مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

إعداد ـ هدى الشهري زُهير بن أبي سُلمى من قبيلة مزينة إحدى قبائل مضر، ورث الشعر ع …

ابن أبي سُلمى حكيم الشعراء

منذ 11 شهر

575

0

إعداد ـ هدى الشهري

زُهير بن أبي سُلمى من قبيلة مزينة إحدى قبائل مضر، ورث الشعر عن أبيه وخاله وزوج أمه أوس بن حجر، له أختان هما الخنساء وسلمى وكانتا أيضًا شاعرتين، كما أورث شاعريته لابنيه كعب وبجير، وعدد من أحفاده وأبناء حفدته، وقد رفع القوم منزلته وجعلوه سيدًا لما تمتع به من أخلاق عالية ونفس كبيرة مع سعة صدر وحلم. 

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديد الإعجاب بزهير، أكد هذا ابن عباس، إذ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في أول غزوة غزاها فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: “ومن هو يا أمير المؤمنين؟” قال: ابن أبي سُلمى، قلت: وبم صار كذلك؟ قال: “لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمتدح أحدًا إلا بما فيه” وأيّد هذا الرأي كثرة بينهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الملك بن مروان، وآخرون، واتفقوا على أنّ زهيرًا صاحب “أمدح بيت… وأصدق بيت… وأبين بيت”.

اتصف زهير بصدق طويته، وحسن معشره، ودماثة خلقه، وترفعه عن الصغائر، كما كان عفيف النفس، مؤمنًا بيوم الحساب، يخاف لذلك عواقب الشرّ، ولعلّ هذه الأخلاق السامية هي التي طبعت شعره بطابع الحكمة والرصانة، فهو أحد الشعراء الذين نتلمس سريرتهم في شعرهم، ونرى في شعرهم ما انطوت عليه ذواتهم وحناياهم من السجايا والطبائع. وأكثر الباحثين يستمدّ من خبر زهير في مدح هرم بن سنان البيّنة التي تبرز بجلاء هذه الشخصية التي شرفتها السماحة والأنفة وزيّنها حبّ الحق والسّداد، فقد درج زهير على مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف لدورهما في السعي إلى إصلاح ذات البين بين عبس وذبيان بعد الحرب الضروس التي استمرّت طويلاً بينهما (حرب داحس والغبراء).

وكان هذان السيّدان من أشراف بني ذبيان قد أديا من مالهما الخاص ديّات القتلى من الفريقين، وقد بلغت بتقدير بعضهم ثلاثة آلاف بعير، وقد قيل إن هرمًا حلف بعد أن مدحه زهير أن لا يكف عن عطائه، فكان إذا سأله أعطاه، وإذا سلّم عليه أعطاه، وداخل زهير الاستحياء، وأبت نفسه أن يمعن في قبول هبات ممدوحه، فبات حين يراه في جمع من القوم يقول “عموا صباحًا غير هرم… وخيركم استثنيت”، ومن ذلك قوله:

يَمـينـاً لَنِـعـمَ الـسَيِّـدانِ وُجِـدتُـمـا

عَلى كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ وَمُبرَمِ

تَدارَكتُمـا عَبسـاً وَذُبيـانَ بَعدَمـا

تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطـرَ مَنشِـمِ

وتـدل الـدلائل علـى أنـه عـاش في سـعة مـن المـال ممـا ورثـه عـن خالـه وما كـان يقدم له هـرم وغـيره مـن أشـراف قبيلتـه، ولعـل ذلـك ما جعـل شـعره يخلـو مـن الفحش والعهر، فهو من ذوق آخر غير ذوق بعض شعراء عصره، ممن افتتنـوا بالنسـاء وتصـوير مغامراتـهم القصصـية معهـن، وعلى الرغم من  كـونه وثنيًـا مثلـه مثـل قومـه، لكن لديه بعـض أبيـات يـؤمن فيهـا بـاليوم الآخـر ومـا فيـه مـن حسـاب وعقـاب، كقوله:

فلا تكتُـمُـنَّ اللهَ ما فى نفـوسكـم

ليخفـى ومهمـا يُكـتـم اللهُ يعـلـم

يؤخَّرْ فيوضعْ فى كتابٍ فيُدخَّر

ليوم الحساب أو يعجَّـلْ فيـُنْقمِ

يظهر فى شعر زهير أثر التنقيح والروية كالنابغة، فهو من عبيد الشعر، أى من الـذين ينقحـون شـعرهم، ولقـد كـان زهـير يبـالغ فى ذلـك التنقـيح،  فنُسبت إليه “الحوليات” التي قيل أنه كان يقضي حولًا كاملًا في نظمها، ثم في تهذيبها، ثم في عرضها، ويرى ابن رشيق أن فترة نظم القصائد لم تكن تستغرق من زهير هذه المدة الطويلة، فهو في رأيه ينظم القصيدة في ساعة، أو ليلة، لكنه يؤخرها عنده من أجل التنقيح والتهذيب خشية النقد.

‎كان شعر زهير صورة لحياته، فامتازت معانيه بالصدق، والرزانة، والتعقل، والميل إلى الإكثار من الحِكمَ، كما امتازت معانيه بالتهذيب والتنقيح، والإيجاز، وتجنب التعقيد، والبعد عن الحوشي والغريب، إضافة إلى التتبع في الوصف، والتدقيق في المادة والتركيب واللون، والرغبة في تنسيق الصور والأفكار، ما جعل الأدباء يجمعون على وضعه في الطبقة الأولى من الجاهليين، كما يروي البغدادي في كتابه” شرح أبيات مغني اللبيب” سُئِل يونس النحوي: من أشعر الناس؟ قال: لا أومئ إلى رجل بعينه، لكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب.

نظم زهير في عدد من الفنون، ولأنه عـاش عمـرًا طـويلًا فقـد بلـغ النضـج عنـده مبلغـا كبيرًا ، لـذلك كثـرت الحكمـة فى شـعره، ومن ذلك قوله:

وكائن ترى من صامت لك معجب 

زيـادتـه، أو نـقـصـه فـي الـتـكـلــم

لسانُ الفتى نِصفٌ ونصـفٌ فــؤادُهُ

فلـم يبـقَ إلاّ صـورةُ اللّحـمِ والــدَّمِ 

ومما يرويه بطرس البستاني في “كتابه أدباء العرب في الجاهلية وصدر الإسلام”، اعتقاد العرب أن القلب مقرّ العقل، أو هو العقل بعينه كما في كتب اللغة، وكان أرسطو يجعل القلب موضع القوى النفسية، بخلاف جالينوس الطبيب الذي يجعلها في الرأس، وقد قال العرب من عهد بعيد: المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. ولم يذكروا العقل في كلامهم، إنّما ذكروا مكانه القلب والفؤاد.

وعلى الرغم من  كثرة الحكمة في شعر زهير، والتي توالت في قصائده أحيانًا، كما نرى في آخر المعلّقة مثلًا، لكنها ظلت عنده غرضًا ولم تصبح فنًا مستقلًا قائمًا بنفسه، ومن ذلك قوله:

سئمـت تكـاليـف الحيـاة ومـن يـعــش

ثـمـانـيــن حــولًا لا أبـا لــكَ يــســأم

رأيت المنايا خبط عشواء من تصـب

تمِتـه ومن تخُطـئ يــُعَـمّـرْ فيـهــرَم

وهكذا فأسلوب زهير في حكمه أقرب إلى الأسلوب التعليمي في هدوئه ورصانته وجفافه، ويتلمس القارئ الرصانة في الوزن الشعري، وفي حسن إاختيار الألفاظ والعبارات، وفي الوضوح الفكري، والسهولة الأدائية، لحرصه على النفع وليس ينظم لإرضاء الفنّ الصافي، ولا لإرضاء الحاجة الشعرية فيه.

وحسبما يقول حنّا الفاخوري في كتابه “الموجز في الأدب العربي “إن زهير رجل الاتزان والتأني لأنه نشأ رزينًا، وشاخ رصينًا وقورًا، وقد أضفى رصانة شيخوخته على أقواله، فتضاءلت، فيها العاطفة، وتقلّص ظل الثورة الهادرة، وتجمد الخيال في واقعية الصورة والحقيقة، فأتت أقواله جامدة خالية من الماء والرّواء، تتوجّه إلى العقل أولًا، وتنزع منزع المصارحة التي لا تثير الأعصاب إلاّ بقدر محدود”.

ولطالما استوقف البيت التالي النقاد، ففيه يقول:

فإنّ الحقَّ مَقطَعُهُ ثـلاثٌ

يمـيـنٌ أو نـفـارٌ أو جـلاءُ

فحسب ما ورد في كتاب “الصناعتين” لأبي هلال العسكري، فقد عدّ القدماء زهيرًا بهذا البيت قاضي الشعراء، وفي طليعة هؤلاء عمربن الخطاب حيث أُعْجِب من صحة التقسيم في قوله ذاك، فقال: لو أدركته لوليته القضاء لحسن معرفته ودقة حكمه.

ولا يفوتنا الوقوف بمعلقته الشهيرة، التي يقول في مطلعها:

أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَـمْ تَكَـلَّــــــــمِ
بِحَوْمَانِةِ الدَّرَّاجِ فَالْـمُتَثَلَّـــــــــــمِ

ثم يقول: 

وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْـرِينَ حِجَّـةً

فَـلأيَاً عَرَفْـتُ الـدَّارَ بَعْــدَ تَـوَهُّــمِ

فَلَـمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُـلْـتُ لِـرَبْعِهَــا

ألاَ أَنْعِمْ صَبَاحاً أَيُّهَا الرَّبْعُ وَاسْلَـمِ

والتي يقول عنها الزوزني في كتابه “شرح المعلقات السبع”: إنها أشعر شعره، وقد جمعت ما أشبه كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء ففيها الحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، والأخلاق الفاضلة، والمعاني العالية والأغراض النبيلة، أضف إلى ذلك ما حوته من الأساليب البلاغية، والكلام الْجَزْل.

وخير خاتمة لمقالي ما رواه أحمد الأمين الشنقيطي في كتابه “المعلقات العشر وأخبار شعرائها”: إن ابن الخطاب رضي الله عنه، قال لواحد من أولاد هرم: أنشدني بعض مدح زهير أباك، فأنشده، فقال الخليفة: إنه كان ليحسن فيكم القول”، فقال: “ونحن والله كنّا نحسن له العطاء”، فقال عمر بن الخطاب: “قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم”.
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود