104
0
71
1
116
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12339
0
12074
0
11730
1
10913
5
8743
0
بقلم: شذى الجاسر*
تدور المجموعة القصصية “على باب مغارة” للكاتب حسن علي البطران حول الانزياح عن المألوف، والبحث عن الحقيقة خلف الأمور الظاهرة والغوص في أعماقها، بدأً من عنوانها “على باب مغارة” فالباب هنا كفضاء رمزي للذات الإنسانية والعالم الخارجي، فالوقوف على الباب يعطي معنى التردد بين الدخول إلى الأعماق (الذات، الماضي) أو البقاء في الخارج (السطح، الواقع)، وهذه الثنائية هي العامود الفقري لمعظم نصوص المجموعة.
حيث تكشف عن التناقض بين الظاهر والباطن، وصراع الإنسان مع ذاته ومجتمعه، كذلك عن هشاشة العلاقات في ظل عالم مليء بالغموض، حيث إن لغتها كالكائن الحي الذي يحاورك ويشاركك مشاعرك، فتحولت من أداة للتوصيل إلى كائن إبداعي؛ لأن نصوص المجموعة قائمة على الصور البصرية غير مألوفة، بنهايات غير مغلقة، تترك المساحة الكافية للمتلقي في تأويلها، فكل مشهد في هذه المجموعة عبارة عن استعارة كبرى للعلاقات الإنسانية، فهي تضع المتلقي على ضفة المتهم ثم تعود لتبرئته ليجد نفسه في الضفة الأخرى، فنصوص المجموعة تجمع بين العمق الفكري والجمالي.
هنا سأتناول بعض نصوص المجموعة:
نص مرآة مشوشة: “أحبها، أهداها وردة… أهدته حذاءها”.
في هذا النص مفارقة في التبادل العاطفي المتناقض؛ فالوردة رمز للحب والسلام أو رغبة في تكوين علاقة سليمة، بينما الحذاء يرمز للرفض أو الرحيل مع عدم تقبل المشاعر أو الكره، والإهداء هنا إشارة لقطع هذه المشاعر والابتعاد عنها، وهو بشكل عام تعبير عن الصراع بين عالمين من الوحدة الذاتية.
وفي نص ضلع أعوج: “نظر من السطح، رمته إلى الأسفل”.
العنوان عبارة عن استعارة للمرأة في التراث الإسلامي، لكن النص يحوّل هذه الإشارة إلى رمز للطريق الخطأ أو الضعف؛ فالنظر من السطح رمز للعلو أو التعالي، يليها الرمي إلى الأسفل رمزية للمكانة الوضيعة أو الضعف؛ حيث إن النص هنا ينقد الطبقية المجتمعية أو العنصرية، والنظرة الدونية.. كما أنه ينقد الضعف الرمزي والمادي ضد المرأة، فهو يعكس العلاقات المضطربة القائمة على التسلط والفوقية.
وفي نص تلف الجذور: “غراب فوق الشجرة، أغصانها جافة، أوراقها تتساقط… يرفض قلعها”.
ترمز الشجرة في القصة إلى الموت.. موت المكان، العلاقات، الأشخاص، وتوقف الحياة.. إلا أن بطل هذه القصة يرفض هذه النهايات ولا يتقبلها أو يستوعبها؛ لتعلقه العاطفي الوهمي بها، أو تمسكه بالماضي البائد، بالهوية المشتتة، أو بالذاكرة المدمرة، حتى وهي تتحلل أمامه يرفض قلعها، فهو يشعر بأنها لا تزال تمتلك الحياة والاستمرارية، وقد يكون هذا الأمر مقاومة بائسة، أو استسلام للفناء؛ وهو يدل على موته ذاتيًا؛ بسبب الفقد أو أي حدث مؤلم في حياته، فيتمسك بالماضي أو بالأمور التي تعطيه جرعة بسيطة من سعادة مزيفة.
وفي نص شللية: يجتمعون في ليلة تكريمه.. يشككون في بياض كفنه، أحدهم يؤكد البياض”.
العنوان كتب بصيغة التقليل أو التحقير ليظهر السلبية في بعض عقول المجتمع الذي يهتم بالظاهر ويغفل عن الباطن؛ فلفظة “تكريمه” دلالة على مسيرة المتوفى المليئة بالخير والطيب والكرم، بينما انشغال من هم في جنازته ونقاشهم حول بياض كفنه من عدمه يؤكد فكرة النفاق الاجتماعي والرياء حتى في الموت؛ فالنص يسخر من الطقوس الاجتماعية حول الموت، ويجمع بين الغموض الذي له دلالة خير في لفظة “تكريمه”، وبين التفاصيل الدنيوية السطحية في عبارة “بياض كفنه”.
وفي نص خياطة خفية: “أمسيت وكلي أوجاع وآلام.. ثوبي الأبيض لا يسترني!.. لبست ثوبًا ممزقًا قد استعرته من إحدى جاراتي، سرقته من أثواب زوجها، بعضهم حينما رآني ابتسم، وبعضهم صفق لي، وجميعهم وصفوني بالرجل الوقور”.
الخياطة الخفية هي رمز لإصلاح الذات وإخفاء الأوجاع، ويرمز أيضًا لمعاناة المرأة التي تبتكر وجودها من بقايا الآخر، لكن ذلك الثوب الأبيض لا يستر الوجع والمعاناة، وفي الوقت نفسه لا يكشفها، أيضًا يعد الثوب الذي هو ملك لشخص آخر رمزًا للعلاقات الناقصة والفاشلة غير المكتملة، أما التصفيق والابتسام رمز للمجتمع ذي التفكير السطحي الذي يحكم بالمظهر دون الجوهر؛ فهو لا يرى حقيقة الأمر، بل رأت رجلًا ذا مظهر متدين بملابسه، وللمرأة العصامية التي لا يرون ولا يعطون تقديرًا لمعاناتها وألمها ومسؤولياتها، ولهم ظاهرها فقط وهو صمودها وإحاطتها بتعليقات لا تجعلها تتقدم نحو النجاح.
وفي نص جدار تتساقط حصياته: “ارتبك حينما علم بخبر خروجه من المستشفى.. الطرق رُصفت، السيارات توقفت، النيران أُشعلت، الطبول دُقت، العجوز يأخذ الحائط عونًا له لكي يكمل وقوفه المنحني، عيون المارة تتفرج عليه… تُرمى بقايا الأطعمة وينام العجوز جائعًا”.
يرمز العنوان الجدار المتساقط للتفكير الذي يخلو من العمق والاهتمام المظهر دون الجوهر، أما الاستعدادات من خلال رصف الطرق، وتوقف السيارات، وإشعال النيران، ودق الطبول لا يخفي حقيقة ضعف الجسد سواء كان جسد الإنسان أو جسد المجتمع، حيث لا يتم الاهتمام بما يعاني منه هذا الجسد من عدم استقرار لأسباب عدة تغزوه، بل يصب جل الاهتمام بالمظاهر، حيث الاحتفال غاضين النظر عن الجوع الذي لا يزال يعاني منه، ومحاولة وقوفه ليستمر في سيره؛ فالنص هنا يخلق صورة مميزة للتناقض بين الوصف الاحتفالي الباذخ، والنهاية المأساوية، فهذه الصورة تفضح النفاق الاجتماعي، والطبقية التي تظلم بعض أفراده.
وفي نص حياة تتجاهل النبض: أعطي ورقة قديمة نصفها ممزق، برميل القمامة قريب منه، أشاروا إليه برميها، طلب منهم فرشاة ومحبرة، رسم قلبًا وأربع حجرات، ورسم خامسة صغيرة وبعيدة، أعطاهم الورقة، دلف إلى غرفته وتركهم في حيرة، وصفها بعضهم بالشائكة”.
يرمز العنوان للحياة الخالية من الروح؛ أي الروتينية.. الورقة القديمة نصف الممزقة في النص ترمز لماضي الشخص المؤلم الذي أنهكه وأِثّر عليه في الحاضر، ورغم إشارة من حوله لنسيانه، لكنه قرر الإصلاح والتجديد في حياته بتحويل ألم ماضيه لنقطة قوة وانطلاقه، وذلك من خلال رسم شيء جديد على ذات الورقة الممزقة، قد تكون الأربع حجرات هن الزوجات اللاتي يشاركن حياته الحالية والخامسة زوجة سابقة رحلت لربها أو فرقهما طلاق، وقد تكون حية لم يعوض فقدانها الأربع زوجات، فخلت حياته من الروح، وربما تكون محطات حياته؛ الطفولة، المراهقة، الشباب، وحياته الحالية والحجرة الخامسة البعيدة ما يأمله من أحلام في المستقبل، والورقة والمحبرة رمز لتجديد العزيمة وإعادة الهوية وإصلاح ما يمكن إصلاحه والاستمرارية في العمل والتطور، أما الغرفة فهي ترمز للعزلة عن كل من لا يستطيع فهمه، واعطائه الطاقة السلبية تثنيه عن هممه في العمل والاستمرار والإصلاح والنجاح؛ لتكون النهاية غير مغلقة، حيث إن مصير هذه المحاولة مجهول وغامض ترك الكاتب للمتلقي تصورها.
وفي نص مطبات هوائية: “لن تُنسى لك.. هكذا خاطبه برسالة واتسابية حينما ذهب خلفه إلى المطار ولم يستطع مقابلته، حينها رجع وغرس شجرة الرمان خلف منزله يرويها كل يوم”.
النص يرمز للقاءات أو العلاقات الرقمية العابرة.. رسالة الواتساب ترمز للعلاقات والوعود الرقمية، والفشل في المقابلة داخل المطار يرمز للرحيل والغياب المفاجئ، لكن المشاعر صادقة وتحمل الكثير من الوفاء؛ لأن تحول من عالم العلاقات الرقمية العابرة إلى حدث مادي وذكرى واقعية بزرع الشجرة وريها، وليست أي شجرة كشجرة الرمان التي لها مكانة في التراث الإسلامي، حيث ذكرت في القرآن الكريم بكونها من ثمار الجنة، هذا يضفي عليها القدسية والجمال والخلود أيضًا، وهو ما يرمز لمشاعره حينما حصل الغياب خلدت مشاعره وذكراه في صدره وكان الوفاء والإخلاص ينموان بمشاعره بكرة كما تنمو شجرة الرمان. فالنص هنا يلقى قبولًا جميلًا بين العالمين الرقمي والواقعي.
وفي الأخير نص زوج: “تلتفت خلف الباب، ترى (شماغ) زوجها”.
النص هنا مرعب بتكثيفه وإيجازه، فمن خلال كلمتين فقط (شماغ زوجها) بعد جملة التمهيد أبدع الكاتب في خلق صورة شعرية مليئة بالدلالات عن الفقد والوحدة، ليجعل المتلقي في حيرة: هل هو غائب؟ أم ميت؟ أم هناك انفصال حقيقي أو عاطفي! أم أنها معنفة من قبله. أما الباب فيرمز للذكريات التي كان حاضرًا فيها والوقت الحالي الذي لم يتبق منه أو من رجولته سوى الشماغ، فهو البوابة بين الوعي واللا وعي، وبين الحقيقة والوهم.
استطاع الكاتب حسن علي البطران في هذه المجموعة “على باب مغارة” خلق عوالم مصغرة مكتملة الإبداع مليئة بالدلالات، فهي ليست مجرد مجموعة قصصية، بل رحلة إلى أعماق الذات الإنسانية عبر بوابة الرموز والصور السريالية، حيث استخدم الكاتب المغارة كاستعارة للا وعي الفردي والجماعي؛ لتكشف التناقضات، الجروح، والأوهام، كما كانت النهايات غير مغلقة تجعل المتلقي شريكًا في فك شفرات النصوص واستكشاف عوالمها.
*كاتبة سعودية
التعليقات