6
0
11
0
28
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13531
0
13376
0
12212
0
12137
0
9568
0

محمد العميسي *
في عالمٍ يزدحم بالصوت والصورة، وتُهيمن عليه إيقاعات سريعة تستهلك أعمارنا دون أن ننتبه، تظل القراءة فعلًا هامشيًا في نظر الكثيرين، بينما هي في جوهرها فعل مقاومة عميق. مقاومة للسطحية، للعجلة، للفوضى الداخلية التي تنهش روح الشاب في سنوات تَشكّله الأولى.
بهذا المعنى تصبح القراءة ضرورة وجودية وليس هواية كما يُروَّج لها في حملات التوعية الموسمية، وليست مجرّد وسيلة لتحصيل المعرفة أو قضاء وقت الفراغ. إنها حاجة إنسانية، وممارسة تعيد للإنسان توازنه أمام طوفان التفاهة.
حين يفتح الشاب كتابًا، فإنه لا يبحث عن إجابات بقدر ما يبحث عن نفسه. الكتاب ليس مرآةً تعكس صورته فحسب، بل يُريه ظلاله، قلقه، وطبقات أعماقه التي لم يكن يعرف بوجودها.
تكتسب القراءة في حياة الشباب، بُعدًا خاصًا. إنها الرفيق الصامت الذي لا يُملي على صاحبه طريقًا محددًا، بل يمنحه أدوات الاكتشاف. ومع كل صفحة، تتسع رؤيته، ويتقلص وهم الاكتمال الذي يغوي هذه المرحلة من العمر. القراءة تُربك، تُهذّب، وتُربّي على الصبر. وهي -في زمن السرعة- من آخر الأماكن التي ما زالت تَحتفي بالتأمل.
الشباب بطبيعتهم ينحازون إلى الحياة، إلى التجريب، إلى المغامرة، لكن القراءة تمنحهم بعدًا آخر للمغامرة؛ مغامرة داخل الذات. من يقرأ بعمق، يتعلم الإصغاء، لا للكتب وحدها، بل لنفسه، للآخر، وللحياة من حوله. وبهذا المعنى، فالقراءة ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة نفسية تُعين الشاب على مواجهة العزلة، وتُخفف من صدامه الأول مع العالم.
ولعل أجمل ما في القراءة أنها لا تُحوّل الشاب إلى عالِمٍ أو فيلسوف، بل إلى إنسان أكثر رقّة. إنسان يدرك هشاشته، يتصالح مع جهله، ويكفّ عن إطلاق الأحكام. ومن يمتلك هذه الرؤية، يكون أقرب للفهم، وأقل انجرافًا خلف العداء أو الأحادية في النظر.
اليوم، في ظل طغيان الصورة، وسهولة الوصول إلى المحتوى السريع، أصبحت القراءة خيارًا صعبًا؛ لكن كل ما هو عميق، يبدأ دائمًا بصعوبة. ومن يُقاوم هذه السهولة الجارفة، ويختار الكتاب رفيقًا، هو شاب يُراهن على ذاته، وعلى أن المعنى لا يُمنح جاهزًا، بل يُنتزع بالتأمل والبحث.
إننا لا نقرأ كي نصبح أفضل من غيرنا، بل لنكون أكثر وعيًا بذواتنا. وهذا الوعي هو ما يمنح الإنسان سلامه، وثباته وسط العاصفة.
* كاتب من اليمن