مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

       حسين عبروس* مقدمة:  حينما نكتب للطفل، نشعر بأننا نكتشف العالم معه من …

نحو حداثة النّص في أدب الطفل.. من التّلقين إلى التكوين

منذ 7 أشهر

201

0

 

     حسين عبروس*

مقدمة: 

حينما نكتب للطفل، نشعر بأننا نكتشف العالم معه من جديد، فتغمرنا متعة الرّحلة في ذلك الفضاء المليء بالفرح والدهشة، فنبدع أجمل النّصوص التي تترك أثرًا كبيرًا في النفوس.

ونحن إذ نتجاوز حدود البساطة والسذاجة في كثير من الأحيان، نطلّ على عوالم شتّى في ذواتنا وذوات القارئ الصغير، الذي نسمّيه الطفل تارة، والفتى أو اليافع تارة أخرى، دون أن نتجاهل العنصر الآخر من الفتيات.. وفي هذه التّجربة نوثّق الروابط مع عالم الطفولة الذي لا حدود له.

ليس من السهل أن يكتب الكاتب للطفل؛ لا لأن الصعوبة تكمن في لغته، ولا في صِغر عقله الغامض، بل لأن الكتابة له تعني الدخول إلى عالم بريء لا يعرف الزّيف ولا المكر مطلقًا، وهو لم يتشبّع بعد بالأحكام والقوالب الجاهزة التي يصبّها فيه بعض الكتاب.. ومن هذا المنطلق، أرى أنّ الكاتب الذي يشتغل على ثقافة الطفل يجدر به أن يتخلّى عن موقع المعلّم والأستاذ، ليصبح شريكًا في رحلة الكتابة والاكتشاف، وأن يكتب بنبض قلبه لا بخبرته المكتسبة وحدها.

فالكتابة الموجّهة للطفل في وطننا العربي لا تزال تتأرجح بين طرفي نقيض:

1. طرف التّلقين: حيث نجد القصة محمّلة برسائل أخلاقية مباشرة، تلقّن الطفل قواعد تجاوزها الزمن، فأصبحت عديمة الفائدة، مفرغة من محتواها الذي وُجدت من أجله في فترة معينة.

2. طرف التّرفيه المجاني: حيث يغيب العمق، وتُختزل القصة في أداة تسلية سطحية لا تشبع نهم القارئ الصغير.

وبين هذين القطبين تضيع الإمكانات الفنيّة والتربوية الهائلة التي يحملها النص الإبداعي الجيد حينما يُكتب للطفل.

أولًا التلقين والإشراك: 

إنّ الاختلاف في الرّؤية والبناء في كتابة النّص الإبداعي للطفل يقودنا إلى فرضية شائعة في الوطن العربي، مفادها أنّ الطفل كائن ضعيف يحتاج إلى ملء معرفي وأخلاقي.. فتأتي القصة محمّلة برسائل صريحة، تقدم مغزاها في خاتمة حتميّة مغلقة. هذا النمط يفترض في الطفل متلقيًا سلبيًا، لا يُشارك في إنتاج المعنى، بل يُستدرج لقبول رؤية جاهزة للعالم وما فيه من قضايا.

أمّا النموذج التشاركي، فيقترح أن يُعامل الطفل كقارئ له كامل الحقوق في التّأمل والتأويل والتساؤل. هنا لا تُلقّن القيم، بل تُبنى من خلال التجربة الجمالية التي يصنعها النّص في نفسية القارئ الصغير.. يُترك له حرّية الاكتشاف، والخطأ، وإعادة بناء العلاقة مع النص والشخصيات من موقع الوعي الحرّ لا الطاعة العمياء.

ثانيًا: نحو نص يحترم الخصوصية وينفتح على الكونية؛ 

النص الحديث الموجّه للطفل يجب أن يوازن الكاتب فيه بين أمرين:

1. احترام المرجعية الثقافية والدينية للمجتمع، دون المبالغة في خطاب التلقين المباشر الممل.

2. الانفتاح على المنجزات المعرفية والإنسانية في الأدب والفكر والتكنولوجيا، بما يوسّع أفق الطفل ويعزز تفكيره النقدي.

فالطفل لا يعيش معزولًا عن العالم، ولا ينبغي عزله عن جذوره.. النص المنشود هو الذي يستوعب هذه الجدلية، ويكتب للطفل بوصفه كائنًا روحيًا وفكريًا في آن، يملك الحق في التساؤل والدهشة والاختلاف.

ثالثًا: إعادة تشكيل شخصية الكاتب – من المعلّم إلى الفنان: 

لكي نكتب نصوصًا متميّزة للطفل، لا بد من إعادة تشكيل شخصية الكاتب العربي.. فالمطلوب ليس تغيير الأسلوب فقط، بل تغيير الرّؤية والموقع.

الكاتب–المعلّم: يفرض سلطته داخل النص، فيتقيّد بها القارئ الصغير.

الكاتب–الفنان: يبني عالمًا يشرك فيه الطفل، دون أن يلزمه بوصاية.

هذا التحول يتطلب:

وعيًا بسيكولوجيا نمو الطفل في مراحله العمرية.

قراءة واسعة في الأدب العالمي الموجّه للطفل.

تدريبًا على تقنيات السرد التفاعلي والتلميح الرمزي.

تحرّرًا من الخوف الرقابي الداخلي الذي يشلّ الخيال.

رابعًا: أمثلة تطبيقية – نحو أدب يمنح الدهشة لا الجواب: 

في الأدب العالمي، نجد قصة “الذئب الذي اكتشف دفء الشمس.. مثالًا على كسر القوالب النمطية، حيث تتحول شخصية الذئب من رمز للشر إلى كائن يبحث عن المعنى والدفء.. القصة لا تقدّم إجابة، بل تفتح أفقًا إنسانيًا للتأمل.

أما في الأدب العربي، فتمثل نصوص يعقوب الشاروني، مثل “أصدقاء من عالم آخر”، انتقالًا من التعليم المباشر إلى المغامرة الرمزية، حيث يخوض الطفل تجربة مشوّقة دون أن يشعر بأنه يتلقى درسًا أخلاقيًا.

خاتمة: 

يظلّ النص في أدب الطفل جسرًا لبناء الثقة في نفسية الطفل، لا قناة للتعليم.. فالتحدي الحقيقي ليس كيف نُعلّمه، بل كيف نثق به وفي قدراته. الطفل لا يحتاج إلى دروس جديدة، بقدر ما يحتاج إلى من يصغي إلى أسئلته ويمنحه الأدوات ليبحث عن إجاباته الخاصة.

حين نكتب للطفل نصًا حيًّا، منفتحًا، مشاكسًا، فإننا نمنحه المساحة ليكون كائنًا حرًا، لا مشروع راشد في طور التشكيل.. هكذا، يصبح النّص الفنّي بوابة للتكوين لا محطة للتلقين، ومساحة للمعنى لا مجالًا للوعظ، وجسرًا للثقة لا أداة للترهيب.

هامش: 

1. الذئب الذي اكتشف دفء الشمس (بالفرنسية: Le Loup qui découvrait le pays des contes) من تأليف الكاتبة الفرنسية Orianne Lallemand ورسوم Éléonore Thuillier، وتندرج ضمن سلسلة قصص شهيرة تبدأ بـ Le Loup… (الذئب الذي…).

2. يعقوب الشاروني (1924–2017) من كبار كتاب قصة الطفل في مصر والوطن العربي.

* كاتب وشاعر للأطفال – الجزائر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود