متوقِّف، الوقت يمر، والسيارة لا تمر. نزلت من السيارة مسرعًا، وأخذت أركض، أحاول أن أتفادى السيارات، الوقت يركض معي، والدقائق تلهث ورائي، حاولت أن أختصر الطريق، وذهبت من شوارع ضيقة، لكن الزحام في كل مكان، أنتهي من زحام السيارات لأصطدم بزحام الناس، أرتطم بهذا، وأدفع هذه، والوقت يجري، أصرخ فيهم: دعوني أمرّ، دعوني أمرّ. أصل إلى النهر في النهاية، أنظر لساعتي، انتهت الساعة. لم يتبقَّ دقيقة واحدة حتى، ضاع الوقت، ولم أذهب للسباحة، ضاع حلمي، وتعبي.
سقطتُ على الأرض، جلست بجانب سور النهر، أخفيت وجهي بين ركبتيَّ، وأخذت أبكي، والآن حان وقت العمل، والعمل مكانه بعيد، مسحت دموعي ونهضت مسرعًا، عدَوت بسرعة، اختلط عرقي بدموعي، اختلط لهاثي بنحيبي، ضاع الوقت، وضاع الحلم. وصلت إلى العمل متأخرًا، والمدير يقف على الباب مبتسمًا، خصم لي مديري، أنهيت العمل، وعدت للمنزل مرهقًا، فتحت لي ابنتي، ذات الشعر المنكوش، قائلة بصوت متقطع: