مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. هاني الغيتاوي * هناك عبارة مأثورة للمفكر الفرنسي “جان جاك روسو” ي …

فلاسفة وأدباء.. في المنفى ووراء القضبان (1)

منذ 11 شهر

201

0

د. هاني الغيتاوي *

هناك عبارة مأثورة للمفكر الفرنسي “جان جاك روسو” يقول فيها “إن أول كائن بشري وضع سياجًا حول قطعة الأرض وقال: هذه الأرض أرضي، ووجد أناسًا آخرين كانوا من البساطة إلى درجة أنهم صدقوه، كان هو المؤسس الأول للمجتمع الحديث، ألا كم من بؤس وجرائم وحروب ودماء وويلات كانت لن تحدث للإنسانية لو تقدم من يقتلع الأوتاد ويردم الحفر ويصيح في الناس: لا تصغوا للدجال المحتال فثمار الأرض لنا جميعًا”. 

روسو يريد أن يبين لنا أن تحديد الحدود ووضع الأسوار العالية حول الأراضي ليستأثر بها أناس دون غيرهم، أفضى إلى وجود تفاوت بين البشر، فالكائن الذي فكر في وضع السياج أصَّل لهذا التفاوت بين البشر الذي أفضى بدوره إلى النزاعات والحروب. 

وإن شئتم لي أن أحاكي روسو في مقولته، فسوف أقول: إن أول كائن فكر في بناء سجن أضاف للإنسانية دون أن يدري، فمعظم من عاشوا بين جدرانه فتحوا من خلاله نافذة حقيقية لرؤية العالم وجماله، ما كانت لتفتح لو كانوا طلقاء خارج هذه الجدران، كذلك المنفى. 

ليس معنى ما أذهب إليه أني أفضل السجون أو المنافي، لا سيما إن كان السجن أو النفي دون وجه حق، أمّا لو كان ردعًا أو قضاء لعقوبة مستحقة، فالسجون وإن كانت تصطبغ بالمشروعية والحال كذلك، لكني في كل الأحوال أرى أن السجون هي حرمان للإنسان من الانطلاق في الأرض لتأدية رسالته في عمرانها، وتقييد لحريته.. لكن ومع قصص الكثيرين ممن ولجوا إلى السجون، وعاشوا بين جدرانها وخلف قضبانها، ضربوا أروع الأمثلة في معنى الحرية، وأن المرء حر ما دام يبسط سلطانه على دخيلته، ففي ظروف القهر والاستعباد تظل المساحة الداخلية للإنسان هي العالم الذي يستطيع من خلاله أن يتمتع بحرية الاختيار، وأن تكون لديه عليه السيادة المطلقة فينسج ويبدع الأفكار التي تجعله حرًا طليقًا يجوب العالم من وراء القضبان ويلهمه من قلب منفاه.

وقد ضرب لنا عدد من الأدباء والفلاسفة أروع الأمثلة في فن الإصغاء للذات ومخاطبتها،  وتجريدها من كل شائبة، وتخليصها من كثافتها التي تحول بينها وبين النور، هؤلاء الفلاسفة والأدباء أكسبتهم التجارب المريرة وراء القضبان وفي المنافي، معنى استلال النور من العتمة الداجية، وأن يتمسكوا بالزمن، ويقاوموا العزلة، وأن يضيفوا للخواء والفراغ، من خلال زرع الأمل وخلق أفكار بأجنحة تطير وتحلق عاليًا في سماوات الحرية. ومن الفلاسفة الذين نسجوا على منوال الحرية بالكلمات وراء القضبان، وكانت الكلمات المتنفس له، وهي المقاوم لضراواة العزلة، والنور في غلس الظلام، الفيلسوف “بوثيوس” صاحب كتاب “عزاء الفلسفة”، والذي يعد ثاني أشهر كتاب بعد الكتاب المقدس في العصر الوسيط في أوروبا، كتب “بوثيوس”، هذا الكتاب كان عزاءً له في مواجهة القضبان، فالفيلسوف كان في انتظار حكم الإعدام، ولم يثنه ذلك عن كتابة هذا المؤلف الذي ينطوي على محاورات ممتعة، محاورته كانت امرأة جميلة هي تجسيد للفلسفة، وانطلقت الحوارات تمتح من مناهل الجمال وترفد من منابع الحكمة، فتحدث عن السعادة والحظ والإرادة والشر والخير الأسمى، فأخبرنا في حواراته وعزاءاته أن الرخاء والسلطة والمكانة والأسرة واحترام الناس ليست ملكًا لأحد، فلو كانت ملكًا لأحد ما فقدها أبدًا. 

وفي عزاءاته يقول أيضًا: “في وسع الإنسان أن يجد الرضا، طالما أنه لا يعلق السعادة بالأشياء التي يلقي بها الحظ في طريقه، إذ يمكن له أن يجد السعادة في اتساق وجوده” كذلك يقول: لا ينبغي لنا أن نعلق رغباتنا بأشياء دنيوية خاضعة لعجلة الحظ، يقصد أنه ينبغي على المرء أن يتحكم في دخيلته، في الجزء الداخلي الذي لا يمكن للحوادث الخارجية المساس به”. 

لقد كان السجن كالمطهر لبوثيوس، فسما بفكره وروحه وجسده، فكان العزاء في كلمات كالنور أضاءت عتمة روحة قبل عتمة السجن، وتجاوزته إلى كل محب وعاشق للكلمة الصادقة والفكر المستنير النابع من نفس نقية، فلقد ألهم بوثيوس الكثير من الفلاسفة وكبار الكتاب الذين أثروا العالم ببديع فكرهم وفلسفتهم وأدبهم.

هذا السجين الذي يواجه مصيره المحتوم بالإعدام، ومن وراء القضبان، تجاوز حدود وجوده إلى وجود أعلى وأسمى، حيث النور المتمثل في صدق الكلمة وحرية الفكر، هذا النور الذي أضاء للكثيرين في العصور الوسطى، لهو كفيل أن ينير لمن يتتبع القيم ويؤمن بها في كل عصر لو تأمل وتدبر.

ومن بوثيوس إلى صاحب رواية “دون كيشوت” الرواية التي شغلت الدنيا والناس لردح طويل من الزمن وما زال تأثيرها ممتدًا في الزمن، وفي اعتقادي لن ينقطع ولن يريم أبدًا، ذلك لخصوصيتها الفريدة وطابعها الإنساني، هذه الرواية التي وجد فيها الفيلسوف “أدموند هوسرل” حلًا لجذور الأزمة التي كانت تعصف بأوروبا في ثلاثيينيات القرن العشرين وما بعدها. ففي خضم الدروس الفلسفية وحدة النقاش فيها، توجه “هوسرل” إلى طلابه يحثهم ويحضهم على قراءة هذه الرواية، لأنهم سيجدون العزاء فيها لما يحدث في أوربا. 

“دون كيشوت” الرواية التي اعتبرها الكثيرون حجر الأساس لبناء الرواية الحديثة، ومن أعظم ما كتب في مجال النثر والسرد الروائي، لما تنطوي عليه من صدق في العاطفة، ونقاء في الخيال، كتبها “ثيرفانتس” بدمه، على حد تعبير الفيلسوف “فريدريك نيتشه” الذي قال: إنني أستعرض جميع ما كتب، فلا تميل نفسي إلا إلى ما كتبه الإنسان بقطرات دمه، اكتب بدمك فتعلم حينئذ أن الدم روح، وليس بالسهل أن يفهم الإنسان دمًا غريبًا”.  وثرفانتس كتب “دون كيشوت” بدمه فكانت معجزة الأدب لما تمثله من المعنى والقيمة في حياة الإنسان، وما صورته من مفارقات الوجود الإنساني وتجسيدها للصراع الأبدي بين الحلم والواقع.

هذه الرواية المتفردة، كتبها “ثرفانتس” وهو بين جدران السجن وجاءت تنضح بالجمال، تتدفق بالنبل؛ لأن صاحبها وجد فيها المتنفس لزمنه، وجد فيها المساحة الرحبة التي تغنيه عن ضيق السجن، وجد فيها العزاء لمواجهة الظلام، فتتبع النور حتى ملأ قلبه واصطبغت به نفسه، فخط كلمات حلقت به بعيدًا ليعلن لنا أن الصدق مع الذات يلهمنا الخير ونستدل به على الحقيقة.

* كاتب من مصر 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود