9
0
13
0
30
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13378
0
12214
0
12138
0
9570
0

محمد العميسي *
لا أحد ينكر ما أضافته التقنية من يسر على الحياة، وكيف دفعت بها إلى حيز السهولة والتيسير، حتى غدت متاحة في يد الجميع، تختصر الوقت، وتمنحك أدوات لم تكن تحلم بها. غير أن الوجه الآخر من هذه المعجزة العصرية ليس بهذه السهولة، ففي جوفها تكمن خطورة صامتة، أشبه بسرطان ناعم يتسلل إلى الروح، فيستلب من الإنسان شيئًا فشيئًا قيمه الداخلية، طاقته المتأججة على الابتكار، ومجاله الحيوي في الإبداع.
منذ الأزل، والتغير هو القاعدة الثابتة في هذا الكون. من تأمل مسيرة البشرية وصيرورة الحياة، منذ فجر التاريخ حتى هذه اللحظة، سيجد أن كل شيء يتغير، وأن الكون في حالة اتساعٍ دائم، والزمن يركض، لا يلتفت للخلف. خاف الإنسان من هذا التسارع أول الأمر، كانت صدمة، ثم اعتاد الأمر، تكيّف، وراح يركض خلف الزمن، لا يريد أن يُترك وحيدًا على هامش الحركة.
الإنسان كائن مسكون بشهوة الاكتشاف، موهوب في العبث بالمجهول، تواق للذهاب أبعد من اللحظة. فاخترع السفن ليشق بها البحر، ثم صنع الطائرات ليخترق السحاب، وصعد إلى الفضاء، وبنى عوالم رقمية تفوق الخيال. غير أن كل تلك القفزات التكنولوجية لم تكن بلا ثمن، فقد دفع الإنسان فاتورةً باهظة، كان من بينها أن فقد شيئًا من دفء روحه، ومن قدرته الفطرية على التأمل، والتفاعل الحي مع الحياة.
مع ذلك، يظل الإنسان هو الأصل، وهو المرجع الأول. وحده هو من اخترع الآلة، وأدخل الروح في الجمادات، وعلّم الآلة كيف تشتغل، لكنه حين يغفل عن حقيقته، ينسى أنه لا يمكن للآلة أن تخلقه، ولا أن تمنحه المعنى.
الذكاء الاصطناعي ــرغم دقته وسرعته وقدرته على المعالجةــ يظل أداة، لا روح فيها، ولا شعور. يمكنه أن يساعدك في ترتيب فكرة، أو اقتراح معلومة، لكنه لا يصنع المعنى، ولا ينفخ في الكلمات حرارة الشعور، ولا يمنح النص روحه. بعضهم صار يعتمد عليه اعتمادًا كليًا، حتى في الأعمال الإبداعية، وهذا مسار بالغ الخطورة. إنك حين توكل للآلة مهمة الكتابة عنك، فإنك ــ من حيث لا تدري ـ تشرع في قتل نفسك، تهمّش عقلك، وتخمد فيك نيران الإحساس، فتتحول تدريجيًا إلى آلة لا تشعر، مجرد مستقبلٍ للأوامر.
الذكاء الاصطناعي لا يعدو كونه موسوعة ميسرة، لا تختلف كثيرًا عن “ويكيبيديا” أو غيرها من أدوات البحث. هو مجرد مرآة تعكس لك ما أنتجته العقول، لكنه لا ينتج أصالة، ولا يبتكر فكرة من العدم.
الأدب ليس وظيفة، ولا عملية حسابية. إنه ترجمة لمشاعر إنسانية تعتمل في الأعماق، وومضة في الروح، وشرارة تتقد في الذهن، وصوت داخلي يحتاج إلى من يصغي له، لا من يهرب منه إلى جهاز بلا قلب.
ينبغي على البشرية ألا تفقد ما تبقى من إنسانيتها وهي نغرق في بحر الآلات، ولتتذكر دائمًا: ليست في حاجة إلى ذكاءٍ اصطناعي بقدر حاجتها إلى قلوب بشرية نابضة بالدهشة، حارسة يقظة على أسوار الإبداع، لا تسمح للآلة أن تسلبه دمه الحي.
*كاتب يمني