2
0
3
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13381
0
12215
0
12139
0
9572
0
د. يوسف حسن العارف*
(الحلقة الأولى)
مسامرة ثقافية
مقدمة
لجماعة منتدى (عبقر) الشعري
بنادي جدة الأدبي الثقافي
مساء الثلاثاء
1/11/1446هـ = 29/4/2025م
تمهيد:
(1) الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله.
شكرًا للنادي الأدبي الثقافي بجدة إدارة ومجلس إدارة.. وندعوا الله القدير لزميلنا وأخينا المسؤول المالي الأستاذ عبدالعزيز قزان بالشفاء العاجل، وأن يكون ما أصابه من ابتلاء أجرًا وتطهيرًا، ورفعةً في الدارين…
كما نشكر رئيس مجلس الإدارة البروفيسور/ عبدالله عويقل السلمي ورئيس منتدى عبقر الشعري الشاعر المبدع عبدالعزيز الشريف، ونائبه الأستاذ خالد الكديسي، على هذه الدعوة الكريمة.
والشكر موصول لجميع أعضاء المنتدى والحاضرين هذه الليلة رغم ظروفها (الرياضيَّة)!
حديثي هذه الليلة عبارة عن مسامرة نقدية/ شعرية اخترت لها أربعة شعراء، من شعراء هذا المنتدى (عبقر الشعري) شاعرين وشاعرتين.. وهذه حلفة أولى من سلسلة طويلة إذا أتيحت لنا الفرصة فيما بعد، حسب الخطة التي اقترحها رئيس المنتدى والمشرف عليه!
وقد اخترت منهجية نقدية تؤمن بمقولة النقد الجمالي، المعروف بـ (الاستيطيقيا)، وهي درس الأثر الفنِّي للنصوص الشعرية، ومزاياها ومواطن الحسن فيها، وما يتوافر فيها من قيم الجمال وآفاقه وطروحاته، وما فيه من خبرات جمالية.
الناقد الكبير والشاعر اليمني المعروف الأستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح، له مقولة مشهورة في إحدى دراساته النقدية، يقول ما معناه: إن النقد في عصرنا يعني الشتيمة، ويعني ملامسة الأخطاء والعيوب والسلبيات في العمل الأدبي، والكشف عنها.. لذلك سأحاول في مقارباتي النقدية أن أبتعد عن هذا المفهوم وأقف على مواطن الجمال وأتعامل معها وأبرز أثرها الفني والجمالي، إن شاء الله.
(2) بين يديّ شاعرتين.. وشاعرين، من أجمل وأفضل التجارب الشعرية في (محيط عبقر) الجماعة الشعرية والمنتدى العريق.. والعميق! ولعلِّي أستطيع مقاربة أحد المنجزات الشعرية لكل واحد منهم.
وفي البدء سأقف عند جملة من “المُشترَكات التي تجمع بينهم من خلال المجموعات الشعرية التي سنتثاقف معها نقديًا، وهي كما يلي:
أولًا: يجمع هؤلاء الشعراء جماعة عبقر والمنتدى الشعري، فهم شعراء منتمون لهذا المنتدى حضورًا وإبداعًا، وانتماءً.
ثانيًا: لم أجد في مجموعاتهم الشعرية الخاضعة للدراسة والمقاربة النقدية، تعريفًا بهم أو نبذة عن سيَرهم الشعرية والذاتية، كما هي العادة في كثير من دواوين الشعراء.
ثالثًا: التوافق الطباعي على أن تكون صفحة الفهرس/ المحتويات في آخر المجموعة الشعرية/ الديوان، وليس في أولها أو البداية.
رابعًا: العناوين (ثنائية الجملة): مرافئ الحرمان، فوضى المسافات، حلم مؤجل، وآخر المجموعات (ثلاثي الجملة): مواسم تشتهي ظلّها).
خامسًا: اثنان من هذه المجموعات/ الدواوين جاءت عناوينها مقتبسة من عناوين القصائد الداخلية، واثنان من خارج الديوان.
سادسًا: وأخيرًا تجمعهم جماليات الوصف والتصوير وأنسنة الأشياءوتجسيدها، وجماليات نصوص الومضة والقصائد القصيرة جدًا (ق.ق.ج)، وجماليات الأمكنة والوقوف عليها شعريًا، وجماليات الكتابة السطرية للقصائد والنصوص العمودية/ الخليلية/ البيتية تمثلًا بكتابة القصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، والقصائد الحداثية. وفي هذا من التحايل الكتابي ما تكشفه القراءة الناقدة/ التحليلية.
(3) ستكون أمسيتنا ومسامرتنا هذه الليلة ثنائية المحتوى.. نستمع شعرًا من شعرائنا وشاعراتنا، ثم نتسامر نقديًا حول المنجزات الشعرية التي اخترناها للمقاربات النقدية.. وسأطلب من الشعراء –حسب بدايات حروفهم الأبجدية– فنبدأ بالشاعر حمد جويبر، ثم الشاعرة خديحة إبراهيم –التي اعتذرت عن الحضور– وسأقرأ (أنا) بعض (نصوصها الشعرية)، ثم الشاعرة الدكتورة منى الغامدي، ومسك الختام مع الشاعر الدكتور يحيى الزبيدي.
ولعلنا نستمع من الشعراء إلى قصيدة أو أكثر من المجموعات الشعرية التي اخترناها للقراءة النقدية، ولعل في اختياراتهم ما يعضِّد ويؤكد اختياراتي التي أرى أنها جديرة بالقراءة الشعرية!
وبعد هذه الجولة الشعرية نبدأ في مقاربتنا النقدية.. آملًا أن تكون خفيفة.. مفيدة.. ماتعة ومحفِّزة، إن شاء الله، وستكون هذه القراءة والمقاربة على نحو جديد! حيث نبدأ بالشاعر الدكتور يحيى الزبيدي، ثم الشاعرة الدكتورة منى الغامدي، ثم الشاعر حمد جويبر، وأخيراً الشاعرة خديجة إبراهيم!
(4) أول المقاربات النقدية مع الشاعر الدكتور يحيى الزبيدي وأحلامه المؤجلة. حيث نتثاقف مع ديوانه (حلمٌ مؤجل)، الصادر عن مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع في طبعته الأولى عام 1439هأ/2017م، ويمتاز هذا الديوان بجماليات متعددة:
أولها: شعر الومضة: وهو نوع من الشعر القصير جدًا (ق.ق.ج) قصيدة قصيرة جدًا، وقد عرَّفها بعض النقاد بأنها قصيدة الومضة أو العابرة أو الفلاش، أو فن الحذف والتقشف لغويًا وأسلوبيًا، وأنا أسميتها –ذات قراءة نقدية– النَّص البخيل.
في هذا النوع من قصائد الشاعر الدكتور يحيى الزبيدي، نجد تداخلًا نصوصيًا وأجناسيًا بين ما يعرف بنص الومضة الشعرية، ونص التغريدات التويترية. مثلًا نص ترقُّب ص11 يقول فيها:
“مر عام/ بعد عام/ بعد عام
وأنا ما زلت أبحث/ في متاهات السنين
في حكايات الحنين/
ربما ألقاك يومًا/ في وجوه العابرين“
هذا النص يأخذ من الشعر بحره العروضي على الأوزان الخليلية، قوافيه النونية: متاهات السنين/ حكايات الحنين/ وجوه العابرين. وصوره الإبداعية، والبلاغية اللفظية. ويأخذ من التغريدة والخاطرة جنسها الكتابي.. وحبكتها القصصية/ السردية المرتبطة بدلالات (الترقب) العنوان/ والبحث المستمر عن الحبيبة/ الآخر:
” أنا ما زلت أبحث…
ربما ألقاك يومًا..
في وجوه العابرين!”.
ونموذج آخر لشعر/ قصيدة الومضة، بعنوان من (الزمن الجميل) ص31, في هذا النص مخاتلة شعرية فهو يوهمني –كناقد– أنه مَطْلَعٌ لقصيدة لم تكتمل، لكن الشاعر ينهيها لتكون قصيدة ومضة تأخذ سحرها وجمالياتها من لغتها المكثفة.
” أوتذكرين/ يا أنت
هنا لم يسمِّها، وناداها بالتنكير، وفي هذا دلالة عدم الرضا، والإبعاد، وعدم القابلية والانسجام.
ثم يكمل النص:
على رمل الثرى/ براءات طفولة عشناها
قلوبًا رسمناها
وأحلامًا شيدناها
ثم محوناها“
هذه القفلة التي تحتها خط، من الجماليات الشعرية التي تلفت القارئ والناقد.
وفي هذه المتتاليات الوصفية/ النثرية، إيحاء للقارئ بالتغريدات أو الخواطر التي تحمل سردياتها الجمالية، التي يمكن اختصارها في كلمتي التذكار، المحو.
التذكار في أول النص: أوتذكرين يا أنت
والمحو في آخر النص: ثم محوناها.
وما بين التذكير.. والمحو: عالم من الأفعال:
طفولةً عشناها، وقلوبًا رسمناها، وأحلامًا شيدناها، وأسماءً كتبناها..
وكل هذا يعيدنا للعنوان: (من الزمن الجميل). حيث تشعر –كناقد– بأنه عنوان شاعري، يوحي بما بعده من مقولات وأعمال وإبداع!
ومثل هذا يمكن أن يقال عن نصوص الومضة الأخرى:
ص 33 تباينات.
ص 35 أشياء في الذاكرة.
ص 55 ومضة.
وثاني تميزات الديوان.. جمال التصوير والوصف، وبلاغة التعبير. وهذا ما يلمسه القارئ في قصائد كثيرة من الديوان. مثلًا في قصيدة (يا هاجسي يا أنت) ص13-15 يحس القارئ بالكثير من الصور الجمالية والتوظيفات البلاغية مثل:
“حتى وأنت بعيد عن مدى نظري
كالشمس للنهر.. كالجوزاء للقمر“
فالنهر يعكس أشعة الشمس، وهنا التلازم الحتمي. والجوازاء والقمر آيتان فلكيتان متلازمتان. وهذا وصف بديع لبعد الحبيب عن نظر المحب/ العاشق، وتشبيه تقريبي بدلالات بيئية فلكية وأرضية.
ويقول في نص آخر:
تطلُّ والوعدُ دينٌ والوفاء به من شيمة الحر، بل كالرعد للمطر
هذا التشبيه البلاغي والتصوير الشاعري: الوعد دينٌ والوفاء به من شيمة الحر! فهما متلازمان، كما أن الرعد والمطر متلازمان فلا مطر دون رعود!
ويقول:
شتاؤنا قد أتى لكن طلَّته
بلا وصال ولا دفء ولا مطر
هذا التلازم بين الشتاء والدفء والمطر، يستشعره شاعرنا يحيى الزبيدي في علاقته مع المحبوب، وبُعدهما عن بعض، فلا وصال ولا دفء ولا.. ما يستوجب الماء/ المطر!
ومن الصور والأوصاف التصويرية والبلاغية، ما نجده في قصيدة (فصول من رماد) ص ص 19-21 مثل:
“من أين لي/ ولَّت وتاهت
كاصفرار الشمس من قبل الغسق
انظر هذه الصورة الإبداعية: فالغسق أول ظلمة الليل عندما تكون الشمس مصفرة اللون. فهذه اللفظة الشاعرية لا يتقنها إلا شاعر جميل ومتأمل في ملكوت الله قدير. لِمَ لم يقل: الشفق وكلاهما متقاربان وقتًا وحالًا: فالغسق والشفق متقاربان حالة وصورة وارتباطًا بالشمس/ في كلمة أول الليل، وتشير لقطة الشفق حمرة الأفق منذ الغروب أما الغسق فهي ظلمة أول الليل.
انظر ص89 وقصيدة مرآة الشمس فيها صورة ووصف خلاق:
لكِ النورس والشطآن مذ عزفت
لحنـــــــاً بديعاً من الألـــــــوان والصـــــور
لقد ســبتني وما لي بد أتبعــــــها
كالظل كالطيف في حلِّي وفي سفري“
هذا الاقتران والإتباعية تجعل من الشاعر مأسورًا لمعشوقته، مثل الإنسان وظله، ومثل الطيف في الخيال سواء أكان مقيمًا أم مسافرًا!
والصور الإبداعية في هذا الديوان تحتاج إلى حيز أطول، لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق!
وثالث جماليات الديوان: تلك الوطنيات التي يغازل الشاعر يحيى الزبيدي وطنه، ويناغيه حبًّا وانتماءً، واعتزازًا ودفاعًا عنه أرضًا وسماءً، خاصة مع ظاهرة التطرف والإرهاب التي كانت آنذاك/ يوم صدور الديوان عام 1439هـ وما قبله.
ومن إحدى قصائده الوطنية يصف الوطن بـ(الحسناء) ويخاطبها ويتحاور مع نفسه فيها قائلًا:
|
” اسكني من مهجتي أعلى محل رفرفي يا رايةً خفاقةً |
واكتسي من خاطري أحلى الحلل قال لي: يا صاح قل لي في عجل في بلادي نجمها الباهي أطل زانها التوحيد قولاً وعمل” |
هذا النص الوطني، يتكون من (38 بيتًا) على البحر (الرمل)، وتكمن جمالياته في الدراما القصصية والحوارية التي يجريها الشاعر مع (صاحبه) – وأعتقد أنه (قرينه) الشعريّ.. واستخدام عناصر التشويق في هذه الحوارية الشعرية، والتمازج مع بحور الشعر العروضية في تشابك لغوي وشعري يبهج القارئ والمتلقي عندما يقول:
|
” اقبلوا نظمي على علاته |
ينتمي للشعر أو شبه الزجل |
إلخ… هذه المقطوعة عن بحور الخليل العروضية، ثم اصطفاؤه بحر (الرمل) عندما قال: (فدعوني أمخر البحر الرمل)، بعد أن استعرض من البحور الشعرية/ الطويل، البسيط، المديد، الوافر، الكامل.
ويتضح في وطنيات الشاعر يحيى الزبيدي، اتكاؤها على حوادث الإرهاب والتطرف التي عاشتها بلادنا السعودية في فترة سابقة قبل صدور الديوان عام 1438هأ/1439هـ فقصيدة بعنوان (الإرهاب الأسود) ص ص 47-49، وقصيدة بعنوان (رسالة إليهم) 51-53، وقصيدة (أمي سكن/ وطن) 59-60، كلها تغلفها صور الطائفية والإرهاب والتطرف.
ورابع الجماليات اللافتة في هذا الديوان: تلك الغزليات العذرية التي يبث فيها لواعجه وأشواقه ومعاناته مع الجنس العطوف/ اللطيف/ الأنثى تحديدًا، حبيبة/ عشيقة أو زوجة/ صديقةّ:
يقول في نص تفعيلي بعنوان غواية.. ص ص 17-18:
” اقرئيني بين أهداب سطورك
والمحاجر/ والورق/ والمعاني/ والحروف النرجسية..
انسجي لي بعض بعضي/ وخيالي وطيوفي/ وبقايا من خلود العشق/ أو من فن (ليلى الأخيلية)
ارسمي قصةً إن شئت/ أو إن شئت شعرًا/ وانفثي سحراً وعطراً
لا تتوهي في تفاصيل الرواية.
إن في عينيك للعشق تعابيرٌ/ وفي عينيك سيدتي غواية“
هذا التعالق النرجسي بين الشاعر ومعشوقته، أهداب سطورك، والمحاجر، والورق، والمعاني، والحروف النرجسية، تنتهي إلى عشق العيون ذات التعابير والغوايات العشقية!
كما تتجلى هذه الغزليات العذرية في قصيدته (ليلى) ص ص 80-81: يقول فيها:
“ليلى التي في داخلي تبضي وإحساسي لها
فخواطري ومشاعري والحــب والشـــوق لها
…
هي لي حياتي مثلما كل الحيــــــاة أنا لهــا
كل يقول كتبــــت لي وأنا كتبـــت لها لها“
هذه القفلة الأخيرة المؤكدة لمطلع القصيدة/ ليلى التي في داخلي، وأن ليلى هذه كائن عشقي متفرد ومعشعش في القلب والفؤاد، وليس يكتب إلا لها ولها فقط!
وأخيرًا نقف عند جماليات الأمكنة: فجُدَّة أثيرة لديه، ولحظة الغروب فيها، ولون الشفق ممتزجة بالأنفاس، وهي فتنة المساء وهي (القصيدة راقصة) والمرح لحنها، وهي بنت الحجاز (الدلال والجمال والمنى والهوى) أنفاسها غير، وعشاقها غير!
وكل هذه الأوصاف في قصيدة بعنوان (فتنة المساء) ص ص 67-69.
وقبل الختام فإن وقفة مهمة ومعبرة تحتاجها قصيدته (مناير القبيلي)، التي يتداخل فيها شعريًا مع قضية شعرية شغلت الناس هنا فترة من الزمن، لشاعرة سعودية أصدرت مرافعة شعرية ضد القبائلية، ولعلكم تذكرون تلك القضية، ولكني أدعوكم لمطالعة النص التفعيلي ص ص 82-85 الذي يقول فيه:
“تمردت وأعلنت/ خروجها/ والكفر بالقبيلة/… ورددت تلك الفتاة الشاعرة/ ذات العيون الآسرة/ بنبرة أليمة/ ولهجة بغيضة/ الموت للقبيلة!”,
ختامًا: فالشاعر الدكتور يحيى الزبيدي، شاعر الجمال والخيال والإبداع والحضور البهي له كل التحية والسلام!
جدة: من مساء الأحد 14/6/1446هـ
إلى صباح الثلاثاء 22/6/1446هـ
وثاني المقاربات النقدية، مع الشاعرة المبدعة الدكتورة منى الغامدي، وديوانها الأخير: فوضى المسافات، الصادر عن تكوين عام 1442هـ. وستكون هذه المقاربة بعنوان: مسافات الضوء والهمسة (قراءة في ديوان/ فوضى المسافات).
(1) ولعلِّي أبدأ مداخلتي مع هذا الديوان الرشيق/ الأنيق من خلال عتبته العنوانية التي استعارت الاسم من عنوان نصٍّ بديع جميل بعنوان (فوضى المسافات) ص ص 76-80.
* هذا النص يتعالى في جمالياته، حيث استحق من الشاعرة، أو فرض عليها، اختياره عنوانًا للديوان كاملًا، وذلك للميزات التالية:
* أنه نص حداثي يحمل ثيماته ودلالاته غير الواضحة، التي تحتاج إلى جهد عقلي وتنبؤي يحاول فك مغاليقه، وسبر أغواره، وقراءة ما بين السطور.
* أنه يحمل من الصور والجماليات ما يجعله مفارقًا لما استقر في الذهنية الشاعرة من معاني ودلالات.
* أنه يتنامى من خلال خطابه الموجه للآخر المونث بدلالات الضمائر الأنثوية: عن سواكِ، لأبصر وجهكِ، نزعتُ قناعكِـ، بظلِّي وكفكِـ، من وجهكِ القمري، فيض ياقوتكِ، حين تؤوبين أنتِ، منه تجيئين، تعتصرين…
وبهذه المتواليات الجمالية، استحق الصعود من متن الديوان إلى عتبته العنوانية، سواء على صفحة الغلاف الأول حيث العنوان الرئيسي، أم على صفحة الغلاف الأخيرة، حيث اختارت جزءًا من النص الشعري لتضعه لافتة ختامية.
وهذا يدعوني للولوج إلى الديوان عبر هذه القصيدة المفتاحية التي استحقت، بل وفرضت حضورها على الديوان بكامله، فدلالات (الفوضى) –الجزء الأول من العنوان– نجدها في (القناع) الذي نُزِعَ من المخاطب/ الأنا ودُفِنَتْ (أكاذيبُه) في التراب، وتكشَّفَ عن جسد (فوضوي)، تقول الشاعرة في المقطع الثاني:
“نَزَعْتُ قناعكِ منِّي/ عميقاً دفنت أكاذيبه في التراب/ تكشَّفْتِ عن جسدٍ فوضوي../ أنا نصفه/ والحكاية أن تعبره/ حلمٌ سيقصف أوله آخره“.
في هذا المقطع نجد ثنائية (الأنا) و(الآخر)، واندماجهما في البعض: قناعكِ/ منِّي، دفنتُ/ تكشّفْتِ أنا/ نصفه، حلم سيقصف أوَّله/ أخره.
هذه الثنائيات وتكرارها تمثل فوضوية (ما) في المشهد الشعري وهي (فوضى) جمالية. كما نجد دلالات (المسافات) –وهي الجزء الثاني من العنوان– في قولها ظلِّي وكفكِـ، أغرق كالشمس بين السماوات، الدروب تطهرني، موتي الطويل، كل المشارق أنت وكل المغارب، أنت المساء وأنت الضياء، فيكِ كل الفصول، أجوب الحقول، أصعد هذي التلال وأهبط، أعزف حتى مغيب القمر.
هنا دلالة (المسافات) تتضح بعمق المعاني والمفردات المؤوَّلة مسافة زمنية، أو مسافة معنوية، أو مسافات شعرية!
وبين هذه (الفوضى) وتلك (المسافات)، تتجذر المعاني الشعرية التي يمكن تأويلها بالحالة الشعورية التي تعيشها الشاعرة المتلبسة بالكينونة الذكورية. (وحيدًا أسير بلا قدمين).. (أرهف كل أحاسيس قلبي) (نزعتُ قناعي الغريب) كأنما هي تستحضر خطابًا ذكوريًا موجهاً إليها –كأنثى– وهذا يبدو للقارئ/ الناقد من خلال الموجهات الخطابية والحوارية الشعرية بين (ذكر) يتماهى من خلال المفردات الدالة على (الرجل) والضمائر النسوية الدالة على (الأنثى)!
هذا النَّص يحمل جمالياته من (الفوضوية) التي تلبسته كـ(نصٍّ( لا يعرف القارئ/ الناقد كينونته المتشظية بين خطاب الذكورة والأنوثة، الأنا والهو، الذات والقرين!
وهنا تكمن الفوضى وجمالياتها الشعرية!
(2) كما نقف على أيقونة جمالية شاعرية/، إذا قرأنا النص الموسوم بـ/ (في مسرح الشعر) ص ص 65-70، فهذه قصيدة عمودية/ خليلية/ بيتيَّة، على البحر البسيط، وعدد أبياتها 16 بيتًا، لكنها كتبت بالطريقة (السطرية) كما تُكتَب قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر.. وهذا نوع من التجديد يستخدمه كثير من الشعراء المعاصرين، وبه يتحايلون على القصيدة العمودية ويلبسونها ثوب التفعيلة، ولكن الموسيقى والوزن والبحر الشعري يكشف هذه الحيل الشعرية!
القصيدة تقوم على فكرة البحث عن الشعر والقصائد العظيمة، في عالم موبوء بالتصحر والجفاف الشعري، وأرض مرهونة بالظلام والكذب، والشواطئ الخرساء، وسماء تستطيل فوقها السحب، وشموس ساكنة لا ضوء فيها!
تقول الشاعرة/ (وأنا أكتبها بالطريقة العمودية/ الخليلية، لا كما جاءت في الديوان بالطريقة السطرية):
|
” سوداءُ قافيتي، شمس السكون هوت |
في جنحها، واستطالت فوقها السحبُ |
في هذا النص موقف الشاعرة من الشعر، والبحث عنه وعن أفكاره التي تراوغ عنها وتبتعد، تقول:
“جئنا إليك وفي أفواهنا ظمأٌ إلى الحروف/ وفي أرواحنا تعب“.
(3) كما نقف جماليًا مع (ثيمة الموت) التي وجدناها تتكرر في كثير من قصائد الديوان، بل وتهدي الديوان لأمها التي أخذها (الموت):
(أمي ألقيتِ جسدكِ بصمتٍ عفيفٍ ورحلتِ) ص5.
وللموت دلالته التي لا تخفى على الشعراء والمتذوقين للشعر، ففي بعض الدلالات إشارة إلى تجسيد الموت كقوة خارجية تسلب الحياة، وفي دلالات أخرى يتشكل الموت بمثابة التحرر السلمي من صراعات النفس مع الوجود، والحياة، أو استخدامه كاستعارة لاستكشاف مسارات الفناء والخسارة والحزن.
لكن (فوضى المسافات) تأخذنا إلى دلالات أعمق وجدانيًا ونفسيًا. ففي أول قصائد الديوان يكون الموت حاضرًا عبر العنوان (أول الموت)، وتظهر تجليات هذا الكائن الغيبي من خلال كلمة/ مفردة (الحياة) التي هي ضد (الموت):
“من يُسْكِتُ الضجة البلهاء
يُسْمِعُني/ صوتَ الحياة
ودفاتَ المدى الوجنِ“ ص7
ومن خلال مفردة (الكفن) التي هي من لوازم الموت ودلالاته/
“يا أنتَ أصغيتَ/ فيم القلب منشغلٌ
أما تحسُّ بنبضِ/ الجرحِ في كفني“ ص9
ثم يتجلى في معناه ووجوده الظاهر/ الحقيقة في مفردتي الميت والحيّ.. تقول الشاعرة:
“أما سمعت بميت/ عادة ثانية
من الرميم/ وحي مات من زمن“
إن نص/ قصيدة (أول الموت) ص ص 6-10 قصيدة عمودية على البحر البسيط، لكنها كتبت بالطريقة السطرية تحايلاً على أنها من نص التفعيلة أو المنثور. لكنها تنكشف سريعًا للقارئ من خلال الوزن والتفاعيل العروضية. والنص/ القصيدة تحمل ثيمات (الموت) ودلالاته على معاني الفقد وعدم الوجود والإحساس بالحياة.
تقول في المطلع:
“لا وجه يسكن في حلمي فأعرفه
ولا صديق بليل الوهم يصدقُني“
وتقول:
“ويزرع الشمس في عينيَّ يهبط بي
نحو السماوات في ديمومة الشَّجن“
كل هذه (الحياة) غير المكتملة، تحمل في سكونها دلالات الفقد وعدم الحياة، والموت بأشكال هلامية مختلفة.
كما نجد الموت ودلالاته في القصيدة (موئل الطير) ص ص 11-13.. يقول النَّص:
“والموت يدنو من غدي النائي/ شُدِّي المواثيق بين الحاء والباء.
تحيين من أملٍ ما تَفتَلِين غداً/ ماذا تُرجِّين من قتلي وإحيائي.
فهل تواطأت يومًا والسماء على/ سقيا تفاصيل موتي قبل إقصائي.
ص ص 11،12
وتتكرر دلالة الموت في القصيدة (جنون) ص ص 14-16.
والقصيدة (خطى ثقيلة) ص ص 17-19) من خلال مفردات القتل، الإحياء، الفقد.. إلخ.
إن تكرار مفردة الموت واضحة/ صريحة، أو ضمنية/ سياقية، تعطينا دلالة الخوف من الآتي/ الغيبي، ودلالة القلق والفقد، ودلالة الحياة والموت. وما يشكله الموت من هاجس ضاعط على الذهنية والذات الشاعرة.
(4) ولعلنا نختم وقفتنا النقدية مع هذا الديوان الرشيق/ الأنيق مع ثلاث أيقونات شعرية فيها من الجمال والموثوقية والإبداع ما تكشفه القراءات الناقدة والتأويل الجمالي.
أولها حروف الروي والقوافي الصعيبات، غير المطروقات بكثرة في المدونة الشعرية عبر تحقيباتها التاريخية، وعبر تجلياتها المعاصرة.
مثلًا في قصيدة (جنون) ص ص 14-16 نقف على الحرف الأخير المشدد بالكسرة: الشهيِّ، كالنبيِّ، النقيِّ، الجليِّي للغبيِّ الغويِّ.. وهذه القافية أو الروي من الصعوبة بمكان أن يتعامل معها وبها الشعراء!
وهناك قصيدة (خطى ثقيلة) ص ص 10-19 ونجد فيها الروي (له) رويها وقافيتها حرفي (اللام والهاء) حاوَلَه/ قاتله/ سائلَهْ، راحله، جائله، قائله، وابله، حائله.. وهذا شيء من التجلي الشاعري، والاستبصار الفكري، فتلجأ الشاعرة إلى هذه القافية العصبية في مفرداتها وحمولاتها الدالة والصريحة.
وحدي أنا/ ليس غير الفقد يقذفني
إلى صحاريك آوي البرد والقائله
واستزيد مواويل الرضى ديمًا
تقام في سمعنا أوراقها ذابله
وثاني تلك الجماليات الوقفة الشعرية المتميزة مع الجائحة الكورونية، ومعالجتها شعريًا في قصيدة بعنوان (عامها الأول) ص ص 57-61. وهي قصيدة عمودية مسكونة باللوعة والأحزان، ما سببته الجائحة في دنيا الأُسر، الأمهات/ الأقارب والناس أجمعين.
والقصيدة على ثلاث مستويات من المقاطع/ القوافي، فالمقطع الأول يتخذ القافية النونية، وذلك في (11 بيتًا). والمقطع الثاني جاء في (12 بيتًا) وعلى القافية السينية، والمقطع الأخير/ الثالث اتخذ من حرف الراء قافية وروياً في ثلاثة أبيات فقط.
في هذه القصيدة البكائية تحضر حالة الطفولة التي فقدت بسبب (كورونا) في عامها الأول:
|
“أي هذا الوباء يخطف طفلاً |
لم يزل في ربع هذا الزمان |
وفيها تحضر الآلام والأحزان والأحاسيس المتقلبة:
“لم هذا الجمال يا كورونا
صامتاً لم يعــــد يثير حماســــــــي
ولقاء الأحباب صار غريبًا
دون خوف أو خشية واحتراس
هل نسميك هادم اللذات
أم عـــــدواً مُفَـــــرِّق الجــــــــــلاَّس
ثم تختتم القصيدة بتساولات مريرة عن كينونة هذا الوباء، ومدى استمراره في حياة الناس:
|
لم أنت المقنَّع المتواري |
منك كل البلاد في استنفار |
قصيدة أليمة، تُصَوِّر واقع (الجائحة) على نفس الشاعرة، ونفوس الأخرين.
وثالث الجماليات: قصائد الومضة ص ص 81-85، تلك القصائد التي تسير في فلك (القصيدة القصيرة جدًا (ق.ق.ج)، والتي تسمى قصيدة الحذف والتقشف أو القصيدة العابرة، أو قصيدة الفلاش والتكثيف اللغوي، أو النص/ الشفرة. وأنا أسميها النص البخيل وأعني به: تلك القصيدة الإبداعية والملكة الشعرية القادرة على أن تعطيني المعاني الكثيرة والمتجددة، والإفاضات الشعرية والعبارات الشاعرية، في كمٍّ قليل من الكلمات والرؤى والمشاعر.
النص البخيل: هو الذي يعطيك المعاني والدلالات الشعرية في أقل القليل من الكلمات، يختزل اللغة إلى حد البخل، ويقدمها لنا الشاعر في كبسولة من الرؤى والأفكار، صعبة على التماهي المعرفي، وبحاجة إلى القراءة والتأويل. (انظر كتابنا: في آفاق النص الشعري ص ص 155-156)، وكتابنا: تجاذبات الضوء والوردة ص256).
وفي هذا السياق نجد الشاعرة (منى الغامدي) تختم ديوانها فوضى المسافات، بـ/ خمس قصائد قصيرة جدًا، تحمل من السمات الشعرية الوامضة، قليلة الكلام كثيرة الدلالات والمعاني.
فهذا (نص) بعنوان: (تأمل) تقول فيه:
“هذا أنا/ جسدي يرتب بعضه/ فأعيد ترتيب الكلام/ يعيدني جسدي إليه/ فأفر من وهج الظلام/ إلى الكلام“
عبارات وجمل شعرية تحتشد فيها المعاني والدلالات، ما يمكن بثه في قصيدة عمودية لا تقل عن عشرين بيتًا. فهاهي الشاعرة تتعاطى (الجسد)/ الأنا/ الذات، وتدور في فلكه ترتيبًا وإعادة ترتيب. والكلام/ القصيدة لا تعطيها المفاتيح، فتفر (الأنا) من الظلام/ الغياب! إلى الكلام/ الضوء/ الحضور!
وتقول في نص: (نزوح):
“لغتي اختفت/ كيف السبيل إلى الكلام
ووجهتي اضطربت/ وبوصلتي وحيدة؟“
هنا نجد التمازج بين اللغة والكلام، الوجهة/ القصد/ والبوصلة/ الأمل. فاختفاء اللغة تعني عدم القدرة على الشعر، وعدم معرفة الاتجاه، لأن البوصلة وحيدة لا ثاني لها!
بهكذا جمال واختزال، تتشكل الفكرة الشعرية في معاني ودلالات واسعة، تفتح آفاقًا من التأويل والاحتمالات.
وأخيرًا، فالشاعرة (منى الغامدي) كانت وما زالت، صاحبة إحساس شاعري، ولغة أخاذة ناضجة، ومعاني مبتكرة متجددة، ننتظر منها المزيد شعريًا وروائيًا وإبداعًا.
جدة: صباح الأحد 5/7/1446ه
وثالث هذه الكواكب الشعرية المنتمية لجماعة (عبقر) الشعرية، والتي تحتفي بها هذه المقاربة النقدية هو الشاعر الشاب حمد جويبر الحربي، ومع ديوانه الأول (مرافئ الحرمان)، حيث جاءت المقاربة بعنوان: حمد (الكامل) والمرافئ المدهشة! (قراءة في ديوان (مرافئ الحرمان) الصادر عام 1442هـ/2024م
(1) وفي هذه العنونة (تناص) مع ديوان الأمير عبدالله الفيصل (وحي الحرمان) ومع أن الأمير الفيصل شكَّل كلمة (الحِرمَان) لتتضح الدلالة ونبتعد عن التأويل. إلا أن حمد جويبر تركنا للقراءات المتعددة فهل هي الحِرمَان بالكسر، أم الحَرَمان بالفتح وهذا يدعونا للقبول بمقولة التعددية القرائية لجماليات العنوان، لأن بها إضافة، وفسحة كبيرة للناقد والقارئ أن يتماهى مع الدلالات.
والجميل (أيضًا) أن هذا العنوان جاء من خارج عناوين النصوص الشعرية التي يحتويها الديوان، فلم نجد أي قصيدة تحمل هذا العنوان (انظر الفهرس ص ص 139-141) لكنه متولد من فضاءات (الحِرْمَان) التي تكررت مفرداتها في الديوان أكثر من مرة/ ربما ثلاثة فقط وهي:
حِرْمَانُها في صفِّتا يتكتل قصيدة سقوط المشاعر ص ص 96-98.
تشاجرها مع الحِرمَان خيرٌ قصيدة زحاف الحب ص ص 112-114,
ولا أشك بحِرمَانٍ تشظَّاهُ قصيدة مواجع ص ص 124-128.
من هذه المفردة (الحِرمَان) بالكسر، والتي تعني قاموسيًا: الفقد والافتقار والحجب والخسارة والمنع أو عدم الاستمتاع.. و(الحِرْمان) حالة نفسية يشعر بها الإنسان إذا افتقد شيئًا يحبه أو حاجة يرغب فيها.
وتكتمل جمالية العنوان من النص الوارد على صفحة الغلاف الأخيرة، وهو (نص) من خارج الديوان، ومقحم بشكل مقصود (نظم شعري)، فقد بُنِي (النص) لتفسير العنوان (مرافئ الحرمان) وتوظيف هاتين المفردتين في النص للإيحاء بالدلالة الكبرى لهذا الاختيار. يقول الشاعر في هذا النص/ الموازي/ العتبة:
“ما زال (للحِرْمَان) همس خائف
يطوي على لغة الكلام رحيلا
حتى (مرافئه) ينصُّ بدلوها…
أمسٌ، توجَّعَ لا يريد بديلا
حاولت أمنحها مجازًا صامتًا
فتناثرت لتتابع التأويلا
وتهافتي سكب السؤال ممزقًا
لكنه وجد الجواب نحيلا“
في هذا (النص) القصير، القصيدة الرباعية، خارج الديوان ومنفصلة عنه، وداخلة فيه بهكذا جمال، إيحاء للناقد والقارئ أن داخل الديوان مزيج من روح الفقد والحزن، والمغيبات، وشيء من البعد والحِرمَان، والبحث عن الراحة والأمن النفسي.
فالحِرمَان: همس خافت يطوي على لغة الكلام رحيلا (حالة نفسية).
والمرافئ: أمسٌ لا يريد بديلا (حالة مكانية وزمانية).
أما الشاعر (حمد جويبر) فحاول التماهي مع هذين الكائنين (النفسي والزمكاني)، وحاول أن يمنحهما مجازًا صامتًا حتى يصعب على أهل التأويل – وكان تهافته الشعري سؤالًا ممزقًا، وكان الجواب (نحيلا)!
كنت أتمنى أن تكون كلمة (بخيلا) هي القفلة المناسبة للجواب، فإذا كان السؤال ممزقًا، فالأقرب له أن يكون الجواب بخيلًا/ يمتنع عن العطاء والفعل الإيجابي.
(2) وإذا تأملنا الديوان –ظاهريًا، شكليًا– من حيث النصوص/ القصائد وجدناها عمودية/ خليلية/ مبنية على الأوزان والعروض الخليلية، لكنها كتبت بطريقة سطرية/ تشبهًا بالقصيدة المنثورة أو التفعيلة. وهذه إحدى حيل الشعراء المعاصرين إما لاعتزازهم بالشكل التفعيلي، والكتابة على طريقته وآليته، وإما خجلهم من الشكل العمودي/ الشطري.. والتحايل عليه.. وفي كلا الحالتين نقد وتساؤل.. ومزيد من التفكير!
ورأيي أن القصيدة العمودية/ الخليلية تكتب بالطريقة الشطرية وفضاءاتها المختلفة صدر وعجز على نفس السطر أو (صدر) على السطر (والعجز) أسفل منه على سطر آخر. والطريقة الثالثة سطر وسطر كماهو معروف. وأما كتابتها على طريقة قصيدة التفعيلة أو المنثورة فهذا يحتاج إلى تبرير؟!
وعلى مستوى التأمل (الظاهري) (الشكلي)، وجدنا كلمة (حمد) في ختام كل قصيدة وهنا تساؤل لماذا؟! المعروف أن الشاعر يثبت التاريخ/ تاريخ ميلاد النص الشعري، والمكان الذي ولدت فيه القصيدة، ويثبت ذلك في نهاية القصيدة، أما تكرار اسم الشاعر المبدع/ المنتج، فهذا له دلالة الاحتشاد الذاتي، أو الإثبات الشاعري، أو تأكيد (الأنا) الشاعرة وكل هذا لا يحتاجه الشاعر الواثق من شاعريته!
وأخيرًا على المستوى الشكلي/ الظاهري، نجد اتكاء الشاعر على بحر (الكامل) في أغلب قصائده، والبحر الكامل صديق الشعراء، وقد أسموه (كاملًا) لأن فيه (ثلاثين حركة عروضية) لا تجتمع إلا فيه، فهو كامل لكمال حركاته.
ولأن (حمد جويبر) من أهل الكمال، فقد اصطفى هذا البحر، وتعالق معه حتى أتعبنا نحن أهل الوافر والبسيط والطويل، وما سواها من بحور الخليل!
أما على مستوى التحليل المضموني والتأويلي للنصوص الشعرية، فسنقف على ثلاثة مستويات:
المستوى الأول/ شعرية المكان، فنجد في كثير من نصوص الديوان احتفاء بالأماكن من القرى، والمدن، والأحياء، والدول. مثل: حضور المغرب، والإمارات، والقاهرة ومدنها، (هذا عربيًا وإقليميًا)، ونجد لندن (دوليًا)، ونجد السودة، والمدينة المنورة، والحجاز، وممشى الضباب، محليًا، كما نجد (الوطن) الدال على كل المدن والقرى التي تشكل (الوطن الكبير).
مثلًا يقول:
“لأرض المغرب الموعود فيها
تفاصيل أضم بها الغيابا
فمن تطوان كم آليت عطرًا
تشكل في أغانينا شهابا“ ص 31
ويقول:
“تلك الإمارات التي أحببتها
فالحب في جنباتها قد هيمنا
تحيا إمارات السعادة دائمًا
هي موطني أفلا أكون مواطنا” ص ص 61، 65
وهناك الكثير من هذه الأماكن الشعرية عند شاعرنا (حمد جويبر)، وهي على الصفحات: 43، 79، 100، 103، 129 وغيرها.
ويمكن أن نضيف إلى الأمكنة ما يحيل إليها ضمنًا ومعنى مثل: الشواطئ، المرافئ، البحار، الجزر، الأشرعة، السفائن، الموج، الفنار، المحار، وغيرها.
كما يضاف إلى ذلك، الحالات الغنائية التي تتناص مع الواقع المكاني للمغني الذي استجلبه شعريًا مثل: فيروز، الدوكالي، عبدالحليم حافظ (انظر ص ص88، 31، 32، 129)!!
إن هذا الاحتفاء بالمكان، أو التعالق المكاني بين الشاعر والأمكنة، فيه دلالة عميقة على أن المكان مستودع الذكريات، ودلالة على الانتماء، والاندماج والإحساس بالكينونة الإنسانية. وأن الشاعر (حمد جويبر) يعيش هذه الذاكرة المكانية ويستعيدها نصاً شعرياً، وفضاءً مكانياً، ويؤطره بجمالياته الوطنية، ونعوته الجمالية، وأسراره الدفينة! يقول في قصيدة المدينة المنورة (ص ص 78-82):
“زرت المدينة.. فاستقام ثناؤها
فوجدتها تتملك الوجدانا
فالمسجد النبوي.. وحيُ هداية
روح الضياء به تجوب مكانا
طرقاتها العذراء يتبع شدوها
فتراه يعبر للبكور أمانا“
والمستوى الثاني/ شعرية (البداوة)، والانتصار لها، وجعلها قيمة مضافة للذات الشاعرة. لقد وردت مفردة البداوة في بعض النصوص والمواقف والتجليات. ومن تلك قوله:
“وحراكنا البدوي شق مساءه
فلتغزليه لنعرف الإفصاحا“ ص18
هنا تأتي البداوة بمعنى/ الشعبي مقابل الفصاحة. وذلك في نص غزلي بعنوان: لا تكذبي ص ص 15-18.
وفي هذا النص جمالية شعرية فاتنة، وهي قوله:
“فهناك بالخدين سر علاقة
غمازتاه تبدد الأشباحا“
كما جاءت شعرية البداوة بمعنى الأصالة مقابل الحداثة في القصيدة الموسومة بـ/تطبيق الهوى ص ص 34-37، وهي قصيدة تتعالق مع مصطلحات التقنية الحديثة ووسائل التواصل بالجوالات الذكية، وتطبيقاتها الحاسوبية.
ورغم ذلك التطور والتحديث، تأتي البداوة بوصفها المقابل للأصالة. يقول الشاعر:
“ما كنت مختلقاً لتطبيق الهوى
والآن يسكن شاشة الجوال
فأنا بدائيٌّ ظروف بداوتي
مثلي تنافح بالمدى أقوالي“
بالرغم أني (اللّندني) بلهفة
ولديَّ قاموسٌ يذيب عقالي
…
ما كان ينقصها سوى إعجابها
يا ليتها من ديرتي ورحالي“
هنا تتعالق البداوة/ الأصالة، مع الحداثة/ المعاصرة، وتطبيقات الجوالات الذكية!
كما تحضر (البداوة) بوصفها زينة ووصفًا وجمالًا، عندما يصف الشاعر وجنتاه بالبداوة، ويطلب من حبيبته أن تتزود من هذه الوجنات، يقول الشاعر:
“يا رقة العشرين حسبك أنني
طفل أضاع خربطة الأعمار
فتزودي من وجنتيَّ بداوة
كيلا نزيد الظلم للأوزار“
هنا تتشكل (الوجنات) كائنا يحتاج إلى (البداوة)/ الأصالة – القيم التي تمنع الظلم والأوزار والآثام!
وأخيرًا تحضر (البداوة) بوصفها أسلوب حياة متقلبة تارة، وهادئة تارة، ومزمجرة تارة ثالثة!
يقول الشاعر:
“لن تهزمي قدح السنين برشفة
فمزاجها البدوي عاد مزمجرا“ ص102
والمستوى الثالث/ شعرية الوصف والصور المجسَّدة للمشاعر، التي أبدع الشاعر (حمد جويبر) في رسم الملامح، وتفتيق المعاني والدلالات، وامتلاك المهارة اللغوية والفنية في استنباتها شعريًا.
والوصف –في الدرس النقد/شعري– يعني إعادة تركيب فني، لما تنجذب إليه الحواس وينطبع في المشاعر استحسانًا وانسجامًا. أو هو نقل المشاعر من كينونتها المعنوية إلى كائنيتها الشعرية/ اللغوية.
مثلًا يقول الشاعر:
“يكفي بأن الشوق لمعة وجدها
تصفو الحياة بذكريات طباعها
لو سيّر النِّسرين طوق حمامة
نحو البقاء لعاد من أتباعها
ثلجية الخدين يلثم أسرها
أحنو لها لو ضقتُ رهبة قاعها “ ص ص 9-10
هنا نجد المشاعر المعنوية (الشوق)، يتجسد في صورة معنوية أخرى.. وفيه وصف شاعري أخاذ فنجد (لمعة الوجد)، ونجد (زهرة النسرين) رمز الجمال والسلام، يعودان من أتباع المحبوبة!
ونجد وصف الخدَّين بالثلج.. وهذا معنىً تصويريًا مبتكرًا!
ويقول الشاعر في قصيدة وطنية بعنوان (وطني) ص ص 43-50:
“وطني سعادته توازر حبه
وسماه تزهر قبلةً وصفاءَ
معنىً وصورة جميلة!
ما بين مشرقه تفيض غمامة
ملئ الرمال فتذهل الأضواء
لتغرد الأقمار من قسماته
فبساً فيدهش وَحْيهُ القمراءَ
هنا نلاحظ جماليات التصوير والوصف:
سعادة الوطن = تؤازر الحب
السماء تزهر = قبلة وصفاءً
الغمامة تفيض فتملأ الرمال، وتذهل الأضواء
وهذا فيه تجسيد لما لا يتجسد، وتحويل المحسوس إلى ملموس، وهذا قمة الوصف والتصوير.
واقرأ النموذج الجمالي الوصفي في هذه الأبيات يقول الشاعر:
“يا بوح خطوتها/ ملاكك بيننا/ قف هاهنا
أعد السماء تحضرا
واقسم بعطر الشمس/ وجنتها التي
تهب الورود من الجمال تصورا“
الخطوة / تبوح
السماء / تخضَّر
الشمس / عطر
الوجنة تهب الورود جمالًا
يا الله ما هذه الصور؟! ما هذا الوصف والمعاني والدلالات! كلها جمال في التعبير والألفاظ، والديوان ملئ بهذه الجماليات الوصفية.. ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق!
وأخيرًا/ فالديوان كنز من الجماليات الشعرية مثل جماليات القوافي وحرف الروي الذي يصعب طرقه بين الشعراء.. لكن (حمد جويبر) يبدع فيها.
فقافية (الهاء) وقبلها (العين) الأمتعة –الموجعة– ليست مطروقة.
وقافية (الهمزة) وقبلها (الألف الممدودة) علياء، سماء، عظماء، كذلك من القوافي الصعبة.
وقافية (الفاء) الجارف، الطائف، الذارف، كذلك من القوافي غير المستخدمة إلا قليلًا.
وهناك جماليات البوح الغزلي الشفيف والعذري واستنطاق الأغاني والمغنين فيروز – الدوكالي – حليم – كلها جماليات تحسب للديوان وصاحبه.
ختامًا: إني –كناقد- سعيد كل السعادة بالشاعر (حميد جويبر) شاعرًا مبدعًا، والأمل القريب في إنجاز ديوان جديد متفرد، خارج على الأقواس، بعيدٍ عن الكامل والوافر والبسيط، متعالقٍ مع أجواء النص الحداثي والتفعيلي وقصيدة النثر فهي أقرب إليه من حبل الوريد لو استنهض أفكاره وقراءاته سيجد فيها المرتع الخصيب والإبداع الجديد!
جدة: الإثنين 5/7/1446هـ
ظهيرة السبت 1177/1446هـ
ورابع هذه الكواكب الشعرية، هي الشاعرة الأستاذة حديجة إبراهيم، (صاحبة النصوص)، والناشطة الثقافية في تحرير مجلة فرقد الإلكترونية، والعضو الدائم في (عبقر) الشعري.
هذه الشاعرة التي تطلَّ علينا حروفًا من الغيم.. وزنابق دهشة وتراتيل من نجوم.
لها ثلاث مجموعات:
– مدارج دفء/ 1436هـ/2015م,
– معزوفة تراوغ الصمت/ 1439هـ/2019م.
– مواسم تشتهي ظلّها/ 1444هـ/2023م,
وهذه المجموعة الأخيرة هي مدار حديثنا ومقاربتنا الثقافية.. حيث جاءت تحت عنوان: الشاعرة خديجة إبراهيم ونصوصها التي تشبه ظلها.. قراءة في مجموعتها القصصية (مواسم تشتهي ظلّها) الصادر عام 1444هـ/2023م .
(1) لقد كان ميثاق الشاعرة مع قرائها، هو تعريف هذه المجموعة أنها (نصوص)، ولم تقل (شعرًا) أو مجموعة شعرية!
وهنا لنا وقفة نقدية نستبطن فيها دلالات هذا الجنس الأدبي الجديد، التي أخذت نماذجه الأدبية ترتاد وتكتسح مشهدنا الثقافي/ الكتابي من ناشئة الأدب وشداته في بداية حياتهم الأدبية، فهم يتناسلون من حقل الشعر أو حقل النثر/ القصة، فلا هم شعراء حسب التقاليد الشعرية، ولا هم (قصاص) حسب الموروث القصصي. ولكنهم بين هذا وذاك (ناصُّون) أو (نصوصيون) يحملون لغة شاعرة، وآفاقاً أدبية حالمة، ورؤي إبداعية متجددة، فيسمون ما ينتجون (نصوصًا)، ويصدرونها للقراء على أنها مزيج أدبي عابر للأجناس المتعارف عليها، وهناك من يراه إلى الخواطر الأدبية أقرب وألصق!
والـ(النصوص) – في التصور النقدي – هي أحد منجزات الحداثة وما بعدها، حيث طرحت أفكارًا مهمة، منها إمكانية التلاقح بين الأجناس الأدبية المختلفة، على اعتبار أن الجنس الأدبي –يعني– فيما يعنيه المشاكلة والتي هي أعم وأشمل من النوع، فتصبح بذلك عاملًا نصيًا يمنح النص قدرة التشكل بين ما هو سردي، وما هو شعري، أو كما يقول أحد النقاد (شعرنة السرد) و(سردنة الشعر).
وبعد كثير من الدرس والتحليل فيما قاله النقاد، أرى أن (النصوص) كجنس أدبي يتوالد من عوالم أدبية مختلفة/ متمايزة، متشاكلة، ليتحول إلى جنس أدبي جديد محدث يتماهى بين الخاطرة/ كفكرة وموضوع، والشعر/ كلغة نابضة بالموسيقى والشعرية، والسرد/ كخصائص أسلوبية فيها النثر منسجمًا مع ما حوله من جماليات.
ومن هذا كله أستطيع القول إن (النصوص) –إذا سلمنا أنها أحد أجناسنا الأدبية المعاصرة والحديثة– ماهي إلا انثيالات لغوية نصيَّة عالقة بين جمال اللغة وشعريتها، وحرية الأسلوب! ولكي تتحقق هذه (النصوص)، لابد من اكتمال العناصر والمعايير الجمالية التي تحكم وجودية هذا الكائن الجنسي الجديد، وهي: الربط، التماسك، القصدية، المقبولية، الإخبارية، الموقفية.
ومن هذا التأطير النقدي لمسألة الأجناس الأدبية، وتبنيها لمفهوم العتبة الدالة على الجنس والنوع الجديد المسمى (نصوص)، كمصطلح أدبي آخذ في التنامي والموثوقية القرائية، نصل إلى مدارسة أحد الأعمال الأدبية الثلاثة التي أبدعتها النَّاصة/ الكاتبة خديجة إبراهيم التي أشرنا إليها في أول الورقة النقدية وهي مجموعة/ مواسم تشتهي ظلّها الصادرة عام 1444هـ)4). ولعل مدخل (النصوص الموازية) أو العتبات النصية – النقدي، يسعفنا بالتداخل مع هذا الإبداع (النصوصي)، على اعتبار أن عتبة العنوان هي المفتاح السحري لمكاشفة المجموعة وتشظياتها الجمالية واللغوية والأسلوبية.
في النص الأول (عن جدة)5)، نقف عند مقطع تقول فيه الكاتبة (النَّاصة) (خديجة إبراهيم):
“وأنت تعبر جدة/ دوِّن على نوافذها/ حكاية الحلم/ الذي ما فتئ يكتبك/ وارسم في عينيها مواسمك التي تشتهي ظلها وغنِّ…/ غنِّ لعينيها/ فهي تعشق من يفك شفرة موجها/ ورقصة نوارسها!”6).
نلاحظ هنا أنني كتبت النص بطريقة سطرية/ أفقية، وليست كما كتبتها الكاتبة/ الناصة طريقة رأسية/ عمودية، وهذه من الطرائق والأساليب الكتابية لـ(النصوص) النثرية، لكن المهم هنا في هذا المقطع ورود الجملة التي تحتها خط، والتي تحولت إلى عنوان/ عتبة نصية أولية للمجموعة، وفي هذا دلالة على تشظي العنوان عبر منظومة (جدة) المدينة الفاتنة الساحرة، التي تطلب الكاتبة/ النَّاصة من قرائها أن “نهمس لشواطئها بوجداننا/ ولموجها بشغفنا/ وأن نسلَّم على عشاقها، وأن ندوًّن على نوافذها حكاية الحلم/ وأن نرسم في عينيها (المواسم التي تشتهي ظلها) وأن نغني لعينيها!
أذكر أنني غنيت جدة، وتغنيت بها ذات قصيدة! قلت فيها:
|
“غنيت جدة فاهتف أيها الشادي |
وغن مثلي فهذا عيد ميلادي |
ولأن (جدة) تستحق الغناء والتّغني فإن النَّاصة/ (خديجة إبراهيم)، تفتتح مجموعتها بهذا النص/ حيث تجيء (جدة) المكان، بوصفها بحرًا، وشاطئًا، ونوارس، وأمواج، وأنغام، ورواشين، وحواري، وشوارع مزدحمة، وعشاق لها، ونوافذ، وليلها الفاتن، وهذا يعطي دلالة على قيمة المكان، وقابليته للتحول إلى نصٍّ إبداعي مكتوب ومقروء في نفس الآن، عبر جماليات لغوية، وأسلوبية، وشاعرية!
وتأكيدًا على المكان/ جدة/ واحتضانها كنصٍّ يحمل جزئي العنوان/ العتبة/ المفتاحية، تجيء في نصٍّ جديد في آخر المجموعة بعنوان: جدة التي لا تنام8). وفيها نجد البعد الثقافي الكبير بين الكائن والمكان. الكاتب/ النَّاص والموضوع الشعري النَّصي/ وجدة الحضارة والجمال! تقول الشاعرة (خديجة إبراهيم):
“في جدة ترقص الحياة..
تنبض الشوارع..
يتغنى الليل.. “9).
وفي هذا النص، نجد الموسيقى، الغناء، العبور إلى عوالم جدة الساحرة، والعراقة التاريخية، الشواطئ! وكل هذه ثيمات لغوية إشارية إلى ما تكتنزه جدة/ المكان من جمال وتعالق روحاني.
واختيار الشاعرة/ النَّاصة لهذين النَّصين عن جدة، أحدهما في أول المجموعة، والأخرى في ختامها، يجعلنا – كقراء ونقاد – نتماهى مع هذه الدلالة المقصودة أو اللاواعية، فالمجموعة كلها بين قوسين، ينتميان موضوعياً إلى جدة المكان/ الحضارة الجمال، وبينهما يتم الحراك الكتابي/ النُّصوصي ليكتمل العقد في (ثلاثين نصًا) كلها موحية بهذه المدنية الساحرة وانتمائها المحبوب!
وتأكيدًا على هذا التعالق الحسي والمعنوي بين الكاتبة/ النَّاصة، والمكان الأثير لديها (جدة)، وجدنا دلالات وثيمات وإشارات تحيل إلى هذا المكان/ الذي احتل فاتحة المجموعة النصوصية، ومنها جاء العنوان/ العتبة الموازية!
وهذه الدلالات والإشارات تتمحور في كلمات ومفردات دالة وموحية من مثل: فنار، نورس، شواطئ، الأمان، (ص20)، موج البحر ص23)، الشواطئ، المد والجزر ص34، وغيرها مما لم تحصره الدراسة وتستقصيه المقاربة!
(2) وبعد (العتبة العنوانية) وتشظياتها داخل (النصوص) تباغتك الكاتبة/ النَّاصة بأفق تصويري يكمل المقطوعة (المكانية) وهو الإنسان المتماهي مع المكان. الإنسان في كينونة الرجل والتعالق الروحي بينه وبين نصفه الآخر/ الأنثى سواء أكانت الكاتبة نفسها، أم الأخريات اللواتي يتقمصنها مجتمعياً حال التوليد الكتابي.
إن التعالق الأنثوي بالرجل، والذوبان فيه إحدى معضلات (النصوص) (النسوية)، فلازال (الرجل) هو المبحوث عنه، هو المفقود، هو المرغوب والمطلوب، هو الأس والمركز، وحوله تدور حياة الكائن الأنثوي.
نجد هذه التعالقات بين المرأة والرجل/ الأنثى والذكر، في كثير من نصوص المجموعة من مثل:
نبص الطين ص11.
حلم ص18.
منار مطفأ ص20.
متوجًا بالقصائد ص21.
حياتك ص24.
هديل صوتك ص34.
كتف الأيام ص50.
صمت الأماكن ص64.
علي ص90.
ولعلنا نقف على صور تلك التعالقات ورمزيتها ودلالاتها في بعض (النصوص) المذكورة أعلاه.
في النص الذي يحمل عنوان: (كتف الأيام) ص ص 50-53، وبحمل رباعية نصوصية، وتبدو فيها ثنائية الأنا/ الأنثى، و(الهو)/ الرجل، والحراك التعالقي بين ذاتين في انسجام وتوأمة قلبية/ روحية لدرجة الذوبان والتلاشي، فالضمائر التي تشير إلى (هو) طاغية وأكثرية عن الضمائر المشيرة لـ(الأنا):
“الزهور التي تمنحها عطرك، لتعبرك إليَّ في كل رسالة تبعثها.. حينها تغفو الحياة وهي بجانبك متكئة على حلم مزهرٍ بك“10).
هذه الضمائر المشيرة لـ(الرجل) الـ(هو) ما تحته خط = 6 ضمائر، والضمائر المشيرة لـ(المرأة) الـ(أنا)/ الأنثى، ما تحته خط = 1.
إذًا الـ(هو) مهيمن وأس ومركز!
“إنها العاشرة يا سيد الأمنيات
ماذا تَركَت للشمس كي تشرق على وجه الصباح
ماذا تَركَت للعصافير من أغنيات”11).
إنه (سيد الأمنيات) الرجل/ الـ(هو) ولا وجود للأنثى (الأنا) في هذا المقطع!
ونجد هذه الثنائية التعالقية بين ذات الأنثى/ وذات الرجل، متجسدة في النص الموسوم بـ/ صمت الأماكن12)، والتي جاءت في 20 مقطعًا نصوصيًا، تبدو فيها المرأة طالبة، شاكية، متوجسة، عاشقة، مندمجة حدَّ الذوبان في الآخر (هو) (الرجل):
يقول (النص) في بعض مقاطعه:
“خذ ما تبقى من زهر العمر..
وهات بسمة على شفاه/ السنين الواجفات”، المقطع (1).
“ومضيت تسلو الدروب مكائد
والمدى بك يضيق ” ص18. المقطع (5).
“يأخذنا الحنين لمن كانوا يحتلون مساحة في القلب..
وفي لحظة جرح منهم تأبى الكرامة أن تنحني..” ص9 المقطع (6).
“تلك اليد التي ما فتئت ترتب النبض وتبعث في صبحنا الأغاني/ قدر علينا أن نجتاز هذه الفيافي برفقتها” ص7 المقطع (7).
“نظرة واحدة للخلف كفيلة بأن تجعل السماء تمطر.. أعرها لفتة منك/ تتوسد ذراعك، ويحتفل الغيم بك” ص74؟ المقطع (11).
“وأغتسل بك/ بأنفاسي اللهفة وهي تخترق صدر الوقت” ص80ـ المقطع 16.
“بحجم اللهفة التي سبقت أنفاسي إليك..” ص 84، 85.
هذه الانثيالات النصوصية الممتزجة بالذات الأنثوية، المتحدة بالذات الذكورية (الرجل)، تؤكد ما بدأناه من الانصهاريَّة والتبعية التي تعيشها الأنثى في تعالقاتها مع (الرجل)، تصورها روح نصوصية أنثوية هي خديجة إبراهيم؟!
ومع هذا، فإني أعتقد أن هذا النص هو (المركزي) الذي تتوزغ معانيه ودلالاته في باقي النصوص القبلية والبعدية، لأسباب عدة: أولها أنه أكثر (النصوص) مقاطعًا، حيث بلغت (26) مقطعًا، وثانيها أنه يتنامى أسلوبيًا عبر الثنائيات المتجاذبة والمتقاطعة موضوعيًا وجماليًا.
وإذا تعالقنا مع النص إحصائيًا، وجدنا مفردة (الصمت) تتكرر صراحة (6 مرات) في المتن، ومرة واحدة في العنوان!
وجاءت بدلالة بديلة وإيحاء آخر (مرة واحدة) وهي كلمة (أسكته) من السكوت/ الصمت!
أما المفردة (الأماكن)، فقد تكررت (9 مرات) بدلالاتها الصريحة (مرة واحدة) و(ثمانِ مرات) بإيحاءاتها الرمزية، وهذا يعني أن (النص) بكامله يتراوح (دلاليًا) بين (الذات الأنثوية) كمكان، والسر المخبوء/ المسكوت عنه/ الذي يلفه (الصمت) وهو الاجتياح النفسي والمعنوي والحسي لذات آمرة تكمل الذات الأولى في توافقية عاطفية وطبيعية ضمن السنن الكوني/ البشري في هذه الحياة!
ولعل المقتبسات التي أوردناها آنفاً تشي بما تريد تأكيده في هذه المقاربة التأويلية لنصُّ جميل ومركزي في هذه المجموعة التي نحن بصدد تفتيقها ومقاربتها نقدياً وتأويليًا!
وهكذا يبدو التعالق بين الأنثى والرجل في أسمى تجلياته النصوصية، ما يجعله ظاهرة نصوصية في الخطاب النصوصي لـ(خديجة إبراهيم) الكاتبة الناصة.
(3) ومن التجليات (النصوصية) في هذه المجموعة، الظاهرة الشجرية والعطرية الفواحة في ثنايا المجموعة، ودلالاتها الفنية والأسلوبية، وقد وجدنا مفردة (الشجرة) ومكوناتها من البذور، الجذع ، الأغصان، الأوراق، الزهور، الساق، اللحاء! ووجدنا البستان والأشواك، والحنظل، ووجدنا البيلسان، والأقحوان، والياسمين، والبنفسج، والورد. وكل هذه المفردات تأتي بدلالات متعددة ومتمايزة، لكنها توحي بشيء من العطرية، والبهجة، والحب، والمودة، والصدق، والأناقة، والجمال، والصداقة، والوفاء، والسعادة، وإن كانت لا تخلو من دلالات الفقد والألم والفراق!
تقول الكاتبة/ النَّاصة:
“هاجت الريح.. وأستوت على جذع بؤسي/
ليقضم ما تبقى من شجر العمرِ13).
وتقول: “يوقظ الأشجار من سباتها/ ويستقر الندى فوق أوراقها14)
وتقول: “كلمة طيبة.. فهي كفيلة بغرس بساتين من الأمل والبهجة”15)
“تعلَّم أن تبقى وحيداً وتصادق الشمس والأشجار والمطر”16)
وتقول: “خذوا فؤوسكم واحتطبوا/ قصوا سيقانها وأوراقها
إنتزعوا جذورها/ تغطوا بلحائها “17)
وتقول: ماذا لو تركونا تحت ظل تلك الشجرة كما كنا قبل أن يعودوا”.
“ترى ماذا كانت تقول الشجرة حين غابوا في ليلها” ص107.
وتقول: أشذب أشواك روحي/ لماذا يصير الرمل شوكًا..
تنبت الأشواك تحت قدمي/ وعلى فمي ألف حنظلة “18).
ومن معطيات هذه الكينونة (الشجرية) وتحولاتها النصية، تأتي السياقات (الزهرية) و(العطرية) وما تحمله من إيحاءات ورمزية، تقول الكاتبة/ الناصة:
“احكِ لها عن طفولتك وماضيك/ عن زهرة البيلسان/ التي خبأتها في صفحات كتابك”
وتقول: “وتفرش السما ياسمينا/ وترش على ظلنا الورد/ وتعيد ما تبقى منا بربيع مزهر”
“للعطر المسافر في مداك/ تأخذك اللحظة لمواسم البنفسج”
لقلب أمي الوارف بعبق البنفسج”
وفي هذا السياق تأتي الدلالات والإيحاءات (العطرية) ويتجلى في كثير من (النصوص) و(المقولات)، مثل:
“الزهور التي تمنحها عطرك”
“ويتهادى لعطرك الصباح”
“أجد أنفاسك بين ثنايا عطري/ ويتهادى لعطرك المساء”
“حتى قوارير عطري انتشت ورقصت”19)
ولعل قراءة هذه المقتبسات في (نصوصها)، وربطها بدلالات وإحالات الزهور العطرية التي أشرنا إليها في الهوامش السابقة، تعطي القارئ بعض إلماحات لما تحمله هذه (النصوص) من فضاءات أنثوية، واهتمامات نسوية وتحولاتها إلى جماليات فنية وأسلوبية وشاعرية تزيدها جمالاً ومقروئية!
(4) وأخيرًا –وبعد هذه التداولية النَّصية– أجدني ملزمًا بالتعبير عن أثر هذه المجموعة (النصوصية) وجمالياتها التي ترتقي بها إلى الشعرية ونشكلاتها اللغوية. وكل ذلك من خلال رؤية فنية غير محكومة إلا بحرية الإبداع، وجماليات المفردات، وفاعلية التصوير للمشاعر الذاتية والنفسية، فجاءت نصوصاً متماسكة بدءًا من العناوين التي هي عتبات أولية ونصوص موازية، مرورًا بالتقاسيم المقطعية ذات النفس الطويل والقصير، وانتهاءً بالغايات والمقاصد التي تعتمل في ذهن الكاتبة، ونقرؤها بين السطور، وخلف الدلالات والإيحاءات الرامزة.
ختامًا: فإن النَّاصة/ الشاعرة خديجة إبراهيم ومجموعتها النصوصية، تؤكد مقولة الناقدة يمنى العيد: “إن أهمية أي نصٍّ إبداعي، تكمن في قدرته على توليد الأثر الموهم بحقيقته”.
الخاتمة:
هكذا كنا في رحلة نقدية مع الشعر.. وشعراء منتدى عبقر (خاصة) في (حلقة أولى)، ولعلنا نتابعها في حلقات جديدة.
وقد سعدت بصحبة الشعراء والشاعرات الذين استمعنا إلى قراءاتهم الشعرية، وقدمت عنهم هذه المقاربات النقدية. شاكرًا لهم قبول هذه المقابسات الجمالية/ النقدية بروح الجمال والإخاء والمقبولية، والإفادة والاستفادة المستقبلية.
*شاعر وناقد سعودي