مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

إعدادـ هدى الشهري هو حُميد بن ثور الهلالي، عاش في الجاهلية والإسلام، كانت له مكا …

حُميد بن ثور.. فارس الكلمة

منذ 4 أشهر

344

0

إعدادـ هدى الشهري

هو حُميد بن ثور الهلالي، عاش في الجاهلية والإسلام، كانت له مكانة متميزة في قبيلته، وقد قضى الشطر الأكبر من حياته في الإسلام، ذكره الأصمعي مع عظماء شعراء الإسلام حيث قال: (العظماء من شعراء العرب في الإسلام أربعة: راعي الإبل النميري، وتميم بن مقبل العجلاني، وابن أحمر الباهلي، وحُميد الهلالي)، ووضعه ابن  سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الإسلاميين، وبعض النقاد رأى أن الشاعر فوق هذه الطبقة لكثرة شعره وجودته وتعدد أغراضه.

أسلم حُميد، وأقبل على الرسول، وأنشده أبياتًا عبر فيها عن إكرام الله لهم بهذا الدين، فقال:

حتى أرانــا ربنـا مـحـمــــدًا

يتلو من  الله  كتابًـا  مـرشدا

فـلـم نكـذب وخررنـا سجـدًا      

نعطي الزكاة ونقيم المسجدا 

وذكر الرواة وأصحاب السيرة أنه يعد من الصحابة الأجلاء، رضوان الله عليهم، الذين اهتدوا بهدي الكتاب، وسنة نبيهم المصطفىﷺ، مع ذلك فقد ظل حُميد ينظم بالمعاني والصياغة واللغة التي عرفت عند الجاهليين، حيث لم يوجد في ديوانه إلا أبيات قليلة يشير فيها إلى بعض الفضائل التي عرفت عند العرب وأقرها الإسلام، لأنها فضائل إنسانية، ترسي دعائم المجتمع، مثل الإشادة بالأمانة في قوله:

أمـليكمـا إن الأمـانـة مـن يخـن

بها يحتمل يومًـا مـن الله مأتمـا

فلا تفشيا سري، ولا تخذلا أخا

أبثكمـا منـه  الـحديث  المكتمـا

وقد نظم حُميد في عدد من الأغراض، منها الغزل والوصف والمدح والهجاء والرثاء، أما الغزل فكان صادقًا يجعلنا نشعر أنه نبع من أعماق قلبه بعدما عانى أشد المعاناة، كما ظهر لديه لون آخر لا يمثل إلا الصنعة الفنية، وضربًا من التعبير الذي يخلو من المشاعر والعواطف الصادقة نحو المرأة، وهذا اللون يظهر في الغزل الذي يصف فيه  المرأة في مظهرها الخارجي، فقد بدت هذه الأشعار كأنها تصور تمثالًا مصنوعًا  أو دمية جميلة تفنن فيها صانعها، ومن أشعار غزله التي نجد فيها هذا الإحساس الصادق، والدلالة على أنه نابع من أعماق قلبه ليصور عواطفه كما كان يشعر بها دون تزايد أو غلو، قوله يذكر امرأة اسمها (جَمْل)، حيث ردد اسمها في كل بيت، ووصفها بصفات لا يذكرها إلا العاشق الولهان، فيقول:

لـو أن لي الدنيا وما عـدلت بــــــــه

وجَمْلٌ لغيري ما أردت سوى جَمْـلِ

أتهجر جَمْلاً أم تلـم على جَــمْـــــــلٍ

وجَمْلٌ عيوف الريق، جاذبة الوصلِ  

وقوله:

ألا ما لـعـيـني لا أبــا لأبــيكــمـــا

إذا ذكرت ليلى تـرب فـتــدمـــــعُ

وما لفؤادي كلما خـطـر الـهــوى

عـلى ذاك فيمـا لا يــواتيه يطمـع  

لم يكن حُميد شاعرًا مداحًا، وقد اقتصر في مدحه على آل مطرف لما عُرِف عنهم من الإقدام والحلم والحكمة والمواقف النبيلة، حتى أصبحت هذه الفضائل سمة تميز كل أفرادها بين القبائل الأخرى، يتوارثونها كابرًا عن كابر، فاستقر العز في بيتهم، وأبى أن يتحول إلى غيرهم،  ومثل هذا المدح الذي لا يصدر عن رغبة أو رهبة، فالشاعر يكون فيه معبرًا عن مشاعره بصدق، لأنه لا يرجو نوالهم ولا يخشى بطشهم، إنما إكبارًا وإعجابًا بهم، ومن ذلك قوله:

لا تـغـزون الـدهــر آل مــطـرف

لا  ظـالـمـا أبــدًا ولا مـظـلــومـا 

كان حُميد مقلًا في الهجاء، ولم يشتهر به بين قومه، لكن ما نظمه من أبيات قليلة في هذا الغرض يدل دلالة قوية على أن سهامه كانت تصيب الهدف، وتحقق الغرض المطلوب، وإن لم يكن فيها فحش وقذف في الأنساب، حتى إن بعض أبياته في الهجاء أصبحت مضرب المثل كقوله يهجو رجلًا:

أتانا ولم يعدله سحبـان وائل

بيانًا وعلمًا بالـذي هـو قائـل

فما زال عنه اللقم حتى كأنه

مـن العـي لمـا أن تكلم باقـل     

وكان حُميد يدرك أن معاني هجائه بالغة التأثير في المهجو، وإن لم يكن فيها سب وفحش، وقد قال في قصيدة توعد بها أحدهم يذكر شدة وقع  شعره على الذين يهجوهم:

قصائد تستحـلي الـرواة نشيدهـا

ويلهو بها من لاعب الحي سامر

يـعـض عليهـا الشيخ إبهـام كفـه

وتخـزى بهـا أحياؤكم والمقابـر  

لم يكثر حُميد من غرض الرثاء، وكانت في رثاء الخليفة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بعد مقتله، وما نتج عن ذلك من تفرقة وحدة المسلمين، وفتح باب الصراع والفتن التي لم يجن منها المسلمون إلا الخراب والاقتتال فيما بينهم، كأنه كان ينظر إلى حال المسلمين في تمزقهم وتفرقهم أحزابًا وشيعًا فيما بعد، قال فيها:

إن الـخلافــة لمـا أظـعنـت ظـعـنـت

عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا

صـارت إلـى أهلهـا منهـم ووارثهـا 

لما رأى الله فـي عثمان مـا انتهكـوا

أما الوصف، فقد كان الشاعر ميالًا بطبعه له، وإن لم يترك لنا قصائد كثيرة فيه مثل ما فعل الشعراء الوصافون في الأدب العربي كالبحتري وابن الرومي وابن خفاجة، ورغم قلتها عنده فإنه ترك لنا صورًا بارعة ودقيقة ومحيطة بالشيء الموصوف، تبين عمق نظرته للوجود، وعلاقته بالكائنات الحية، ومن ذلك وصفه للذئب:

تـرى طـرفـيـه يعســلان كـلاهـمــا

كـمـا اهتز عـود الـسلسـم الـمتتـايـع 

ويعتبرها النقاد من أجود الصور في الأدب العربي في وصف مشية هذا الحيوان الماكر، وقوله:

ينــــام بإحـــــدى مـقـلتيــــه ويـتقـي 

بأخرى الأعادي فهـــو يقظان هاجع

 حُميد  شاعر مجيد جميل المعاني عذب الألفاظ بارع في الكناية والرمز، وقد استجاد ابن قتيبة (الشعر والشعراء) قوله:
أرى بصري قد رابني بعد صحّة

وحسبـك داء أن تصـح وتسلما

ثم قال: «ولم يقل في الكبر (الشيخوخة) شيء أحسن منه».

وخير خاتمة لمقالي ميميته الجميلة التي جمعت بعض عناصر القصة الشعرية في بعض الأبيات القليلة، التي اتسمت  بالتشويق والرمز،  فقد استطاع أن يضفي على الحمامة كل الأحاسيس الإنسانية، فهي تتألم وتفرح وتفكر وتتطلع إلى المستقبل، وتشعر بالنجاح والإخفاق، بل تفصح عن أغراضها مثل البلغاء والفصحاء بلغتها الخاصة في قوله:

وما هاج هذا الشوق إلا حمـامـة

دعت ساق حـر تـرحـةً وتـرنـمـا

ويسترسل في رائعته، قائلًا:

تـروح عـليـه والهًــا ثــم تغـتــدي

مـولهة تبغـي لـه الـدهـر مـطعمـا

تــؤمـل فـيـه مـؤنسـاً لانـفـرادهـا

وتبـكـي عـليـه إن زقـا أو تـألـمـا

فلما اكتسى ريشاً سحاماً ولم يجد

له معها في بـاحـة الـعش مجثمـا

أتيـح لـه صقـر مسـف فلـم يـدع

لـهـا ولـداً إلا رمـامـًا وأعـظـمـا

عجبت لهـا، أنى يكـون غناؤهـا

فصيحاً ولـم تفغـر بمنطقهـا فمـا

فلم أر محزونًـا لها مثـل صوتها

ولا عربيًا شاقـه الصوت أعجمـا

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود