105
0
71
1
116
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12339
0
12074
0
11732
1
10914
5
8743
0
ترجمة: مجموعة الأدب الإنجليزي
ليست رحلات غوليفر لجوناثان سويفت مجرد حكاية مغامرات، بل هي مرآة تُرفَع في وجه الإنسانية نفسها، مرآة لا تشوّه إلا كي تُظهر الحقيقة أكثر حدة.. فخلف ما تبدو عليه من رحلات عجيبة وجزر غريبة، يختبئ عمل بالغ التألّق؛ جريء في فكره، لاذع في سخريته، عميق في إدراكه لحماقة البشر. ومنذ نشره عام 1726، ظل هذا الأثر غير العادي أحد أقوى الاتهامات الموجَّهة إلى الغرور والسياسة وأوهام الحضارة الهشّة في تاريخ الأدب الإنجليزي.
تكمن عبقرية سويفت في قدرته على إخفاء تأملات أخلاقية وفلسفية عميقة تحت رداء الرحلة العجيبة. فمن خلال أسفار ليمويل غوليفر—إلى ليليبوت، وبروبدينغناغ، ولابوتا، وبلاد الهويهنم—يشيد سويفت عالمًا غريبًا في ظاهره، مألوفًا في مرآه. فالليليبوتيون الأقزام، المنشغلون بخصوماتهم السياسية التافهة، يجسّدون سخافة صراعات السلطة بين البشر. أما عمالقة بروبدينغناغ، ببساطتهم الصريحة، فيكشفون قسوة وفساد السياسة الأوروبية حين تُرى من منظور أوسع. وفي لابوتا، يعكس انشغال المفكرين بنظريات عقيمة هوّةً تتسع بين العقل والواقع. وأخيرًا، تغدو أرض الهويهنم—حيث تمثّل الخيول النبيلة العقل، ويظهر الإنسان في هيئته المنحطّة كـ”ياهو” وحشي—حكم سويفت النهائي: صورة مقلقة لما كان يمكن أن تكون عليه البشرية وما آلت إليه.
أما لغة سويفت في رحلات غوليفر فهي بسيطة في ظاهرها، لكنها مشحونة بدقة ساخرة. نثره لا يصرخ، بل يبتسم ويجرح ويكشف. والنبرة الهادئة في سرد غوليفر تجعل السخافات البشرية أكثر غرابة، كأن الحماقة أمر طبيعي لا يثير الدهشة. هنا تكمن القوة الخالدة للعمل؛ فإتقان سويفت لأسلوب الاستخفاف، وموازنته بين الطرافة والرعب، يحوّلان الرواية إلى متعة وإضاءة في آن معًا.
وفي جوهره، يُعدُّ الكتاب رثاءً للفضيلة الضائعة. فقد أحبّ سويفت البشرية نظريًة، لكنه يئس من الإنسان عمليًا. هجاؤه لا يصدر عن احتقار فحسب، بل عن خيبة أمل عميقة؛ توقٍ إلى الحقيقة والنزاهة والعقل في عالم تحكمه الغرور والخداع. ولا يزال العمل حتى اليوم يبدو نبوءة صادقة؛ تفاهة السياسة، عمى الكبرياء، شهوة السيطرة، فساد العقل.. كل ما أدانه سويفت لا يزال يتردد صداه عبر العصور.
إن قراءة رحلات غوليفر تجربة يقظة؛ فهي تُضحِك، وتقلق، ثم تُهذِّب. وقد صنع جوناثان سويفت، بذكائه الحاد ورؤيته الأخلاقية الصارمة، أكثر من مجرد عمل ساخر؛ لقد ابتكر أسطورة خالدة تكشف تناقضات الإنسان. وستظل هذه التحفة تذكّرنا، بالضحك والأسى، بمدى سهولة أن يضلّ الإنسان طريقه حين ينسى هشاشته.
التعليقات