الأكثر مشاهدة

حوار: الدكتورة موج يوسف  * اليوميات ذاكرة مضادة للخداع. * حين تتحوّل السيرة إلى …

الدكتور عبدالله بن إبراهيم: السرية.. هي الجزء الجوهري في كتابة السيرة الذاتية

منذ أسبوعين

330

0

حوار: الدكتورة موج يوسف 

* اليوميات ذاكرة مضادة للخداع.

* حين تتحوّل السيرة إلى شهادة تاريخية.            

* الخمسون الحدّ الفاصل بين الجهر والكتمان.

* حين تكشف اليوميات ما تعجز الذاكرة عن قوله.

* غواية السرد وامتحان الحقيقة.

ناقدٌ وفيلسوفٌ سرديٌّ، جعل من الثقافة أفقًا للتأمّل، ومن السرد مختبرًا لفهم الإنسان وتحوّلاته. اشتغل على تفكيك الخطابات، ومساءلة الذاكرة، وربط التجربة الفردية بسياقاتها التاريخية والمعرفية، فكان حضوره علامة فارقة في الدرس الثقافي العربي. في مشروعه تتجاور الفلسفة والنقد، ويغدو الاعتراف معرفة، والسيرة سؤالًا، والنصّ مرآةً للعالم بقدر ما هو مرآةٌ للذات.

ضيف شخصية العدد الدكتور: عبدالله بن إبراهيم.

أستاذ جامعي من العراق، متخصّص في الدراسات الثقافية والسردية. وهو عضو الهيئات الاستشارية والعلمية في عدد كبير من مراكز البحوث والمجلات العلمية، وعضو الهيئة العلمية لمعهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا، وشغل وظيفة أستاذ جامعي في عدد من الجامعات العربية، حاصل جائزة الملك فيصل العالمية في الآداب لعام 2014، وجائزة الشيخ زايد في الآداب لعام 2013، وجائزة سلطان العويس الثقافية في الدراسات النقدية عام 2023، وجائزة شومان للعلماء والمفكرين العرب 1997، وله كثير من المشاركات العلمية والنقدية المتنوعة.

 غواية السرد وامتحان الحقيقة.

 حدثنا عن سرّ شغفك بالسيرة الذاتية؟

أبدأ حديثي باعتراف لا يصحّ كتمهُ في هذا الحوار، فمن بين الأنواع السردية، أنا فعلا شغوف بالسيرة الذاتية، وأراها من الآداب الأصيلة، ففيها من الحقائق الواقعية بمقدار ما فيها من التخيّلات الرابطة بين الأحداث، والتجارب، والأفكار، والآراء. ويعود شغفي بها إلى طبيعة علاقتي بالسرد، وهي علاقة لم تمكث على حال واحدة، فقد انجذبتُ إليه منذ مقتبل عمري، وانغمست فيه قارئًا لا يروى ظمأه، وكاتبًا بدوام كامل مدة طويلة أثمرت عن مؤلّفات غطّت معظم أنواعه من المرويات السردية القديمة، والحكايات الخرافية، والسير الشعبية، والمقامات العربية، وآداب الارتحال، إلى الرواية، والقصة القصيرة، ثم السيرة الذاتية، فالسرد الذي تتداخل طبقاته التمثيلية والتخيلية لا يُسبرُ غوره، وجيّده محل خلاف ما دام العالم الحاضن له، والحوافز الباعثة عليه، بمنوال دائم من التغيير.

حين تتحوّل السيرة إلى شهادة تاريخية.

هل ذلك هو السبب الذي حفزك لكتابة سيرتك الذاتية (أمواج)؟

نعم، في إطار علاقتي الوثقى بالسيرة الذاتية أقدمتُ على كتابة سيرتي مراعيًا أعراف نوعها السردي، ولم تكن غايتها تعبيرًا عن زهو فردي، ولا تمثيلًا لغرور شخصي، إنما وجوب ترك شهادة موثّقة عن بلادي في إحدى أخطر حقبها في التاريخ الحديث، فكان أن انتهيت إلى شهادة تداخلت فيها التجربة الخاصة بالعامة، فلا انفكاك بين الاثنتين وقد انتظما في مدار صهرهما معًا حتى لا سبيل  إلى التفريق بينهما. وكون كتابة السيرة الذاتية تضع صاحبها تحت طائلة المساءلة التاريخية، فلا يكفي فيها صدق القول، وصراحة الرأي، والإخلاص في النيّة، والعدل في الحكم على الأمور، إنما تلزمه صوغ مادتها صوغًا مخصوصًا ينقلها من نطاق الواقع إلى  مدار الخطاب، بما يجعلها تنتسب إلى عالم الأدب أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع، فما يتهدّد السيرةَ الانسياقُ إلى تقرير الأحداث كما وقعت، فذلك يجرّدها من الأدبية، ولإدراج كتابتها في نطاق السرد رغم مواردها الواقعية ينبغي اقتراح طريقة تعبير ترتفع بها عن الواقع دون أن تقطعها عنه، وذلك هو الرهان الشاقّ للكتابة قولًا وفعلًا.

ما نصيب التخييل في كتابة السيرة الذاتية؟

بكتابة السيرة الذاتية تنتقل تجربة حياة المرء من كونها حدثًا واقعيًا إلى كونها حدثًا خطابيًا، غير أنّ دور الكتابة لا يقتصر على ذلك، بل يتعدّاه إلى ابتكار تجربة تتصل وتنفصل، في الآن نفسه، عن الأحداث الواقعية. تتصل بها في أنها تتولّى تمثيلها، وتنفصل عنها في أنها تذهب إلى تخييلها، وليس المقصود بالتخييل، في هذا السياق، الاختلاق، والافتراء، بل جعل الحدث الواقعي نواة لحدث سردي، بإعادة تأويله في سياق ناظم من الأحداث، ومن ذلك، فتجربة الحياة لا حبكة فيها، فهي تعاقبُ أحداث، واستنباتُ وعي، وخوضُ تجارب، إنما الكتابة هي التي تقترح لها حبكة رئيسية، أو مجموعة من الحبكات الثانوية، وهذه البؤر السردية الصغيرة الجاذبة للوقائع، أو تلك الكبرى الناظمة للأحداث، من ابتكار التخييل السردي، لذلك في الوقت الذي تكون فيه الوقائع المتعاقبة من نتاج التمثيل، فإن المجمل العام للتجربة الذاتية من صنيع التخييل. إنّ عقد التخييل في كتابة السيرة الذاتية، وقوامه الظنّ والتخمين، لا ينقض عقد التمثيل فيها، وقوامه التأكيد واليقين؛ فالتمثيل يجعل التجربة المصاغة بالكتابة امتدادًا للتجربة المعاشة فعلًا، والتخييل يجعلها موازية لها. يحدث ذلك لأنّ المادة السردية لا تقتصر على لُبّ واحد يمكن الإحالة عليه باعتباره نواة صلبة للتجربة، إنما تتألف من مجموع لِباب ينصهر في مادة سردية متماسكة، فينقلها التخييل من حال الانفراط إلى حال الانعقاد، وعليه، فلا سبيل إلى إغفال التلازم بين التمثيل والتخييل في كتابة السيرة الذاتية.

السريّ والخاص والعام هي هندسة البوح في السيرة الذاتية.

أنت من القائلين بلزوم أن تمزج السيرة الذاتية بين السريّ والخاص والعام، فكيف يتحقق ذلك في كتابة السيرة الذاتية؟

تكتسبُ السيرة الذاتية هويتها النوعية، في تقديري، إلا بطرق باب المنطقة السريّة في حياة صاحبها، تلك المنطقة الجوانيّة غير المعرّفة من أحد، وإلا فستفقد جزءًا كبيرًا من وظيفتها، فالسريّ هو ذلك الجزء الجوهري في كلّ كتابة ذاتية. وتتباين المواقف من نصيب السريّة الممكن البوح بها، بل حتى المقصود منها. فما هو السرّي المترسّب في قاع التجربة، وتتكفّل السيرة بنفثه، والإعلان عنه؟ إنه مزيج من التجارب المكتومة، والمعتقدات المستورة، وقد بقيت طيّ الكتمان خشية من أذى يلحق بصاحبها، أو خجلًا من إساءة الفهم، أو مراعاة للأعراف العامة، أو حتى تستّرًا على الضعف والهشاشة، أو القسوة والفظاظة، فالاحتراس، والاحتشام، والاعتبار، أسباب كافية لحجب كثير من التجارب الذاتية والمعتقدات الشخصية التي تجثم في دهاليز الذات.

ذلك هو السرّي بالإجمال، ليس بالتفصيل، ومآله الحجب، فهو مرغوب لكنه محظور، وينظر إليه على أنه من الآثام التي لا يجوز التصريح بها في المجتمعات التقليدية، فيبقى حبيسًا بالإكراه. وكيلا يتلاشى، ويندثر، ويمّحى ذكره، وهو من الحصائل الأساسية للتجربة الذاتية، فيلزم البوح به كتابةً بما لا يجرح أحدًا، ولا يخدش حرمة. ورغم أهمية السريّ في السيرة الذاتية، فالانهمام به قد ينتهي بها إلى أن تكون سجلًا نرجسيًا، كأن الذات تتمرأى بمرآتها، وليس بمرآة العالم الذي عاشت فيه، وهو هوس انطوائي يحول دون انفتاح الذات على العالم الذي عاشت فيه.

وبما أنّ الغاية الأساسية لكتابة التجربة الذاتية إقامة صلة تفاعل مع العالم، فيجب كبح الافراط بالسرّي، والتمادي فيه، إلا ما يقوّي من أركان التجربة، وذلك بالالتفات إلى ما هو خاص، ويتمثّل الخاص بتجارب النشأة، وتطوّر الوعي. واكتساب الخبرات، والنهوض بأعباء الحياة، وجعله الركيزة الثانية للسيرة الذاتية يوسّع من آفاق التجربة الذاتية، ويوصلها بتيار التجارب النظيرة لها. وفي نطاق الخاص يتنامى وعي الفرد بهويته، والتعرّف إلى نفسه، وإدراك فرادته بين أقرانه، وذلك يخلع على السيرة تميّز بنيانها الدلالي بين سائر تجارب الكتابة الذاتية، فالذوات محكومة بالتماثل في الخلق، ويكمن اختلافها في تنوّع تجاربها الخاصة، ولا سبيل للتفريق بينها إلا بالتصريح بما هو خاص بكلّ تجربة من تلك التجارب.

ولا تتحقّق غاية السرّي والخاص إلا بالانتظام في مدار العام، المتمثل بالسياق التاريخي الذي يعيش المرء فيه تجربة حياته، فذلك السياق هو الذي يغذّي التجربة بقيمتها في أن تكون إحدى مآثره، وفي أن يكون مانحًا لمعناها، فلا يُستحبّ انقطاع السيرة الذاتية عن أن تكون شهادة على حقبة من حقب التاريخ، فإن حدث ذلك الانقطاع تنفصل التجربة عن مرجعيتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، وتذبل حتى تتلاشى، فتنطوي كأنها نبات لا جذر له، ولا يتحقّق مطلبها إلا بالجذر الضارب في عمق الزمان والمكان اللذين عاش فيهما صاحبها، فبمقدار ما تكون السيرة الذاتية شهادة على حقبة من حقب الزمان، تكون تلك الحقبة حاملة لها، ومثرية لدلالاتها.

هل ترى أن الأمر متاح لأصحاب السير الذاتية، وهل أخذوا ذلك في حسبانهم عند الشروع في الكتابة؟

أحسبه متاحًا، وضروريًا، وقد يبدو مقترح المزج بين السريّ والخاص والعام بغاية الانتهاء إلى سيرة ذاتية جديرة بالتقدير تجريدًا نظريًا ذا نزعة تعليمية، لكنه يكتسب شرعيته حينما يتقن الكاتب صهر الأركان الثلاثة، ويجيد حبكها، واختيار الوقائع الدالة عليها، وفي كلّ ذلك لا يصحّ اعتبار الذات مرجعًا نهائيًا في الحكم على الأحداث والأشخاص، فإن حدث، فذلك دليل على هوس يطعن بالتجربة التي لا تنشأ، ولا تتطوّر، ولا تكتمل إلا في سياق عام تتنزّل فيه، ويتجلّى هو من خلالها. وبذلك المنوال من التداخل يتيسّر لكاتب السيرة تقديم شهادته على الحقبة التي عاش فيها، بما يكشف تطوّر وعيه بأحداث زمانه، وإلا جاءت سيرتُه خالية من الأهمية التاريخية. فإن كان للسرد من أعماق بعيدة الغور، فأعماقه في السيرة الذاتية التي تعنى بالأركان المذكورة من دون تغليب ركن على آخر.. ولا بإهمال أيّ منها. وأحسب أنّ سيرة ذاتية لا تراعي ذلك في طريقة الكتابة، وبناء الأحداث، وأسلوب التعبير، لن تندرج في نوع الكتابة السردية. ولا يحمد لكاتب السيرة الذاتية النظر بتحيّز مسبق إلى تجربته بأنها منزّهة عن الأخطاء، ولا يجوز له، بذرائع أخلاقية أو دينية أو اجتماعية أو سياسية، طمس ركن، والتمادي في إظهار آخر. وإنْ حدث الإنكار من طرف، والمبالغة من طرف آخر، فيتعذّر استقبال السيرة بنوع من التقدير مهما كان شأن صاحبها. وحصيلة ما أشدّد عليه هو أنّ صهر السري بالخاص بالعام، يشكّل المقوّم الرئيس لكتابة السيرة الذاتية، ويفضّل أن يؤخذ بأعلى درجات الاهتمام عند الشروع في الكتابة، وإلا انتقض بنيان السيرة بكامله.

الاعتراف كبح النرجسية واستعادة الصدق.

في سيرتك الذاتية (أمواج) جرعة عالية من الاعتراف.. ما الغاية من ذلك؟

لقد شاع القول بأن السيرة الذاتية وصف تجربة فرد في علاقته بأحداث جسيمة عاصرها، فتُكتبُ لتكشف دوره في صنع الأحداث التي عاشها أو عاصرها. وقد تصدّع ذلك التعريف عندي بمضيّ الزمن، كونه يغفل منظور الشخص لتجربته، ويطمس رؤيته لعالمه، كما أنه يهمل ما أعدّه البطانة الذاتية للتجربة الذاتية، وهو تطور الوعي، والتحولات الفكرية، والتجارب السريّة، فكأن السيرة بمفهومها القديم تاريخ ناجز، فيما المفهوم الجديد يجعلها نصًّا قيد التشكيل على نحو غير قابل للنفاذ. ومن بين سائر ما يُحسن الاهتمام به، الاهتمام بكشف التوتّر بين المرء وعالمه، وبيان ضروب التنافر أو التآلف مع العالم، ولا يتأتّى ذلك لشخص انصهر في العالم ونسي نفسه، بل لشخص وضع مسافة بينهما، وامتلك شجاعة الحركة ذهابًا وإيابًا بتطواف جسور يخترق الحدود الرمزية بين هذا وذاك. ويتمثّل معظم ذلك في مقدار جرعة الاعتراف في كتابة التجربة الذاتية، فالتجارب الذاتية سجل شامل للإخفاقات والنجاحات، وتخطّي العثرات، وفيها كل ما يسرّ القارئ، ويقبل عليه، وما يغيظه، فيعرضُ عنه. ومعظم الكتّاب يكتمون تجاربهم الخاصة، ناهيكم عن السريّة، فيطمرونها كعار، وبها يستبدلون تاريخًا مجيدًا لهم، بأن يراوغوا، أو يمّوهوا، وربما يزينوا، أو يلطّفوا، فيزوّرون تاريخًا ذهبيًا لهم لا أصل له.

تُحدثُ جرعة الاعتراف، بما في ذلك الاعتراف بالأخطاء، توازنًا في مسار التجربة الذاتية عند المتلقّين، ففضلًا عن لزوم الاعتراف فيها، فهي تحول دون التمادي ببيان المحاسن، والحرية في الحكم على أفعال الآخرين، بالاعتراف تكبح النرجسية التي تعمي البصائر في تنزيه الفرد عن الأخطاء، فيحلّ الاعتراف بالخطأ، والعمل على تعديله، محلّ إنكاره أو التغافل عنه، فما دام كاتب السيرة قد احتمى بالنصّ الذي كتبه بنفسه عن تجربته، فلا سبيل للحكم عليه من دون انتهاك تلك الحصانة إلا بأن يدلي هو ذاته بدلوه في بيان عثراته، ولا تخلو حياة أيّ امرئ من الأخطاء المتباينة في شدتها بين فرد وفرد. وأحسبُ أن المرور على الأخطاء، وبيان كيفية الانزلاق إليها، يوفّر درجة من الموضوعية في جعل كاتب السيرة غير منزّه عن اقتراف الأخطاء، ولا يوثق بسيرة لا يلتفت فيها صاحبها إلى بيان أخطائه، وذكر زلّاته، وكشف عثراته، والسعي إلى تداركها، أو إقرارها، ولو حدث ما يخالف ذلك لانكشف زيف حياة لم تشبها شائبة، فإن وقع صوغها في سيرة ذاتية، فلا يجوز الوثوق بها.

ما دمت ترى الأمر بهذه الكيفية، فالكتابة الذاتية لا بد أن تكون جسورة، ولا بدّ لكتابها أن يكون شجاعًا، وإلا تعذّر عليه البوح بما طوته تجربة حياته.

أحبّذ لكاتب السيرة ألا يؤخّر كتابة سيرته أكثر مما ينبغي بذريعة اكتمال تجربة حياته، فتجربة الحياة لا تكتمل أبدًا؛ لأن النسق الاجتماعي والديني والسياسي في المجتمعات التقليدية نسق قاهر، وسوف يُطبق عليه، فيحول دون الإفصاح عن التجربة التي عاشها، وعلى ذلك، لا أحبّذ تأخير كتابتها، وإن فاته أوان كتابتها لأيّ سبب، فالأفضل الانصراف عنها بدل تقديم سيرة زائفة. فلماذا أشدّدُ على أن يكتب المرء سيرته قبل فوات الأوان؟ في الآتي جواب لذلك: كلّما تقدم العمرُ بالمرء تنطفئ حرارة التجارب في داخله، ففي مجتمع مجهّز بنظام ضاغط من قيم الامتثال والولاء، تتراجع فردية المرء، وتنحسر استقلاليته، فينتهي مرائيًا أكثر منه قادرًا على التعبير عن هويته، ونفسه، وتجاربه، وأخطائه، وعيوبه؛ لأن الاعتراف يُنبذه من سياق أصبح -بفعل الكِبَر- بحاجة إليه، فلا يستبدل بسياق اجتماعي وديني أطبق عليه سياقًا حرًّا في بناء تجربة حياته. والغالب أن يضحّي بهذا من أجل ذاك، فيتغاضى عن أثمن التجارب التي مرّ بها لكي يخرج من الدنيا طاهر الذيل، عفيف السمعة. وذلك لا يدرجه أبدًا في فئة كتّاب السيرة الذاتية الذين يشار إليهم بالبنان، ولا يجعل لسيرته شأنًا بين السير الذاتية المرموقة، فشرط الكتابة السيرية باعتبارها خطابًا سرديًا غير شرط الحياة بوصفها تجربة اجتماعية معاشه.

الخمسون الحدّ الفاصل بين الجهر والكتمان.

هل لديك عمر افتراضي لكتابة السيرة الذاتية؟

أفترض أن يكون سنّ الخمسين حدًّا بين مرحلة القدرة على الجهر بالأشياء، ومرحلة التكتّم عليها، فثمة خطّ وهمي يفصل بين حقبة القوة وحقبة الضعف، أي بين التفرّد والامتثال، وما يتمكّن المرء من قوله وهو قوي لا يتمكّن من الإفصاح عنه وهو ضعيف؛ فنبرة التودّد، والخجل، والمواربة، والاسترضاء تستفحل في الحقبة الثانية، فيغيّر المرء أو يزيف معظم ما وقع في الحقبة الأولى، فتجارب التكوين الذاتي تتشكل بمعظمها في العقود الخمسة الأولى من حياة المرء، واستعادتها في المرحلة الثانية، هو نوع من اقتلاعها وترحيلها إلى غير زمانها، وذلك يُحدث هوة لا تردم بين التجربة والإحساس بها.

حينما يكون المرء مدينًا لمرحلة من مراحل حياته، يتعذّر عليه روايتها بأمانة، وسيقع تحت طائلة التحيّز، بل ويسبغ عليها ما يرغب فيه الآخرون، تجنبًا لإثارة لغط سينبثق في الوسط الاجتماعي الذي ينتمي إليه، فهو يريد أن ينتهي بريئًا قبل أن يطبق عليه جفن الردى، وهو بحاجة إلى شهود على براءته، وليس مشاركين له في تجربته الحقيقية، فكأنّ الحياة، في المجتمعات التقليدية، تهمة ينبغي ختمها بصكّ براءة ليذهب الناس إلى الجنة. وقد سعيتُ في سيرتي الذاتية (أمواج) إلى تخطّي تلك الهوّة، ففيها اعترافات تعذّر كتمها، وآراء جهرت بها جهرًا عن العراق في حقبتي الاستبداد والاحتلال، ومع ما ترتّب على ذلك من سوء تأويل، وتقويل، وحتى افتراء، فقد أخلصتُ فيما أردتُ قوله ووصفه.

هل كان ذلك محفزًا لك لكتابة سيرتك دون الخمسين؟

فعلًا، لقد عزمتُ على كتابة سيرتي الذاتية، وأنا دون الخمسين، وقد شرعت في ذلك، وانتهيت من صيغتها الأولى، لكن تأخر نشرها لانكبابي على إعادة صوغها مرات عدة، فبقيت مداومًا على إعادة النظر فيها مدة طويلة، وفي كل مرة كان يقع استبعاد أشياء وإضافة أخرى غيرها، ولزم الأمر السفر من قطر حيث كنت أقيم إلى العراق لاستعادة يومياتي التي أخفيتها قبل مغادرتي بلادي في أول تسعينيات القرن العشرين، واعتمدت على اليوميات في تحرير كامل السيرة – ما عدا الموجة الأولى عن الطفولة والصبا – وجرت كتابة السيرة وتحريرها في الدوحة وإسطنبول بين الأعوام  2001- 2015. وحملت قصة العراق المُركّبة سياسيًا واجتماعيًا ودينيًا وتاريخيًا، وهي قصة شائكة تقع في مركز اهتمام السردية العالمية، ولها تداعيات كثيرة في بلاد المشرق والمغرب. ومعلوم بأنّ أشهر كتب السير الذاتية كتبها أصحابها وهم في منتصف أعمارهم تقريبًا.

اليوميات ذاكرة مضادة للخداع.

هل ينبغي الاعتماد على اليوميات في كتابة السيرة الذاتية؟

طبعًا، وأشدّدُ على وجوب اعتماد كاتب السيرة على يومياته أو على الوثائق التي في حوزته، فلا يخلف ذلك أبدًا، وأراه من اللوازم القاطعة كيلا تمارس الذاكرة خداعها في تغيير الأحداث، واختلاق ما لم يحدث منها، فاليوميات هي السجل الذي يودع المرء فيه تجاربه الحقيقية، وتطور وعيه، واكتشافه لنفسه وللعالم الذي يعيش فيه، وبدونها تحجب معظم الأحداث وراء ستار النسيان. ولا يقنعني أيُ حجاج بأنّ الذاكرة أمينة على أحداث أولى أعقبتها أحداث لاحقة، ويمكن استعادتها بسياقها بعد عقود من الزمان، فاليوميات، إذا كانت أمينة في تدوين تجارب صاحبها، هي السجل الكاشف لحال كاتب السيرة، وهي المادة الخام التي يلوذ بها لاستعادة الأحداث التي عاشها، ولا يجوز له تغيير ما كان عليه من وعي، وحال، ورؤية في مقتبل عمره استجابة لشروط ما انتهى إليه منها شيخًا هرمًا، فالسيرة تقتضي الأمانة في تمثيل التجارب لا اختلاقها، أو تزييفها، أو تلطيفها.

إذًا، لديك سجلّ كامل لحياتك بكامل أحداثها، هل لي أن أقول بوجود حياتين لك: واحدة حقيقية، وواحدة سردية؟

لك قول ذلك، فمنذ مقتبل عمري كنت ولوعًا بتسجيل الخواطر، ثم قطعت ذلك بأن بدأت أدوّن يومياتي في شتاء عام 1976، وقد مضى على ذلك -حتى عام 2025- نحو خمسين سنة استقام خلالها لديّ سبعة عشر مجلدًا منها، فيها ذكر تفصيلي دقيق لما مرّ بي من أحداث، وما خضت من تجارب، وما كنت شاهدًا عليه طوال تلك العقود الخمسة بأحوالها السريّة والخاصة والعامة. وباستثناء الموجة الأولى في سيرتي، وعنوانها (بيضة الريح) التي كُتبت من الذاكرة، فإن الموجات العشر الأخرى انتفعتْ من اليوميات التي أنزلت الأحداث في الزمان وفي المكان، وفيها تجاربي الشخصية، وآرائي الصريحة، والأحداث الجسيمة التي عاصرتها.

انصهرت تلك التجارب في شكل سردي اصطلحت عليه بالأمواج، واهتديت له، وأنا أواظب الوقوف متأملًا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وساحل الخليج العربي، خلال عملي في ليبيا وقطر، فلفتتني الأمواج المتعاقبة تنبثق من وسط الماء، وتتبدّد على سواحله، فبذرت عندي فكرة لم أنتبه إليها من قبل، وهي أنّ مراحل حياة الإنسان كالأمواج تتدافع ثم تتلاشى، فاستعرته شكلًا سرديًا في كتابة سيرتي. وعلى فكرة متوالية الأمواج بنيتُ فصول الكتاب، وكما أنّ الأمواج تكون هائجة أحيانًا، وهادئة أحيانًا، فكذلك هي أمواج سرد السيرة.

حين تكشف اليوميات ما تعجز الذاكرة عن قوله.

أراك قد جعلت من اليوميات المصدر الأساسي في تمثيل تجربة الحياة؛ فرفعت رهان كتابة اليوميات إلى مستوى أكثر مما يتوقع القراء، هل كنت مدركًا لذلك منذ البداية؟

في الحقيقة لم أكن أدرك ذلك تمام الإدراك إلا بعد الانكباب على كتابة سيرتي الذاتية، فقد وضعت تحت يدي سيلًا من التجارب الصادقة، والأفكار الصريحة، كان من المُحال استعادتها من الذاكرة. والحال، فقد ذهلتُ وأنا أخوض في آلاف الصفحات من اليوميات الصادمة في صدقها، فوجدت مئات الوقائع قد تداخلت وتتابعت، ثم تآلفت وتناقضت، وفيها كل مظاهر الغرور لشاب انخرط في العالم دون أن يفهمه، وأهم ما كان في أجزائها الأولى الانبهار، والدهشة، وضآلة الوعي، ثم محاولات فهم العالم المحيط به، وفهم نفيه، وانتقال اليوميات من خواطر إلى تحليل مستفيض، ثم ميلها الواضح إلى توثيق الأحداث، ومنها الحروب الثلاثة التي انزلق العراق إليها منذ عام 1980 وما أعقبها من نزاع أهلي خطير.

ليس ذلك هو الشيء المهم في تلك اليوميات فحسب، إنما المهم، أيضًا، هو أنها حوت على اعترافات كاشفة عن بدايات تشكّل الوعي، وتخبّطاته، وانكساره، وخلال الكتابة كنت في منأى عن الشعور بالخوف، لا بالإثم، وأنا أنغمس في صفحات ذلك السجل، وأنهل منه ما صاغ تجربتي، ورؤيتي. وهويتي، وما شهدته بلادي من مشاقّ وويلات.. ولم أهمل أيًّا مما وجدته يدعم ذلك بأيّ ذريعة.

في ضوء حديثك.. أفترض أنك قلت الحقيقة في (أمواج) ولم تخف رأيًا انتهيت إليه، ولا تجربة خضتها طوال حياتك.

سيرتي الذاتية ليست كتاب استرضاء لأحد كائنًا من كان لا قريبًا ولا بعيدًا، بل مدونة لذات إنسانية، جعلتها الأحداث تتفتت، ثم تتناثر، وتنتهي بغير ما كانت تحلم. وقد غشتني، خلال الكتابة، مخاوف من ألاّ أتمكن من ذكر الأشياء حينما يتقدّم بي العمر، وينبغي قولها وأنا على مشارف الخمسين. وقد كشفت السيرة شخصًا تورط بأخطاء الجاهل، وسيطر عليه الوعي الزائف بما وقع في بلاده، ومرّ زمن طويل قبل أن يكتشف ذلك، ويسعى إلى معرفة الحقائق بما يعتقد أنه وعي أصيل. وإبان الكتابة، والتحرير، والتنقيح، وقد استغرق ذلك حوالي خمس عشرة سنة، سيطر عليّ الصدق فيما ينبغي أن أكتب، وهو صدق نسبي، يتضح في كثير من الأحيان أنه سيل من الأخطاء في ضوء الأحداث اللاحقة، فما كنت عليه في موجة من وعي وخبرة وتجربة ليس ما أصبحت عليه بكلّ ذلك في موجة أخرى، ومثلما لا يجوز تضخيم ما حدث في هذه، فلا يجوز حجب ما حدث في تلك، فكاتب السيرة ليس كائنًا مسبق الصنع، إنما كائن في حال من التغيير. ومن العار أن يصوغ لنفسه كمالًا ما وجد في أيّ يوم من الأيام، فالنقص فيه معادل للكمال، وكلاهما من التاريخ الشخصي، فلا ينبغي محوه، ولا الخجل منه. ومن الحيف إنكار التجارب المتقلّبة في حياة الإنسان، وإظهار ما يرغب فيه منها، وإبعاد ما لا يرغب فيه. والتهمت (أمواج) المادة الخام في اليوميات، ونفثتها سردًا ذاتيًا.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود