5
0
5
0
4
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13513
0
12341
0
12194
0
9660
0
اعداد: سلوى الأنصاري
حين يدخل اللون الأحمر إلى السرد، لا يدخل ضيفًا عابرًا، بل يدخل محمّلًا بتاريخٍ طويل من المعاني المتراكمة. هو لون اللحظة الاولى ؛ لون الدم الذي يمنح الحياة، ولون النار الذي يمنح الدفء في ليالي البرد. لكنه في الوقت نفسه، لون الخطر، والجرح، والانتهاك، ولون الحب ولون لفت الانتباه ولون ما لا يمكن إخفاؤه. لهذا كان الأحمر سرديًا.
هو لون التحوّل بامتياز: يبدأ مطمئنًا، وينتهي دالًا، وكأن الرواية تستخدمه لتقول إن ما نراه في البداية ليس بالضرورة ما سيؤول إليه المعنى.
هو تلك القطعة التي تلف حول العنق للزينة ولكنه في جوهره في السرد هو “البرزخ” بين الجسد والعالم. هو تلك القطعة المنسوجة التي تمنح الدفء لكنها قد تخنق، وهي التي تستر العنق لكنها تفضح الهوية.
في الأدب لا يعد جماداً، بل هو “شخصية صامتة” تشارك في الحوار دون كلمات، وتعلن عن وجودها بالحركة والالتفاف. إنه لغة بصرية تقول ما تعجز عنه الأبجديات
في الأدب، يُستخدم اللون الأحمر كأداة سردية قوية، تتجاوز دوره كصفة مرئية لتصبح رمزًا يحمل دلالات نفسية واجتماعية وثقافية.
من دلالته الدفء والعاطفة:
الأحمر يرمز غالبًا للحياة والحيوية والعاطفة، مثل الحب والحنان والشغف.
و يظهر في وصف الملابس أو الطبيعة لإضفاء إحساس بالدفء والوجود الإنساني النابض.
ويرمز كذلك للخطر والتحذير:
فيتحول الأحمر في السياقات الأخرى إلى رمز للخطر أو الألم أو الدماء، مثل الأعمال الحربية أو الحوادث أو التحذيرات.
ونراه كذلك في الرمز والهوية:
فيستخدم في الملابس أو الرموز لتحديد الولاء السياسي، أو الانتماء الاجتماعي، أو التمرد،
ونجده كذلك يختبئ في دهاليز الصراع الداخلي والخارجي:
فهو يعكس أحيانًا الصراع النفسي للشخصيات: بين الحب والخيانة، الشجاعة والخوف، الطموح والندم، فيصبح إشارة سردية تكثف التجربة الإنسانية.
سنتطرق الى بعض الروايات العربية والعالمية والسعودية التي ذكر فيها الوشاح الأحمر او اللون الاحمر سواءً كان تفصيلا رئسيًا او محطة عبور :
سنستهل بذلك الوشاح الذي ذكر في السنة النبوية ذكر في الاثر أن امرأة اتهمت بسرقة وشاح احمر ولكن برأها الله عز وجل وهي تعذب بسببه بأن تعيده تلك الحدأة التي التقطته
فنزلت برائتها كصاعقة من السماء .
ثم ننتقل الى فصل يأجوج ومأجوج في قصة ذو القرنين في كتاب الهلكوت لأحمد خالد مصطفى
صوّرهم الكاتب “ككائناتٍ تمشي بلا رحمة، يحملون جثث القتلى على أكتافهم كأنها شيلان، كانت أظافرهم الطويلة كالمخالب، شاهدة على توحّشٍ متجذّر، فتتحوّل الجثث إلى أشلاءٍ ترقد على أكتافهم. “
الرعب هنا ليس في القتل وحده، ولا في اللون كذلك الرعب كان جاثمًا في برود الفعل حين يغيب الإحساس ، ويُمحى معنى الإنسانية بحيث يجعل الانسان وشاحًا على اكتاف أولئك الهمجيون
وكثيرًا ما يخرج هذا اللون في الرواية العربية من الخاص إلى العام. ففي «ذاكرة الجسد» لأحلام مستغانمي،
تقول :
«وشاحها الأحمر كان أكثر وضوحًا من الكلام.»
الدلالة: الحب، الذاكرة، والحنين.
لا يعد الأحمر لونًا شخصيًا، بل لون وطنٍ جريح. إنه دم الثورة، وجرح الذاكرة، وحبٌّ يتقاطع مع الخسارة. الون هنا لا يُلبس، بل يُستعاد في الذاكره ، ويتحول إلى وسيلة لاستحضار ما فُقد.
ومن اللون ننتقل إلى الوشاح نفسه. فالوشاح، على عكس الثوب، لا يُفرض؛ إنه اختيار.
يُلقى على الكتف، قريبًا من الوجه، قريبًا من الصوت، وكأنه توقيع بصري للشخصية. لهذا، حين يظهر الوشاح في الرواية، لا يكون مجرد تفصيل وصفي، بل يتحول إلى رمز للهوية، والذاكرة، وأحيانًا إلى وصمٍ لا فكاك منه.
ففي «سيدات القمر» لجوخة الحارثي، لا تُذكر الأوشحة بوصفها زينة، بل بوصفها جزءًا من ذاكرة الأنثى ، ذاكرة التحوّلات الصامتة، والزواج، والفقد، والانتقال من حال إلى حال. الوشاح هنا ليس ما يُرى، بل ما يُتذكّر.
وفي قصة «تهوّدة»، يتحول الرداء الأحمر إلى علامة قاسية لتحوّل، إنه لا يستر الهوية، بل يفضحها، ويجعل الانتقال في قرارات الحياةانتقالًا مرئيًا، موجعًا، لا يمكن التراجع عنه.
الرداء هنا أشبه بجرح يُلبس، أو علامة لا تمّحي، وكأن القصة تقول إن بعض التحوّلات لا تحدث في الداخل فقط، بل تترك أثرها على الجسد.
أما في «امرأة عند نقطة الصفر» لنوال السعداوي، فإن الأحمر حاضر حتى حين لا يُذكر. إنه في العنف، في الدم، في الجسد المنتهك. هنا يغيب الوشاح بوصفه مادة، لكنه يحضر بوصفه أثرًا، كأن اللون نفسه صار قدرًا يلاحق الشخصية.
رواية “قشتمر” (نجيب محفوظ): يظهر الوشاح (أو الكوفية) كرمزانللزمن والتحولات الطبقية في مصر؛ كيف يتغير شكل الوشاح وطريقة ارتدائه مع تغير الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية
اما في الرواية العالمية نلاحظ أن اللون الأحمر يظهر في لحظات تبدو بسيطة، لكنه يسبق الانفجار السردي.
سندأ بقصة من القصص الشعبية/تراثية):
التي لطالما ترنمنا في بداية شارتها في قصص الشعوب طرائفٌ لا تنتهي وعالمٌ حلو بهيج يسكن في قلوب
قصة “ليلى والذئب” او (ذات الرداء الأحمر) لم تكن ليلى ترتدي وشاحًا ولكنها كانت ترتدي رداءً احمر رمز للبراءة، التحذير، أو حتى العاطفة.
يبرز الرداء الأحمر كعنصر بصري مميز يحدد الشخصية الرئيسية ليلى (ذات الرداء الأحمر)، ويساهم في زيادة انتباه الطفل، وتركيزه، وتنمية خياله في القصص المصورة.
في آنا كارنينا – ليو تولستوي
يقول:
«كان الوشاح الأحمر يلفّ عنقها في البرد.»
الدلالة هنا على الهشاشة الإنسانية والدفء العاطفي.
فتحضر الألوان في الملابس والفضاءات لا بوصفها توصيفًا بصريًا، بل كتمهيد نفسي للمصير المأساوي. الأحمر هناك ليس حبًّا خالصًا، بل حبٌّ مهدَّد، حبٌّ يسير نحو الاصطدام.
وفي مدام بوفاري – غوستاف فلوبير
يقول :
«شدّت الوشاح الأحمر حول عنقها.»
هنا دلالة الوشاح على الغواية والقلق العاطفي.
يرتبط اللون الأحمر، بحلم حياة أوسع، أكثر بهجة، لكنها تنقلب تدريجيًا إلى علامة فراغ، كأن اللون نفسه يخون وعده الأول.
في حكاية الخادمة – مارغريت آتوود
تقول:
«كان الوشاح الأحمر يحدّدني قبل أن أتكلم.»
الوشاح هنا دلالة على الجسد بوصفه علامة، والهوية القسرية.
اما في دكتور جيفاغو – بوريس باسترناك
يقول:
«لمّحتُ وشاحًا أحمر يلوّح في الزحام.»
فنجد الوشاح هنا يدل دلالة واضحة على الثورة، التحوّل، الذاكرة السياسية.
أما في رواية فتاة الوشاح الأحمر(عن الثورة الثقافية في الصين)، يمثل الوشاح الأحمر ولاء البطلة الشابة للحزب الشيوعي، ويشير اختفاؤه تدريجياً إلى تضاؤل هذا الولاء وتزايد خيبتها.
وفي ذهب مع الريح – مارغريت ميتشل
«تزيّنت بوشاحٍ أحمر متحدّية العيون.»
فدلالة الوشاح هنا على التحدّي والأنوثة الطاغية والقوة.
اما في السينما، نلاحظ أن الوشاح الأحمر يكتسب قوة إضافية، لأنه يتحرّك.
في السينما، اللون لا يُوصف، بل يُرى، ويقود المشاعر دون حاجة إلى تفسير.
الوشاح الأحمر لم يكن يومًا مجرد قماش،
بل كان دومًا سؤالًا معلّقًا على كتف الحكاية.
وحين نعيد قراءته،
نُدرك أن الروايات العظيمة
لا تُخبئ معناها في الأحداث الكبرى،
بل في التفاصيل التي تظل معنا
حتى بعد أن نغلق الكتاب.