الأكثر مشاهدة

  أحمد بنسعيد* مقدمة:  الطفل هو البداية والمستقبل، وهو الأولوية في سلم الأولويات …

ضعف الشأن الأدبي للطفل.. في المجتمع العربي

منذ شهرين

232

0

  أحمد بنسعيد*

مقدمة: 

الطفل هو البداية والمستقبل، وهو الأولوية في سلم الأولويات في العوالم المتحضرة.
كاتب أدب الطفل يبني عالمه الأدبي والعلمي وفقًا لفهمه العميق لمراحل نمو الطفل الجسدي والنفسي واللغوي، مازجًا الخيال بالقيم الإنسانية.
كل نص يرسله الأديب هنا هو بمثابة رعاية دقيقة واعية لبذور المستقبل، أي أن تأثير الكاتب يمتد عبر الزمن على المجتمع بأسره.

غياب تقدير المجتمع للطفل: 

وما لاحظته أن المجتمع العربي غالبًا لا يقدّر الطفل كإنسان، بالتالي لا يقدّر العاملين له حق قدرهم. يُنظر إلى الطفل أحيانًا كثيرة ككائن ضعيف يحتاج إلى عكاز، أو مزعج يحتاج إلى اللهو والتسلية، أو بنك مستقبلي يحتاج إلى التعليم السريع، ليس كعضو مجتمع أساسي يحتاج رعاية فكرية، وكمسؤولية مجتمعية تتطلب نفض الغبار لتحقيق الاهتمام الحقيقي والعلمي به.

قهر من البدايات: 

كثير من كتاب أدب الطفل يبدأون بموارد محدودة، وفرص تعليمية ضئيلة، وضعف التكوين…
ويبرز نقص التقدير الاجتماعي والثقافي جليًا في كون المجتمع لا يدعم الكاتب الهاوي العاشق الموهوب في بداية مساره حتى بالكلمة الطيبة، فما بالك بالمال أو الاعتراف.
هذا الشعور بالبدايات المقهورة يثقل على الكاتب، لأنه يعلم أن جهده للأطفال سيكون شاقًا جدًا وطويل المدى، بينما الاعتراف محدود أو منعدم.
الكاتب يعتني بالجيل الذي سيكوّن قاعدة المجتمع في المستقبل، وتأثيره يكون كبيرًا على المدى الطويل، لكنه على مستوى قصير المدى ينعدم التقدير الإداري والاجتماعي، ما يشكل قناعة ثابتة لدى الكاتب بضعف فكري إداري ومجتمعي ينعكس على عمله ويولّد لديه شعورًا عميقًا بالإحباط، يدعوه في كل حين للتوقف والاستقالة عن هذا المجال.
وكما هو واضح، المجتمع العربي ورأسماله اليوم كثيرًا ما يركز على النتائج الفورية، الشهرة السريعة، أو المكاسب المباشرة، كما الحال في كرة القدم والغناء… ولا يرى القيمة الحقيقية للاستثمار في الإنسان منذ الطفولة، لأن ذلك يأخذ وقتًا طويلًا ونجاحه ربما يكون غير مرئي في نظره.
هذا يجعل كاتب أدب الطفل غالبًا ما يشعر بأنه يعمل في فراغ اجتماعي.. فمن جهة، الكاتب يعمل على أهم مرحلة في حياة الإنسان: الطفولة أرضية المستقبل.. ومن جهة أخرى، المجتمع لا يمنحه الاعتراف أو التقدير الذي يستحقه منذ البداية، فلا قيمة لجهوده في عيون المحيط المباشر.

ضعف الشأن الأدبي للأطفال بين ممثلي أدب الطفل أنفسهم: 

1. الطفل في عمق الشأن الأدبي ليس محور الاهتمام الفعلي. 
في كل مراحل النظام الثقافي، الطفل غالبًا غير موجود كمستفيد مباشر أو صاحب رأي.
القرارات المتعلقة بالكتب غالبًا مستوردة كما هو الشأن للقطاعات الأخرى. المنهج، المحتوى، حتى تقييم الأعمال، تتخذ غالبًا من قبل لجان غير متخصصة أو بعيدة عن فهم عالم الطفل.
النتيجة: محتوى الأدب المقدم للأطفال أحيانًا كثيرة لا يلامس احتياجاتهم الحقيقية، ولا ينمي خيالهم أو قيمهم بالشكل الأمثل الذي يلبي طموحات الشعوب العربية في أجيالها.

2. الأدب المقدم للطفل غالبًا يقع تحت تسلّط أذواق خارجية. 
الكتابات التي تُنشر، تُروج، أو تُكرم، تتأثر أحيانًا بأذواق الكبار، التوجهات الثقافية العامة، أو الاعتبارات المالية والتجارية والسياسية…
الطفل، الذي هو المستهلك النهائي، غالبًا لا يحصل على الأدب الذي يناسبه ويثري محصلته ويبني شخصيته.

3. ضعف المنظومة الثقافية الخاصة بالطفل. 
لا توجد غالبًا مؤسسات أصيلة قوية، مدارس، مكتبات، أو لجان متخصصة، تعمل باستمرار على دعم وتطوير أدب الطفل بشكل منهجي.
النتيجة: الكاتب الذي يكرّس جهده لخدمة الطفل غالبًا يعمل في فراغ أو في بيئة مؤسسية غير داعمة، أو منشغلة بأمور أخرى.

4. الأثر طويل المدى. 
هذا الضعف يؤثر على جيل كامل من الأطفال، لأن أدب الطفل هو الوسيلة الأساسية لصقل الفكر والقيم والخيال منذ البداية.
الطفل الذي لا يجد أدبًا جادًا ومناسبًا في سنه المبكرة، يفتقد الفرصة للتنشئة الثقافية والأخلاقية المتوازنة. بالتالي ينشأ ضعيفًا على المستوى الحضاري والعلمي والثقافي.

5. الجوائز كمثال لا أكثر. 
الجوائز العربية تُظهر هذا المشكل بوضوح: كثير من الجوائز تُمنح لأعمال لا تتوافق مع احتياجات الطفل أو معايير أدب الطفل المتخصص.
الضعف الشديد لجوائز أدب الطفل، إنما هو فقط رمز للخلل العام في الرؤية الأدبية للأطفال في المجتمع وتقديرهم.

خاتمة:

ضعف الشأن الأدبي للطفل في المجتمع العربي هو واقع مركزي: الطفل غير محور الأدب، والمجتمع لا يقدر الدور الأساسي لكتّاب ومبدعي أدب الأطفال.
فنجد الأدب المقدم للأطفال غالبا ما يخضع لتوجهات الكبار غير المختصين، لا لاحتياجات الطفل الحقيقية.
ويبرز الحل في حاجتنا الشديدة إلى إعادة بناء المنظومة الثقافية حول الطفل، بحيث يكون هو وكل ما يتعلق به محور الاهتمام.

*كاتب للأطفال من المغرب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود