366
0
742
0
467
0
876
0
1294
0
33
0
45
0
83
0
81
0
125
0
الرياض_فرقد تستضيف هيئة الأدب والنشر والترجمة، سلطنة عُمان الشقيقة كضيف شرف للدورة المقبلة من معرض الرياض الدولي للكتاب 2023، والذي سيقام تحت شعار "وجهة ملهمة" خلال …
12048
0
11848
0
11112
1
10307
5
8362
0

حصة بنت عبد العزيز*
كان الطفل قديمًا يطارد فراشة في الحقول، ويصغي إلى حكاية جدته في ليالي الشتاء، فيرتسم الأدب في قلبه كما ترتسم الألوان في لوحات الماء. اليوم، يقف الطفل أمام شاشة مضيئة، تفتح له نافذة على عالم واسع، لكنها تُغلق في أحيان كثيرة نوافذ أخرى كان يفتحها على السماء والخيال والحكايات الهادئة.
لقد صار الطفل طفلًا رقميًا، يعيش في حضن الأجهزة الذكية قبل أن يتعلم ربط حذائه، يلتقط الصور قبل أن يكتب اسمه، ويتصفح العوالم الافتراضية قبل أن يحفظ شوارع حيّهِ. إنها طفولة لم تعد تنتظر الحكاية، بل تبحث عنها في زرّ صغير يضغطه بإصبعه الصغير، فينهمر عليه سيل من الصور والأصوات.
بين نعمة العصر ومخاطر الغرق:
يحمل هذا العصر للطفل إمكانات مذهلة؛ مكتباتٌ واسعة تتسع في راحة يده، وقصصٌ تُروى له بألوان جذابة وصوت دافئ حتى لو غاب الراوي. تعلّم الطفل الرقمي كيف يصل إلى المعلومة، كيف يكتشف الصور، كيف يفتح أبواب العالم بضغطة واحدة. وهو بذلك يختبر نوعًا جديدًا من الطفولة لم تعرفه الأجيال السابقة.
لكن في ظل هذه السهولة، يواجه الطفل الرقمي تحديات خفية؛ إذ تتسرّب ساعات عمره الصغيرة في بحار الضوء الأزرق، فيضعف بصره قبل أن يكتمل نموّه، وتتشوش انتباهاته بين لعبة عابرة وفيديو سريع، وربما ينحسر خياله في محتوى جاهز لا يترك له مساحة ليرسم عالمه بيديه.
الأدب والطفل الرقمي:
وهنا يأتي سؤالنا: ما هو أدب الطفل في زمن الطفل الرقمي؟
إن الطفل لا يزال يحتاج إلى الحكاية، إلى القصة التي تمنحه حكمة غير مباشرة، إلى اللغة التي تبني وجدانه وتغرس فيه بذور الخيال، إلى ذلك الأدب الذي يضيء داخله نوافذ التأمل والدهشة.
لكن الأدب اليوم يحتاج إلى أن يطرق باب الطفل الرقمي بلغته دون أن يفقد جوهره، أن يحاوره في عالمه الرقمي دون أن يفرّط بجمال الورق والكلمة المنطوقة. يحتاج الطفل إلى قصة تُقرأ له قبل النوم، وإلى قصة تُعرض عليه بمشهد جميل على الشاشة، يحتاج إلى أن يسمع صوته الداخلي في نصوص الأدب، لا أن يضيع في صخب الإعلانات والأصوات العالية.
نحو توازن يليق بالطفولة:
في زمن الطفل الرقمي، لسنا بحاجة إلى أن نعزل الطفل عن أدوات عصره، لكننا بحاجة إلى أن نرسم له طريقًا يوازن بين الرقمي والإنساني، بين الضوء الأزرق وضوء الحكايات. نحتاج إلى أن نصغي إليه، ونشاركه اختياراته الرقمية، ونوجّهه لاختيار المحتوى الذي ينمّي خياله، ويحمي قلبه الصغير من العزلة.
إن الطفل الرقمي اليوم هو مشروع إنسان الغد، وإن لم نمنحه الأدب الذي يُغذّي روحه، سيبقى هشًّا رغم كثافة معرفته. الأدب يعلّمه كيف يرى الجمال في التفاصيل، كيف يفهم العواطف، كيف يكوّن ضميره الصغير، وكيف يعيش إنسانيّته في عالم تتسارع فيه الصور وتغيب فيه المعاني.
فلنحاول أن نرغّب الطفل في التفاعل مع الكتاب الورقي، أو الإصغاء لحكاية تُروى له بصوت حيّ، أو مشاهدة قصة تُقدَّم له بطريقة شائقة تجمع بين المتعة والمعنى.
فبهذا نُعيد للأدب دوره في تشكيل وجدان الطفل، ونمنحه فرصة ليبني علاقته بالكلمة والخيال وسط عالمٍ رقمي متسارع.
لسنا ندعو إلى الانفصال عن العصر، بل إلى إبقاء جذوة الطفولة مشتعلة بالأدب، ليكبر الطفل ومعه وعيٌ إنسانيّ عميق، يُنير له وللمجتمع دروب المستقبل.
*كاتبة سعودية
7aerh_4
التعليقات