9
0
11
0
18
0
26
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13596
0
13440
0
12273
0
12169
0
9619
0
كتبته: فاطمة الشريف
عبر مقالاتٍ متتابعة، وبرؤيةٍ طموحة والتزامٍ واع، تشكّلت ذاكرة الزاوية، وكان هدفها الرئيس كما نوّهت عنها في مقالي الافتتاحي لتأسيس الزاوية، بأن الأدب وفنونه المتنوّعة وصفات واقعية ووقائية، وصياغاتٍ جديدة للحياة، وكبسولاتٍ شفائية لجودتها، فالأدب بوابة واسعة تدخلها للتعرف على الطبيعة الإنسانية وتجاربها المتنوعة، وعلاقتها مع الذات والمجتمع والكون، في حقب زمنية متسلسلة، وعبر الأجناس أدبية متنوعة في الأدب الإنجليزي تحديدًا مثل الشعر والمسرح والرواية، وبما يحظى من لغة مرنة متطورة تعاملت مع قضايا النفس والهوية والعدالة، ما جعله أدبًا إنسانيًا ذا بعد عالمي.
لقد قدّم الأدب الإنجليزي للعالم أدبًا مناضلًا ومقدامًا، عاش قرونًا وهو يجوب الآفاق، راصدًا تحوّلات فكرية واجتماعية وسياسية عميقة، ومواكبًا انتقالاتها، ومفسحًا المجال لأصوات أدبية من المستعمرات البريطانية الكثيرة. فإلى جانب الأدب البريطاني الذي استرجعنا مراحله في هذه الزاوية، من الأدب القديم والوسيط، مرورًا بعصر النهضة، ثم العصرين الكلاسيكي والرومانسي، فالفيكتوري، وصولًا إلى الأدب الحديث والمعاصر، حيث توقّفنا وتأمّلنا في قوالب فنية وتاريخية، وتجارب وخبرات ذاتية ممتعة في بحر إبداعاته، مؤكدين أن امتداده ظهر هجينًا بارزًا في الأدب الاسكتلندي، والأيرلندي، والكاريبي، والأسترالي، والأمريكي، واتّسع ليشمل تزاوجًا مع الأدب الهندي، والأفريقي، والإسباني، والصيني، والياباني، والعربي، معزّزًا انتشار اللغة الإنجليزية ومكانتها العالمية.
فإذا الاستعمار الإنجليزي أسهم في تحويل أدبه من قومي إلى عالمي، ووسع مفهوم الهوية من الفردية إلى الجمعية ثم الثقافية، وأثرى الهوية والذاكرة، مرحبًا بالاختلاف الثقافي والاجتماعي، مع كل ما حمله التاريخ من أنين الاستعمار وضرواة الاستيلاء، يومًا بعد يوم نالت المستعمرات حريتها، وشكلّت لها هويتها وواقعها، إلا أنها احتفظت باللغة الإنجليزية وسيطًا خالدًا سجّل من الاستيطان والاغتراب والذاكرة والصراع الثقافي ثيمًا.. لكنه منطوق بالإنجليزية، ما جعل “الأدب الإنجليزي إطارًا عالميًا جامعًا لآداب متعددة تشترك في اللغة وتختلف في الرؤية والتجربة والهوية”.
لن نطيل في التاريخ، بل سنبحر في الأدب، تحديدًا الأدب الأمريكي الذي نشأ في المستعمرة البريطانية الأولى في العالم الجديد المكتشف خلال القرن السابع عشر، وفي أواخر العهد الإليزابيثي وبدايات ما تلاه، وقد أشرت بتوسع عن تلك الحقبة التاريخية التأسيسية لأدب المستعمرات في مقال: الكتابة السياسية والشعر البيوريتاني في هذه الزواية.
قبل أن تتبلور كصوتٍ أدبي مستقل يعكس تجربة المكان الجديد وهوية الإنسان الأمريكي الناشئة، برزت أصوات أدبية مثّلت أدب المستعمرات في العالم المكتشف الجديد أمريكا مثل: جون سميث (John Smith)، وويليام برادفورد (William Bradford)، وجون وينثروب (John Winthrop)، الذين وثّقوا بدايات الاستيطان وتأسيس المجتمع البيوريتاني (Puritan)، وهي جماعة دينية بروتستانتية إنجليزية ظهرت في القرن السادس عشر، سعت إلى تطهير الكنيسة الإنجليزية من الممارسات التي رأت أنها بقايا كاثوليكية.
في المقابل، تألّقت آن برادستريت (Anne Bradstreet) كأول شاعرة تنشر نتاجًا أدبيًا مرموقًا، إلى جانب الشاعر الميتافيزيقي إدوارد تايلور (Edward Taylor). كما شهدت هذه الفترة ظهور أدب السيرة والواقعية من خلال «روايات الأسر» التي اشتهرت بها ماري رولاندسون (Mary Rowlandson)، وكتابات روجر ويليامز (Roger Williams) حول الحرية، وصولًا إلى المؤلفات اللاهوتية الغزيرة لـ كوتون ماتر (Cotton Mather)، ما أسّس لملامح فكرية مبكرة للهوية الأمريكية الناشئة.
لطالما اعتُبرت الشاعرة آن برادستريت ذات أهمية تاريخية في المقام الأول لسلسلة قصائدها الدينية “تأملات” (Contemplations)، التي كتبتها لعائلتها ولم تُنشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، وهي مجموعة من الحكم الموجزة التي تكشف عن وعي فلسفي وروحي ناضج.
كتبت برادستريت شعرها في ظل حياة يومية مثقلة بالمسؤوليات؛ إذ كانت أمًّا لثمانية أطفال، ومضيفة، وقائمة بمهام منزلية شاقة، في بيئة استعمارية قاسية داخل مستعمرة ماساتشوستس.. وقد تنقّلت عائلتها بين كامبريدج، ثم إيبسويتش، وصولًا إلى أندوفر التي استقروا فيها نهائيًا.
“وفي واحدة من مفارقات تاريخ النشر، قام صهرها بأخذ مخطوطات قصائدها إلى إنجلترا دون علمها، حيث نُشرت عام 1650 تحت عنوان: The Tenth Muse Lately Sprung Up in America، لتصدر لاحقًا النسخة الأمريكية الأولى في طبعة منقّحة وموسّعة عام 1678 بعنوان: Several Poems Compiled with Great Variety of Wit and Learning”
من أفضل نصوصها الشعرية التي أظهرت قدرًا عاليًا من الأصالة والصدق الشعوري، وقدرة واضحة على استحضار التجربة الإنسانية بعمق بعيدًا عن الأسوب الخطابي الذي نشأت فيه، قصيدتي:
“Of the Vanity of All Worldly Creatures” «في غرور جميع مخلوقات الدنيا»
و*“David’s Lamentation for Saul and Jonathan”* «رثاء داود لشاول ويوناثان».
كما كتبت قصائد شخصية بالغة الرهافة، تناولت فيها تأملاتها قبل الولادة، وردود فعلها على فقد أحد أحفادها، فجاءت هذه النصوص أكثر تحررًا من الوعظ والتقليد، وأقرب إلى البوح الإنساني الصادق.
ختامًا: حظي إرثها الأدبي باهتمام نقدي متأخر في إصدار حرّرها جون هارفارد إليس عام 1867. وفي القرن العشرين، كرّس الشاعر جون بيريمان مكانتها في قصيدته الطويلة Homage to Mistress Bradstreet -1956، استعاد فيها صوتها الشعري وأعاد إدماجه في الذاكرة الأدبية الحديثة، بذلك تعد آن برادستريت شاهدًا على بدايات الأدب الأمريكي، وركيزة مبكرة فيه، وصوتًا أنثويًا مؤسسًا أسهم في تشكيل ملامح الهوية الأدبية الأمريكية الناشئة.