مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. هاني الغيتاوي *    كما كان سقراط يبسط نور المعرفة في الشوارع والأزقة من خلال …

فلاسفة وأدباء.. في المنفى ووراء القضبان (4)

منذ 6 أشهر

149

0

د. هاني الغيتاوي *   

كما كان سقراط يبسط نور المعرفة في الشوارع والأزقة من خلال التقائه بالناس والتحاور معهم، كان ملهمًا في سجنه من خلال مواقفه الإنسانية وتحليه بالقيم والنزاهة في التعامل مع الحقيقة ومواجهة الموت، وهذا ما خلّد فلسفته وفكره عبر السنين، وهو ما انعكس أثره على الكثيرين من الفلاسفة والأدباء وذوي الفكر. ومن التجارب الإنسانية التي أراها تشبه حالة سقراط رغم اختلاف البيئات والزمن والتوجهات، تجربة المفكر والفيلسوف الفرنسي “ريجيس دوبريه” الذي ترك العيش الرغد الناعم ولم تفتنه الأضواء والشهرة، ولم يستعبده المال، ولم يركن في مكانه يكتفي بالتنظير وإطلاق الشعارات البراقة والتشدق بها، بل حول كل ما يؤمن به ويعتقده إلى واقع عملي، خاض من أجله طريق الكفاح والتضحية؛ لأنه كان يرى لكي يحيا الإنسان بسعادة عليه بذل التضحية والكفاح، فالإنسان عليه أن يؤمن برسالة يستحق العيش من أجلها، ومن أجل هذه الرسالة ترك دوبريه وطنه فرنسا متوجهًا إلى كوبا ليترجم عمليًا المبادئ التي عاش من أجلها وآمن بها، وفي البلاد التي أشتعلت فيها الثورة بقيادة ” فيدل كاسترو ” تواجد دوبريه، وعندما نجحت الثورة عام 1959، لم يؤثر القعود في كوبا، بل أراد أن يرى نور ثورات أخرى فسافر إلى “بوليفيا ” ليلتحق بأشهر ثوار القرن العشرين “تشي جيفارا”، وهناك يتم اعتقاله من قبل القوات البوليفية بعد مقتل “تشي جيفارا” ويصدر عليه حكم بالإعدام، خفف إلى السجن لمدة ثلاثين سنة، أمضى منها أربع سنوات فقط بعد وساطات وتدخل من الحكومة الفرنسية، وخلال أربع سنوات عاشها دوبريه خلف القضبان، يروي قصة الإنسان من وجهة نظره ويتحسس حقيقة العالم من خلال رؤيته وفكره في لحظات التأمل والتصالح مع النفس التي انطلقت داخل السجن، تلك اللحظات التي توهجت بالأمل والتفاؤل تارة وبالدموع والألم تارات أخرى، لكن في المجمل كانت لحظات جليلة جعلته يتعرف على نفسه ويحاورها، ويتعداها لمحاورة الآخر، فكان السجن نافذة حقيقية لرؤية نفسه والعالم، فمن خلال مذكراته التي كتبها في سجنه صور دوبرية بإحساس صادق هذه الرؤية، فمن خلال مذكراته التي دونها وصدرت بعد ذلك في كتاب عنونه باسم “مذكرات برجوازي صغير بين نارين وأربعة جدران” هذا السفر الذي انطوى على خلاصة فكرة وسلاف تأملاته الصادقة والنابعة من نفس مرهفة هدهدتها وصقلتها التجربة الأليمة والعصيبة فكانت أفكاره الممزوجة بالدموع والألم والتي صاغها بلغة شعرية جزلة تحمل معاني سامية، فغاص في تأملاته بصدق وشفافية، ليس بلغة المنظر والكاتب الذي يؤطر لمعرفة، بل بلغة صوفي زاهد يتحدث عن الحب والجنس والسياسة والدين والفن، وقيم الكفاح والنضال والتضحية، وناقش أفكار فلاسفة وأدباء عظام كدستيوفسكي وألبير كامو وستندال ومارسيل بروست وفريدريك نيتشه، لقد سبر غور الحياة وعلاقة الإنسان بها، يقول دوبريه في مذكرات “إن استعادة براءتنا المفقودة تكمن أحيانًا في ارتهاننا لزمن لم يعد موجودًا، فعالم البساطة والنقاء انهار أمام توحش الرأسمالية والأسئلة الأخلاقية الكبرى التي تعصف بعصرنا، عصر العولمة والثورة المعلوماتية “وهو بهذا التصور يحاكي الفيلسوف نيتشه الذي سبقه بهذا البوح عندما قال “إن نمط الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية بالنسبة لي وسأنتظر حتى يأتي أناس أكثر حكمة مني ليعثروا لنا عليه”. 

دوبريه خلص إلى هذا التصور الذي سبقه إليه نيتشه، وهو أن الحياة البسيطة هدف بعيد للغاية، نظرًا للعراقيل المتمثلة في الحواجز المادية التي تركت أثرها على النفس المقيدة عن الانطلاق والعاجزة عن تجاوز هذه الحواجز، يقول دوبريه “إن لحظة السعادة أو الحقيقة هي اللحظة الفارقة التي تستطيع أن نمارس ملكياتنا الحيوية التي نضحي من أجلها بحياتنا المادية”. 

لم يكن السجن لدوبرية نعمة أو امتياز، بل كان محنة أحدثت في نفسه ثورة وانقلابًا نفسيًا وروحيًا  وتجلية للفكر والذوق وصقلًا لملكة التخييل والتأمل، يقول دوبريه في مذكراته “من يقضي حياته في عتمة زنزانته وهو يتأمل مستطيلًا من الشمس تقطعه القضبان، ينعكس على البلاط في ساعة محددة متحولًا من الاقتحام، فالتحرك الجامد إلى التبخر اللا مرئي، يشعر بمثل ما يشعر به متعطل يتنعم بشوي جسده على شاطئ زاخر بالبشر”. 

هكذا أدرك دوبريه ولو شيئًا ضئيلًا من الحقيقة داخل سجنه، وكان الألم الذي عاناه داخل السجن وتقييد حريته هو الدافع وراء هذا الإدراك، فكانت هذه المحنة هي المعين له ليتعرف على نفسه، ويرى العالم بمنظور مختلف، فكان تواريه خلف القضبان دافعًا قويًا ليكون أكثر إقبالًا على الحياة بكثافة من خلال تحليله لما يحدث فيها وتأويلها بنظرة المثقف الزاهد المتصالح مع نفسه، وزاده في رحلته الصوفية تلك. 

كانت حرارة العاطفة وصدق الكلمة يقول دوبريه في ختام مذكراته “ليس ثمة من كلمة لا تفتح بابًا أو قلبًا أو لغزًا، ذلك أن القلوب وألغازها مصنوعة بالذات من الكلمات…”. 

“إن العالم هو كوكبة من الخلايا الصغيرة مقفل عليها مع سجين خلف الباب الذي يموت في الليل، والصمت كوكبة من الحيواة المطفأة التي تحتاج إلى إنعاش، وهناك دائمًا في مكان ما من المعجم في أعماق قلبك، كلمة ترقد بانتظار أن تطلق سراح سجين. 

انتفض، أيقظها. 

*كاتب مصري

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود