الأكثر مشاهدة

إعداد/ أشواق الرقيب في الوقت الذي يرصد  المشهد الأدبي العربي ازدهاراً  في النشر …

أزمة النقد.. بين غياب المنهجية وتسيّد الانطباعية

منذ أسبوعين

161

0

إعداد/ أشواق الرقيب

في الوقت الذي يرصد  المشهد الأدبي العربي ازدهاراً  في النشر وتنوّعاً في  الأصوات الجديدة، يبرز سؤال مُلح:

أين يقف النقد الأدبي من هذا الزخم اليوم؟

على الرغم من كثافة الإنتاج الثقافي، يعاني النقد من تراجع حضوره في الصحف والمجلات والمنصات الثقافية، ليحلّ محله التعليق السريع والانطباعات الشخصية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا التحوّل لا يؤثر فقط على جودة التلقي، بل ينعكس أيضًا على مكانة الكاتب، والدور التربوي والثقافي للنص الأدبي، ومسار تطور الذائقة العامة.

فرقد الإبداعية تبحث في هذه القضية.. مستجليةً  الأسباب العميقة لأزمة النقد لكونه أداة ضرورية لفهم الأدب وصناعته من خلال حصد آراء نخبة من الأدباء والنقاد حول هذه القضية.. استئناساً بالمحاور التالية:

مع غياب  الناقد الخبير لصالح الناقد السريع والانطباعات السطحية.. في رأيك ما تأثير ذلك على جودة الأعمال الأدبية؟ وما الحل للخروج من هذا المأزق؟

هل ساهمت المنصات الرقمية في تهميش الناقد المتخصص أم أنها قدّمت فرصاً جديدة للنقاد الشباب؟

هل ترى أن النقد الأكاديمي معزول عن الحركة الأدبية؟ وما مدى قدرة الدراسات الأكاديمية على التواصل مع الجمهور؟

 النقد يحتاج  التوازن بين الانطباعية والمنهجية   

يبدأ حوارنا الأديب والناقد عصام البقشي، بقوله: 

وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل العلاقة بين الكاتب، والقارئ، والناقد.
أصبح كل قارئ ناقدًا، وكل رأي منشور يُحسب كنوع من التفاعل النقدي، حتى وإن لم يستند إلى أدوات نقدية أو خلفية معرفية. هذا التحول خلق الانطباعية الجماعية التي تسود أحيانًا على حساب النقد المنهجي الرصين، النقد الأدبي الكلاسيكي يقوم على مناهج واضحة:
بنيوية، تفكيكية، سيميائية، تاريخية، نفسية… إلخ.
اليوم، ومع منصات التواصل، أصبح الحكم على النص يتم بلغة عاطفية، مزاجية، وانطباعية غالبًا.. نعم التأثر موجود.
إنه زخم التفاعل السريع وضعف المساحة الممنوحة للنصوص النقدية العميقة، وهذا قلّل من حضور النقد التخصصي الرصين في الفضاء العام، بل إن كثيرًا من النقاد باتوا يجاملون الذوق العام، أو يكتبون بطريقة قابلة للانتشار، بدل التعمق في النص، ومع ذلك لا يزال هناك نقاد متخصصون يُنتجون قراءات جادة في دوريات أكاديمية ومنصات ثقافية محترفة، ممكن أن يقال إن صوتهم بات أخف وسط ضجيج الانطباعية الرقمية، فالنقد الرصين لم يمت، لكنه بحاجة إلى دعم مؤسسي، ووعي جمعي بقيمته.
والانطباعية رغم سطوتها، ليست عيباً بحد ذاتها، لكنها ليست بديلًا للنقد المؤسس على أدوات ومعرفة.
ما نحتاجه هو التوازن بين الحسّ القرائي والانضباط المنهجي.

الناقد المتخصص هو المسؤول عن انحساره

ويشاركنا الرأي الروائي والناقد محمد البنا من مصر، حيث أفاد: بالإشارة إلى هذه القضية، تراجع دور الناقد الأكاديمي أمام هيمنة النقد السريع.. أشير إلى أن أول ما ناقش هذه القضية كان المفكر البريطاني رونان ماكميلان في معرض كتابه (موت الناقد)، وكان يعني بها موت الناقد الأكاديمي المتخصص، وهي ظاهرة ملحوظة تستحق الاهتمام نظرًا لتوغل القراءات الانطباعية بسهولة ويسر عبر الوسائل الحديثة المتاحة للنشر؛ وسائل التواصل الاجتماعي من منتديات وجروبات إلكترونية، وهذا أدى بدوره إلى تباطؤ التطور الأدبي نتيجة لغياب الناقد الموهوب المتمكن من أدواته النقدية، ولا اقصد به غياب الناقد الأكاديمي حصرًا، ولكن غياب الناقد المهتم الواعي المدرك لسلبيات النصوص وإيجابياتها أمام توحش وسيطرة المجاملات والشللية والتصفيق والإشادة بنصوص ضعيفة.
ثانيًا: ساهمت وسائط التواصل الاجتماعي في ظهور عدد لا بأس به من المواهب الأدبية، لكن هذا العدد قليل وقليل جدًا مقارنة بظهور أدعياء أدب يجهلون أصلًا قواعد اللغة التي يكتبون بها ترهاتهم المسماة -زورًا- أدبًا.
والناقد المتخصص هو المسؤول الأول عن انحسار مده الأدبي؛ ذلك لإصراره غير المبرر على انتهاج منهجية نقدية بدائية جافة لا حياة فيها، مناصبًا العداء لكل ما هو جديد ومتطور ومطوّر لأساليبه النقدية العتيقة.
ثالثًا: أغلب دور النشر ما هي إلا مشروع تجاري يبتغي الربح لا الخسارة، ولا يمكننا أن نلومهم في ذلك، لكن العتب كل العتب على الميديا الإعلامية والثقافية المهتمة بالأدب وانحيازها السافر للوجهة السياسية الموجهة من الأنظمة الحاكمة لخدمة أهدافها المحدودة، ومنها تجهيل الشعوب.
كما أن لدور النشر المشهورة مسؤولية أخري لعدم اهتمامها بالنشء أو صغار الأدباء، وتركيزها على أدباء مشهورين لنشر أعمالهم؛ أي الاعتماد على اسم المؤلف لا على القيمة الأدبية لإبداعه.
رابعًا: أمثالي ممن ينتهجون النقد الحديث نبذل قصارى جهدنا لإلقاء الضوء على الكتابات الجيدة، والمواهب الأدبية الصاعدة، بإبراز جماليات نصوصهم والإشارة إلى مواطن الضعف فيها، وكيفية معالجتها وتطوير إبداعاتهم عبر مقالات ودراسات نقدية تنشر تباعاً وبلا كلل على منصات التواصل الاجتماعي، وأحيانًا في كتب موثقة ورقيًا وإلكترونيًا.

الناقد الأكاديمي في برجٍ عالٍ لم يلتحم بالواقع  

ويرى أ.د عبد الحميد الحسامي، أستاذ الأدب والنقد بجامعة الملك خالد، ضرورة مواجهة الانفلات النقدي، بقوله:

لقد تشكلت في اللحظة الراهنة معطيات جديدة على الساحة النقدية؛ بسبب الطفرة التقنية التي يسرت وسائل التواصل الاجتماعي من ناحية، والذكاء الاصطناعي من ناحية أخرى، هذه المعطيات تؤثر حتماً على واقع النقد، وطبيعة الناقد، بل وطبيعة الخطاب المنقود، فمسؤولية الناقد كبيرة، ومهمته تقتضي التفاعل الحي الخلاق مع قضايا الحياة، والنظرية النقدية، والحركة الإبداعية.

إننا نسير فوق رمال متحركة، وفي وضع استثنائي انتقل فيه النص النقدي من الرصانة إلى السطحية، ومن الإنتاج إلى الاستهلاك، ومن البصيرة إلى العمى.

والحل في هذا يقتضي تضافر جهود مؤسسية، عالمية تعمل جاهدة في تقييم المشهد، وابتكار آليات جديدة في مواجهة (حالة التفكيك المنفلت) والمتسارع، الذي لا تقتصر مخاطره على الناقد فحسب، ولا على النقد، بل على هوية الكائن البشري.

والمنصات الرقمية سيف ذو حدين، فقد كسرت حدة المركزية و(احتكار اللقب) فأتاحت فرص ظهور مواهب جديدة في كل المستويات، فأصبح الناس سواسية في القدرة على التواصل، ومكنت كل فرد من (حق القول) فأصبح (الجمهور) يكتب، بعلم أو دون علم، (أو يسترفد من برامج الذكاء الاصطناعي) كما جنت تلك الوسائل على المتخصص الذي غدا يكتب (كتابة) لا تخلو من ضغط معايير المتلقي الضمني، وهو نخبوي وشعبي في آن؛ ليوصل رسالته، ويكتب الشعبي غير المتخصص (السطحي من القول) فنصبح أمام ركام من الكتابات، ونجد أن القبول يصبح للسريع، والقريب من المفهوم، بل (المختزل)، و(التافه) الذي يستقطب، ويثير، ويستفز، وربما يُضحك، حتى سمي هذا العصر بـ(عصر التفاهة) لتسيُّد التفاهة على غيرها من الخطابات الجادة.

أما النقد الأكاديمي فيمكن أن نقولدون تعميمإنه في الكثير الغالب من حالاته (خارج نطاق التغطية) يكرر نفسه، وقوالبه، وقضاياه، لم يلتحم بقضايا الواقع، وحركة التنمية، فالناقد الأكاديمي في (برج عاجي) يصغي لنرجسية الموقع، دون الإصغاء لحركة الواقع، وتحولات الذائقة. يحتاج النقد الأكاديمي إلى تصويب المسار، والناقد الأكاديمي إلى إعادة تعريف مفهوم النقد، والناقد، والمؤسسة الأكاديمية، في أفق جديد متجدد يعي التحولات الجديدة.

غياب الناقد اختزل  النقد في الذائقة الشخصية 

ويؤكد الأديب والناقد يحي العلكمي، على تراجع منهجية النقد  لصالح الانطباعات، بقوله:  

يشهد النقد الأدبي الحديث أزمة حقيقية تتمثل في تراجع المنهجية العلمية لصالح نقد سريع قائم على الانطباعات العابرة، وهو ما انعكس سلبًا على جودة التلقي الأدبي؛ فغياب الناقد المتخصص أفسح المجال لأصوات غير مؤهلة تُصدر أحكامًا عامة تفتقر إلى التحليل العميق، وتختزل العمل الأدبي في ذائقة شخصية أو إعجاب لحظي، على أني لا أهمل الذائقة بوصفها مرحلة أولية من مراحل المنهجية النقدية. هذا النمط من النقد لا يُسهم في تطوير التجربة الإبداعية، بل قد يضلل القارئ ويُربك الكاتب، ويؤدي إلى شيوع أعمال ضعيفة تحظى بالاحتفاء على حساب النصوص الجادة، ومن جهتي أرى أنّ الحل يكمن في إعادة الاعتبار للتكوين النقدي، وتشجيع النقاد على الجمع بين الصرامة المنهجية واللغة الواضحة القادرة على التواصل.

أما المنصات الرقمية، فقد لعبت دورًا مزدوجًا في هذه الأزمة؛ فمن جهة أسهمت في تهميش الناقد المتخصص، عبر إتاحة المجال لكل من يكتب رأيًا أن يُصنف ناقدًا، ومن جهة أخرى وفّرت فرصًا حقيقية للنقاد الشباب لعرض قراءاتهم وبناء حضورهم خارج الأطر التقليدية. غير أن هذه الفرصة تظل مشروطة بوجود وعي نقدي ومنهجي، وإلا تحولت المنصات إلى فضاء للفوضى الانطباعية.

وفيما يخص النقد الأكاديمي، يمكن القول إنه يعاني قدرًا من العزلة عن الحركة الأدبية الحية، نتيجة لغته المتخصصة وانغلاقه داخل أسوار الجامعة. ومع ذلك، تظل الدراسات الأكاديمية قادرة على التأثير متى ما نجحت في تبسيط خطابها، وربط مناهجها بقضايا النصوص المعاصرة، وبناء جسور حقيقية مع القارئ العام دون التفريط في العمق العلمي.

المنصات الرقمية قدّمت فرصة تاريخية للنقاد الشباب

ومن العراق يشاركنا الحوار  الناقد والأديب الأستاذ سعد الساعدي، بقوله:

يُؤدّي غياب الناقد المتعمّق إلى تسطيح الذوق العام، فتصبح الانطباعات العابرة مقياساً، وتفقد الأعمال الجادّة فرصتها في القراءة التحليلية التي تكشف طبقاتها. الأخطر من غياب الناقد المتخصص هو تطبيع هذا الغياب، حيث يصبح السطح هو المألوف، ويُعد العمق ضرباً من الترف الفكري. هذه الحالة لا تهدد جودة الأعمال فحسب، بل تُغيّر من طبيعة الإبداع نفسه، فقد يبدأ المبدع في إنتاج أعمال تتناسب مع آلية النقد السريع السائدة، لا مع رؤيته العميقة. الحل الجذري يبدأ بإعادة الاعتبار الاجتماعي والمؤسسي لقيمة الناقد المنقب، وليس مجرد توفير مساحة له. كذلك لا يكمن الحل في رفض النقد السريع، بل في خلق تعايش؛ عبر تخصيص مساحات في المنصات الكبرى لقراءات متأنية، ورفع وعي القارئ بأدوات النقد الحقيقية، وهذا جزء من عمل الناقد المحايد المتخصص.

وقد ساهمت المنصات الرقمية في تضخيم الصوت الانطباعي، لكنها أيضاً قدّمت فرصة تاريخية للنقاد الشباب. فلم يعد النشر حكراً على المجلات التقليدية والنقاد الكبار، وبات بإمكان أيّ ناقد جادّ بناء جمهوره الخاص. التحدي هو كيفيّة تمييز الجادّ من السطحي في هذا الفيض، هنا المسؤولية مشتركة بين النقاد والقراء المهتمين بهذا المجال.

يعاني جزء كبير من النقد الأكاديمي من الانعزال بسبب لغته المعقّدة واهتماماته الضيقة أحياناً.. لكنّ دراساته الجادّة تظلّ الأساس الذي يُبنى عليه. المطلوب هو جسر الهوّة: بأن يخرج الأكاديمي من برجه العاجي قليلاً، ويُبسّط لغة نقده دون تفريط في الدقة، ولا يشهر سيفه دائماً على الرقاب الجديدة، وأن تفتح المنصات الرقمية نوافذ لأفكاره التنويرية المنصفة.

المشهد اليوم مشظى، لكنه غنيّ بالإمكانيات. المأزق ليس في أدوات العصر، بل في الاستخدام. النجاح يكمن في تربية جيل من القراء الواعين، ودعم النقاد الجادين (شباباً وأكاديميين) ليُسمعوا صوتهم في الفضاء الرقمي الواسع، مع الحفاظ على مساحات للتأمل العميق. ولا يتحقق ذلك دون إرادة مؤسسية فاعلة، تُشرك النقاد في صناعة القرار الثقافي، وتؤسس لتحالفات بين المنصات الرقمية والمشاريع النقدية الجادة لضمان استمراريتها.

الإشكال لا يكمن في المنصات ، بل في توظيفها

وتعلق أ. د. سحر مصطفى إبراهيم المُعَنَّا، أستاذ البلاغة والنقد بقسم اللغة العربية، كلية العلوم والآداب، جامعة نجران على طرح  فرقد، بقولها:

يشهد النقد الأدبي الحديث أزمة حقيقية تتجلى في تراجع المنهجية العلمية لصالح أحكام سريعة وانطباعات سطحية، يقدّمها ما يمكن تسميته بـ«الناقد السريع». هذا التحول أثّر سلبًا في جودة التلقي الأدبي، إذ باتت كثير من الأعمال تُقيَّم بناءً على الذائقة الشخصية أو الشهرة الرقمية، لا على أسس جمالية وفكرية واضحة. وغياب الناقد المتخصص أضعف وظيفة النقد بوصفه وسيطًا معرفيًا يضيء النص ويكشف طبقاته الدلالية. والخروج من هذا المأزق يقتضي إعادة الاعتبار للتكوين النقدي الرصين، وتشجيع القراءة المتأنية، وربط الممارسة النقدية بمنهجيات واضحة دون إقصاء حسّ التذوق.
أما المنصات الرقمية، فقد أسهمت من جهة في تهميش الناقد المتخصص عبر تغليب المحتوى السريع والانتشار الواسع، لكنها من جهة أخرى وفّرت فرصًا جديدة للنقاد الشباب لعرض أفكارهم والوصول إلى جمهور أوسع. الإشكال لا يكمن في المنصات ذاتها، بل في كيفية توظيفها: فحين تُستخدم لنشر نقد جاد ومبسّط دون تفريط علمي، تصبح رافعة حقيقية للحركة النقدية.
وفيما يخص النقد الأكاديمي، يمكن القول إنه يعاني قدرًا من العزلة عن المشهد الأدبي العام، بسبب لغته الاصطلاحية وانحصاره في الدوائر الجامعية. غير أن الدراسات الأكاديمية تملك قدرة كبيرة على الإسهام في تطوير الوعي الأدبي إذا ما أعادت صياغة خطابها، وفتحت قنوات تواصل مع الجمهور، عبر المقالات الثقافية والندوات والمنصات الرقمية. إن تجاوز أزمة النقد مرهون بتحقيق توازن خلاق بين العمق المنهجي والانفتاح الجماهيري، بما يخدم الأدب والثقافة معًا.

الالتزامات المادية تحد من فاعلية الناقد المتخصص  

ويؤكد د. ربيع عبد العزيز أستاذ النقد الأدبي- كلية دار العلوم – جامعة الفيوم، على فاعلية النقد الأكاديمي وعدم عزلته، بقوله: 

تجرؤ الناقد غير المتخصص، سؤال قديم جديد؛ حذر من عواقبه خلف الأحمر في عصر الشفاهية. وفي عصر الفضاء الأزرق، يستطيع من شاء أن يتجرأ ويصدر أحكاماً نقدية تستحسن أو تستهجن، لكنها لا تشبع الحاجات الجمالية للمتلقي، وإن أرضت أنصاف الموهوبين، وهي تؤثر سلبًا على حركة الإبداع. وتغلبًا على هذا الوضع أقترح أن يكون هناك ميثاق شرف يحدد شروط الناقد المتخصص الذي يعتد برأيه.

لنصارح أنفسنا بأن الناقد المتخصص إذا كان غائباًوهذا حكم يمكن الاختلاف حولهفمرجع ذلك إلى التزاماته المادية التي تجعله يفكر مائة مرة قبل أن يشتري نصًا أدبيًا. وحتى إذا أهديت إليه النصوص، فإن كتابته عنها لن تظهر في مجلة مقروءة أو كتاب يُقْتَنَى إلا إذا ارتبط بإحدى الشلل التي تهيمن على منافذ النشر، أو اقتطع من ماله آلاف الجنيهات؛ ليطبع بها نسخًا معدودات من كتاب يدرك يقينًا أنه لن يستعيد ربع ما أنفق عليههذا إذا استعادهإلا بعد سنوات تطول أو تقصر حسب أهواء الناشر.

ولم تهمش المنصات الرقمية دور الناقد المتخصص، بل هيأت له أن ينشر كتابًا محتسباً، وهيأت فرصاً أكثر للشباب من النقاد المتخصصين والهواة، لكن المشكلة التي تحدق بهذه الكتابات هي غياب القوانين التي تحفظ للناقد ملكيته الفكرية لما ينشر.

وعن النقد الأكاديمي يقول د. ربيع: غير صحيح أن النقد الأكاديمي معزول عن الحركة الأدبية؛ بدليل أنني كتبت دراسات عن رواية يناديها روح لنهى عاصم، ورواية أنا مي زيادة لعلي حسن، ورواية (الهامسون) لهالة البدري، ورواية خطوات على جبال اليمن لسعد القحطاني، وديوان مسقط قلبي لسمية محنش، وقصيدة سدرة المعنى لسمير فراج، وديوان حال من الورد لعبد الحكم العلَّامي، وديوان أبواب كثيرة لعدن لمنال رضوان، وديوان لو تطلبين العمر لبسيم عبد العظيم، وديوان فليهنك النصر لمحمد إياد العكاري. ولا بد أن كثيرين غيري من النقاد الأكاديميين اتصلوا بالحركة الأدبية وكتبوا عنها دراسات نقدية عدة.

المنصات الرقمية أضعفت سلطة الناقد المتخصص

ويقترح  د. صالح الحارثي، أستاذ مشارك في الأدب والنقد بجامعة نجران، حلولاً للخروج من أزمة  النقد الأزلية:

لم تكن أزمة النقد الأدبي وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة تعود إلى تحوّلات عميقة في بنية التلقّي الثقافي، وفي علاقة القارئ بالنص، والناقد بالمؤسسة، فحين تراجع حضور النقد المنهجي الرصين، لم يخلُ المشهد من أصوات بديلة، لكنها في الغالب أصوات سريعة، انطباعية، تتكئ على الذائقة الفردية أكثر مما تتكئ على أدوات التحليل والفهم. لقد أسهمت المنصات الرقمية في تكريس هذا التحوّل؛ إذ أتاحت للجميع حقّ التعليق، لكنها في الوقت نفسه أضعفت سلطة الناقد المتخصص، ليس لأن النقد الأكاديمي فقد قيمته، بل لأن إيقاع العصر لم يعد يصبر على القراءة المتأنية، ولا على المصطلح المركّب، ولا على النص التحليلي العميق. هنا لا تكمن المشكلة في «الجمهور»، بقدر ما تكمن في غياب الوسيط القادر على تحويل المعرفة النقدية إلى خطاب قابل للتداول. أما النقد الأكاديمي، فعلى الرغم من ثرائه النظري وصرامته المنهجية، فقد أسهمفي كثير من الأحيانفي عزل نفسه داخل أسوار الجامعة، مكتفيًا بالتخاطب مع نظرائه، ومفوّتًا فرصة الانخراط الفاعل في الحراك الثقافي العام. وبين هذا وذاك، ضاع النص الأدبي بين انطباع سريع لا يُنصفه، ودراسة أكاديمية لا تصل إليه.

إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بإقصاء طرف لحساب آخر، بل بإعادة بناء جسور التواصل بين النقد الأكاديمي والنقد الثقافي، وتكوين ناقد يمتلك الأدوات، ويجيد اللغة، ويعرف جمهوره، دون أن يفرّط في المنهج أو يقع أسير الانطباع. فالنقد، في جوهره، ليس حكمًا عابرًا، بل فعل فهم، وممارسة وعي، وشريك أصيل في صناعة الأدب، لا في استهلاكه فقط.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود