2
0
3
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13381
0
12214
0
12138
0
9571
0

د. وجدان الخشاب*
حجم اللوحة: 50/70سم
تاريخ الإنجاز: 1430ه/ 2008م

نشأ تكوين هذه اللوحة من العناصر التالية:
1/ الكتلتان الرئيستان الخطيّـتان: ضمّـت الكتلة الأولى جملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وضمّـت الثانية جملة (قال تعالى في كتابه الكريم) وجزءًا من الآية القرآنية الكريمة المرقومة (227) من سورة الشعراء، والذي ينصُّ على (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
2/ التشكيلات التزيينية
3/ الرموز التشكيلية: وهي السماء وجزء من سفحي جبلين، والوادي.
اختار الفنان عباس الجزء العلوي الأيمن من اللوحة ليخطَّ فيه كتلة البسملة بخط جلي الديواني، بحيث يكون تسلسلها القرائي من الأسفل الى الأعلى، واتخذ مظهرها حركة اتجاهية نازلة ومائلة إلى جهة اليسار، وأخرج بداية حرف الباء من كلمة (بسم) بطول قليل مع ترويسة لطيفة من جهة اليسار، فأسهم في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين، واتخذت نقطته شكل متوازي المستطيلات حسب قواعد خط جلي الديواني، واعتمد على خاصية التحريف المكاني فحرّف موقعه ليكون تحت أسنان حرف السين، وأسهم في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين، وخطَّ أسنان حرف السين بحجم صغير، ومنح حرف الميم المطموس العين شكل حرف الميم الرحماني الذي أسهم في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين.
أتاح الاتجاه المائل لكلمة (بسم) مساحة فارغة ملائمة لرفع لفظ الجلالة مكانيًّا بحيث أصبحت قاعدة له، واختار الفنان خاصية التأخير المكاني عند خطّـه لحرف الألف الذي أخرجه بحيث ينصِّف حرف اللام الثاني من اللفظ ذاته، فأنتج بعدًا ثالثًا وهميًّا وحركة ضمنية وهمية، وبدأ بترويسة مثلثة، ثم حركة اتجاهية نازلة ليتراكب ويتقاطع مع بداية حرف الحاء من كلمة (الرحمن)، فحقق البعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الإبهامية، كما حققهما أيضًا في تراكبه وتقاطعه مع حرف اللام الثاني من لفظ الجلالة، فأنتج بذلك حركية لافتة للنظر، ثم يستمر بتقويسة لطيفة ليتصل بنهاية تقويسة حرف الميم الرحماني، محققًا بذلك خاصية التأليف، وينتهي بتشظية لطيفة.
في تعامله الفني مع حرف اللام المتكرر في لفظ الجلالة حقق الفنان خاصية التضاد الشكلي، فالأول منهما خطّـه بترويسة بعرض القلم وأكثر طولًا وتقويسًا من الثاني الذي أخرجه بترويسة مثلثة، وأسهم في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليمين، فيما اتخذ حرف الهاء شكله المقوّس تقويسه خفيفة، وحركة اتجاهية نحو الأعلى ثم حركة نازلة ليكتمل شكل التقويس الثاني، فحقق بذلك ايقاعًا حيويًّا.
يتميّـز خط جلي الديواني بجمال شكله لما يتمتع به من مرونة الحروف واستداراتها الدقيقة التي تمنح الفنان القدرة على تغيير أشكالها وتسلسلها الكتابي، وهذا ما يلاحظه المتأمّـل في هذه الكتلة الخطيّـة، وفي الكيفية التي أخرجها بها الفنان عباس، فكلمة (الرحمن) خطّـها مستثمرًا خاصية الرفع المكاني، فأصبح لفظ الجلالة قاعدة لحروف الألف واللام والراء منها، وعمد الى وصل حرفي الألف واللام ليحقق خاصية التأليف، ومنحهما شكل العقد الدائري المرتد المدبب الذي ينتهي قوسه بشكل زاوية في أعلاه، وهو أحد الأشكال المعمارية التي استخدمها المعماريون المسلمون في بناء المساجد والقصور، ويبدو أنّ هذا الاختيار كان قصديًّا من قِبل الفنان عباس؛ لأنَّ الفنان المسلم كان ينظر للوحة الخطيّـة نظرة معمارية، وأسهم شكل العقد في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من الأعلى.
وأفاد من خاصية الخفض المكاني النازل الى الأسفل لإخراج حرف الراء المرسل، الذي ينتهي موصولًا بحرف النون من جهة اليمين، ويحقق خاصية التأليف أيضًا، وبالمقابل أفاد من خاصية الرفع المكاني ليخطَّ حرف الحاء الذي يبدأ بتدويرة صغيرة رفيعة، ثم يمتد بتقويس خفيف وحركة اتجاهية نحو يمين الكتلة، ثم حركة اتجاهية مُكمّـلة نازلة باتجاه يسار الكتلة، ويلاحظ المتأمّـل لهذا الجزء من اللوحة اتصال حرف الحاء بقوس العقد من الداخل، فتحققت خاصية التأليف، كما يلاحظ أيضًا تحقق خاصيتي التراكب والتقاطع مع بداية حرف الألف من لفظ الجلالة، ومع حرف اللام من كلمة (الرحمن) فتحقق البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية في الحالتين.
وأخرج حرف الميم من الكلمة نفسها مطموس العين لينتهي بتقويسه لطيفة، فأنتج بُـعداً جمالياً، وابتدأ بخطِّ حرف النون من وسط هذه التقويسه من الأسفل، وأفاد من خاصية التنصيل أي المـدّ في نهايته ليتراكب تركيبًا خفيفًا ويتقاطع مع حرف الراء من كلمة (الرحيم)، فحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية، فضلًا عن تحقيقه لخاصية التأليف التي تجسّدت في وصل نهاية هذا الحرف بالنقطة الثانية لحرف الياء في كلمة (الرحيم).
تلعب المبالغة في طول حرف الألف دورًا لافتًا للنظر، لأنّـها تكشف عن قصدية الفنان في الإفادة من خصائص الخط الذي يخطّ به حروف الكتلة، ويمنحها بُـعدًا جماليًا، ويبدو أنَّ الفنان عباس أفاد من هذه القصدية حين لجأ الى خاصية الرفع المكاني لحرف الألف من كلمة (الرحيم) بحيث بدا كأنه يحمل هذه الكتلة، وهي تتدلى منه فمنحها بذلك حيوية وتماسكًا، وفي الوقت ذاته حقق البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الوهمية لتراكبه وتقاطعه مع حرف اللام من الكلمة نفسها، فضلًا عن تحقيقه لخاصية التأليف باتصاله مع حرف الحاء من جهة اليمين.
في معالجته الفنية لحرف الحاء اعتمد على خاصية التكرار الشكلي، حيث أخرجها بالشكل نفسه الذي أخرج به الحرف ذاته في كلمة (الرحمن)، فحقق بذلك ايقاعًا وتوازنًا، أمّـا في إخراجه لحرف الميم فقد اعتمد على طمس عينه، وبالغ في إرساله ليحيط بالقسم الأيسر من الكتلة، فمنحه بذلك حيوية لافتة للنظر، وأسهمت حروف اللام والياء والميم في تحقيق جزء من الإغلاق الوهمي لشكل الكتلة من جهة اليسار.
اختزل الفنان عباس التشكيلات التزيينية التي شغلت الفراغات البينية والمحيطية في هذه الكتلة، لتمنحها تماسكًا واتزانًا وتنويعًا، وتمثّـلت بالشدّة والمدّة والكسرة.
اتخذت الكتلة الخطية الثانية شكلًا قوسيًّا وهميًّا لتحقق تضادًا شكليًّا لافتًا للنظر مع الكتلة الأُولى، ويحيلنا اختيار الفنان عباس لهذا الشكل الى دلالة الآية الكريمة، التي تؤكد على أنّ المشركين بالله سبحانه وتعالى سيكون مصيرهم السقوط في نار جهنم، ولتحقيق هذه الرسالة التوجيهية والروحانية ارتأى الفنان تمثيل حركة السقوط من الأعلى الى الأسفل تشكيلياً بالقوس الذي ابتدأ رفيعًا ودقيقًا ومشغول المساحةِ بأشكال زخرفية نباتية، يبدو أنَّ الفنان عباس اختارها قصديًّا للدلالة الرمزية على النِعم التي أنعـمَـها الله على الإنسان، لكنّـه جحدها وكفر بها فاستحق العقاب من جهة، ولتحقيق خاصية الوحدة بوصفها عنصرًا جماليًا من عناصر التكوين الخطيّـة والرمزية التي أصبحت كلًّا واحدًا، ثم خطَّ جملة (قال تعالى في كتابه الكريم) بخط جلي الديواني أيضًا، لكن بقلم أقل سُمكًا من القلم الذي خطَّ به الكتلة الأُولى، وكلمة (الكريم) كذلك الآية الكريمة، فكلمة (قال) أصغر حجمًا، ثم يكبر حجم الكلمات على التوالي ليمنح الكتلة شكلها القوسي.
وأخرج حرف القاف من كلمة (قال) مطموس العين، وبالغ في طول الجزء القائم من حرف الألف، وتراكبت وتقاطعت تقويسته مع حرف التاء من كلمة تعالى، فتحقق بذلك البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الإيهامية، واشتغل باتجاه تنصيل هذه التقويسة فأخرجها بشكل رفيع ودقيق بحيث تقاربت مع حرف العين من كلمة (تعالى) من الأسفل، وشكّـلت تضادًا معها من حيث السُمك.
وفي كلمة (تعالى) اعتمد على خاصية الخفض المكاني لحرف التاء، ورفعِ النقطتين فوق حرف العين، وأخرج هذا الحرف برفعه مكانيًّا، واستثمر خاصية التنصيل في الجزء الأُفـقـي منه ليصبح قاعدة تحتضن حرفي اللام والألف المقصورة، وأسهم الطول المبالغ به لحرف الألف القائم في تحقيق هذا الاحتضان، ولهذا منح حرفي اللام والألف المقصورة حجماً أصغر، وعالج حرف الفاء في كلمة (في) معالجة فنيّـة تمثّـلت بتكرار شكل حرف القاف في كلمة (قال)، ورفع نقطته فوقه، أمّـا حرف الياء فخطّـه حسب خاصية الخفض المكاني، ليصبح قاعدة يرتفع فوقها حرف الكاف من كلمة (كتابه)، الذي أخرجه بمنح الجزء الأعلى منه شكلًا زخرفيًّا، وعالج حرف التاء معالجة فنيّـة تمثّـلت بمنحه تنصيلًا قصيرًا، أمّـا حرف الألف فمنحه طولًا مبالغًا فيه، وأخرج حرفي الباء والهاء بخفضهما مكانيًّا، وهذا ما يكشف عن قدرة الفنان عباس على تنفيذ خاصية الاتزان التي تعمل على تنظيم شكل الكتلة، وتمنح المشاهد متعة بصرية ونفسية معًا.
إنَّ التنويع الشكلي والحجمي للكلمات يمنح الكتلة مسحة حركية لافتة، وهذا ما يلاحظه المتأمِّـل في كلمة (الكريم) التي خطّـها الفنان بحجم أكبر من الكلمات التي سبقتها، فحقق أيضًا خاصية التباين، وأخرج حرف الألف منها بمنحه زلفًا في جهة اليسار، وطولًا مبالغًا فيه بحيث يحيط قوسه بحرف اللام المُـزلّـف أيضًا، وعمد إلى خاصية التكرار عند خطّـه لحرف الكاف، فكرر شكله في كلمة (كتابه) ليحقق إيقاعًا وتوازنًا، وحسب خاصية الرفع المكاني رفع حرفي الياء والميم فوق حرف الراء، فأصبح قاعدة لهما.
يلاحظ المتأمّـل أن الفنان عباس اعتمد على التنويع الشكلي عند خطّـه للنقاط، ففي حروف القاف والتاء والياء في الكلمات (قال، تعالى، الكريم) أظهرها متجاورة وبشكل متوازي المستطيلات، وفي حرف التاء من كلمة (كتابه) أخرجهما متعامدتين، فأحدث بذلك تنويعًا شكليًّا.
في إخراجه للآية الكريمة استخدم الفنان عباس التركيب الثقيل لخط جلي الثلث، ويكشف المسح البصري لهذه الكتلة عن تعدد اتجاهات الحروف والمقاطع، بحيث أحدثَ هذا التعدد تغييرًا في تسلسل الآية الكريمة عند القراءة، فأنتج حركةً لافتة للانتباه أبعدَت شكل الكتلة عن الجمود، وهذا ما سيجده المُشاهد حين يتأمّـل الكيفية التي أخرج بها كلمة (وسيعلم)، فحرف الواو المجموع الذي خطّـه مُـخرّق العين، اتخذ من نهاية تقويسته الرفيعة والدقيقة قاعدة لأسنان حرف السين، منتجًا خاصيتي التراكب والتقاطع معها، ومحققًا للبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، واتصل به حرف الياء من الكلمة نفسها الذي ينتهي بتقويسة رفيعة ودقيقة، فأنتج خاصية التأليف، وشكّـلت هذه الحروف الثلاثة المقطع الأول من الكلمة، وفي الوقت ذاته أصبحت قاعدة تستقر فوقها حروف العين واللام والميم من الكلمة نفسها لتشكِّـل المقطع الثاني من الكلمة، حيث استقرّ حرف العين فوق حرفي الواو وجزء من حرف السين، واتخذ حرف الألف شكله القائم وترويسته المثلثة، وحرف العين أخرجه مطموسًا، وينتهي بشكل حرف الميم الرحماني، وتنتهي تقويسته الرفيعة والدقيقة باتصاله بالنقطة الأُولى من حرف الياء في كلمة (الذين)، فحقق خاصة التأليف، وفي الوقت ذاته تراكب وتقاطع مع حرف الألف القائم والمروّس بترويسةٍ بعرض قلم الخط، فأنتج بذلك البُعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الإيهامية، وينتهي بنهايته المائلة نحو جهة اليسار قليلًا والمتصلة بحرف الياء من الكلمة نفسها، فتحققت خاصية التأليف.
واستثمر الفنان عباس خاصية التكرار حين منح حرف اللام ترويسة مكررة لترويسة حرف الألف والامتداد القائم أيضًا، فأحدثَ بذلك ايقاعًا شكليًّا جميلًا، لكنَّه عمد إلى تطويعه من خلال المبالغة في طوله لتحقيق الشكل القوسيّ لهذه الكتلة، أمّـا حرف الذال فقد أخرجه بحيث تنتهي تقويسته الرفيعة والدقيقة متصلة بحرف الظاء من كلمة (ظلموا) من الأسفل، فحقق بذلك خاصية التأليف، ورفع المقطع الثاني المتمثّـل بحرفي الياء والنون من كلمة (الذين) مكانيًّا، وأجرى تحويرًا على شكليهما بحيث أدغمهما معًا، والتحوير في شكل الحرف خاصية بنائية يفيد منها الفنان في تجميله وتنويع شكله.
إنَّ خاصية التكرار تشتغل باتجاه منح الكتلة إيقاعًا يؤثّـر تأثيرًا إيجابيًّا في مُشاهدها، وهذا ما يلاحظه المتأمل في تكرار تقويسات حروف الياء والميم والنون التي توالت صعودًا مع حركات اتجاهية نحو اليسار، كما أسهمت النقاط في تجميلها أيضًا من حيث التجاور والتباعد المكاني بينها.
أسهمت تقويسة حرف الذال في جعلها قاعدة تحتضن حرف الظاء والجزء القائم المروّس بعرض القلم منها، الذي توازى مع الجزء القائم من حرف اللام، لكنه تباين عنه بترويسته المثلثة، وأسهمت خاصية الرفع المكاني لحرف الظاء في استغلال المساحة الواقعة تحته لخط حرف الميم المُـخـرّق العين، ومثّـلت عين حرف الواو المُـخـرّقة أيضًا تكرارًا ايقاعيًّا شكليًّا، وتباينًا حجميًّا في الوقت ذاته، فضلًا عن الإيقاع الناتج عن تكرار شكل حرف الواو المجموع.
واعتمادًا على خاصية الرفع المكاني عمد الفنان عباس إلى رفع حرف الألف من كلمة (ظلموا) مكانيًا، كما اعتمد عليها عند خطّـه لكلمة (أي)، التي عالجها فنيًا بخطِّ حرف الألف المروّس بعرض القلم، فاستقر فوق حرف الياء من كلمة (ينقلبون)، ونصّف تقويستها محقـقًا خاصية التأليف، أمّـا حرف الياء فقد اتخذ شكل الياء الراجعة الى جهة اليمين، والتي استقرت فوق الجزء القائم من حروف الضاد واللام والألف المتكرر على التوالي، وهذا ما أنتج حيوية وبُـعدًا جماليًا لافتًا بين هذه الحروف العمودية وحرف الياء الأُفقي، فضلًا عن تحقيقها للبُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الإيهامية الناتجة عن تراكبها وتقاطعها معها.
في إخراجه لكلمة (منقلب) اعتمد على خاصية الخفض المكاني لها، فخط حرف الميم داخل تقويسة حرف الواو المجموع في كلمة (ظلموا)، وأنتج بذلك تكرارًا شكليًا وايقاعيًا لطيفًا، واعتمد على خاصية التحريف في موضع نقـطة حرف النون، ولم يعتمدها عند وضعه لنقاط حرف القاف، أمّـا الجزء القائم من حرف اللام فقد بالغ في طوله، وأقفل هذا الجزء من القوس الوهمي بجزء من حرف الباء ونقطتها دون أن يكملها شكلًا للدلالة على تحقق عملية السقوط في قعر جهنم.
أسهمت خاصيتي الرفع والخفض التي اعتمدها الفنان عباس في استغلال المساحات الناتجة عنها، لهذا اختار الرفع المكاني لكلمة (ينقلبون) فاتخذ حرف الياء موقعه فوق حرف الواو من كلمة (ظلموا) كذلك حرف النون، وحرّفَ موقع نقطتيها المتجاورتين ليخطّـهما تحت حرف الميم من كلمة (ظلموا)، أمّـا نقطة حرف النون فاتخذت شكلًا دائريًّا، لتحقق خاصية التكرار الشكلي مع نقطة حرف الظاء، وفي الوقت ذاته تحققت خاصية التباين بينهما حجميًّا، وتحققت خاصية التضاد بينهما وبين نقاط الحروف الأُخرى التي كانت على شكل متوازي المستطيلات، وهذا ما أسهم في منح النص حيوية وحركية.
واعتمد على خاصية التحريف عند تعامله مع نقطتي حرف القاف تعاملًا فنيًّا، فحرفهما مكانيًا إلى يسار تقويسته، واتخذتا شكلًا عموديًا فحققتا خاصية التكرار الشكلي مع نقطتي حرف الياء من كلمة (أي)، وفي الوقت ذاته تحقق التضاد الحجمي بينهما، أمّـا حرف اللام المروّس بترويسة مثلّـثة فقد خطّـه بطول مناسب، واتخذت نقطة حرف الباء موقعها المُـحـرّف تحت حرف اللام من كلمة (منقلب)، واعتمادًا على خاصية التكرار خطّ الفنان حرف الواو، وأخرجه بحيث تتراكب وتتقاطع تقويسته مع حرف اللام من كلمة (منقلب)، ليحقق البُـعد الثالث الوهمي والحركة الضمنية الايهامية، ورفع حرف النون مكانيًا ليستقر فوق حرف اللام، فحقق بذلك خاصيتي التراكب والتقاطع، فأنتج بالتالي بعدًا وهميًّا ثالثًا، وحركة ضمنية إيهامية.
إنَّ الخصائص البنائية التي أشرتُ إليها في هذه اللوحة تكشف عن كثافة وتشابك الحروف في نوعي التركيب الخفيف والثقيل، التي قد تجعل القراءة صعبة لغير المتمرّس في خطي جلي الديواني وجلي الثلث، لكنَّ المشاهد المتمرّس سيشعر بالمتعة التي توفرها هذه الخصائص، فضلًا عن شعوره بقيمتها الإبداعية؛ لأنَّ الجانب التذوقي لديه ينبع من قدرة الفنان على تثوير تفكيره باتجاه هذه الخصائص، ومدى فاعليتها في الإخراج الكلي للوحة.
بما أنَّ الفنان عباس اختار التركيب الثقيل لهذه الكتلة، فلا بُـدَّ له من زيادة وتنويع التشكيلات التزيينية فيها، ليزيد من تماسكها وجماليتها، ولهذا شغل فراغاتها البينية والمحيطية بأشكال الحلية التي تجسّدت بعلامات الإعراب والشدّة والحروف الصغيرة والفاصلة والألف الخنجرية.
ترتبط أرضية اللوحة بدلالة كتلتها الخطية ارتباطًا عميقًا، لما تمتلكه هذه الأرضية من أهمية في تحديد الجو الملائم الذي يتناسب مع الدلالة، ويبدو ذلك واضحًا من خلال اختيارات الفنان للعناصر التكوينية والرمزية التي تشغلها، وفي هذه اللوحة كان اختيار الفنان عباس للعناصر التي تشغلها قصديًّا، حيث شغل مساحة القسم العلوي منها بعنصر السماء التي لوَّنها باللون الأزرق السماوي المشوب باللون الأبيض، لهذا اختار موقع بداية الشكل القوسي بمحاذاتها تأكيدًا على القيمة القدسية للآية الكريمة، تليها مساحة الفراغ الذي لوّنه الفنان باللون الأبيض الضبابي، ليمنح الكتلة الخطيّـة فرصة الظهور البارز من جهة، ويسحب بصر المشاهد إليها فيحقق التأثير البصري والفكري معًا من جهة ثانية، وللإيهام بالبُـعد الثالث من جهة ثالثة، وشغل جانبي الكتلة بشكل سفحين لجبلين ولوّنهما باللون البني المتدرّج بين الفاتح والمتوسط والغامق مع لمسات باللون الأسود، محققًا بذلك تباينًا لونيًّا نتج عنه ُبُــعدًا ثالثًا وهميًّا، وينحصر بين السفحين جزء من مشهد الوادي الذي تنتهي فيه حركة الشكل القوسي الوهمي، وفي الوقت ذاته هو مثوى الظالمين، ولهذا غلب عليه لون النار الأحمر المتدرّج والمتداخل.