مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالله السمطي* ترتكز الرؤية الروائية في جوهرها على حركة السرد وتشوفاته، وتنقلات …

آليات البناء الاستهلالي في رواية : ( على كف رتويت ) للدكتورة زينب الخضيري

منذ 6 ساعات

11

0

عبدالله السمطي*

ترتكز الرؤية الروائية في جوهرها على حركة السرد وتشوفاته، وتنقلاته من حدث إلى حدث آخر، ومن مشهد إلى مشهد، مع صياغة الشخصيات المتعددة الرئيسة والهامشية التي تشكّلُ العمل الروائي، وتعطي الحكي أهدافه ودلالاته ورسالته، كما أنها تبرز قيم الخطاب الروائي ومحتوياته الأسلوبية واللغوية .

إنّ هذه الرؤية الروائية ترتسمُ أولا في مخيلة المبدع، ويتم تخطيطها ، ولو بشكل فوضوي أولا، في الهواجس والأسئلة التي تتواتر في ذهنيته، إن سؤال كيفية البدء، وكيفية انبثاق العمل وسرده، يشكل السؤال الأهمّ الذي يعترض المبدع قبل إطلاق روايته، والبدء في كتابتها، وليس بالضرورة أن تكون الفقرات الأولى في الرواية هي التي يبدأ بها، بل ربما يكون مشاهد داخلية في العمل الروائي، تنبثق بأثر رجعي لتحدد بداية وراء بداية، وهو ما يحدث، ربما، في مختلف الأعمال الإبداعية شعرا ونثرا وتشكيلا، فالبدءُ لا يكون بالضرورة من الأسطر الأولى، بل يتم تكوين مشاهد وفضاءات كترسيمة مبدئية، حتى يستقر المبدع على كيفية البدء، ومن أين سيبدأ، لكنه على اليقين، لا يدرك إلى أين سينتهي، لأن غواية الكتابة لها آفاق أخرى، وتشوفات تتجلى عبر ممارسة الكتابة، ومراجعة المبدع باستمرار لما كتبه، ولما أنجزه، ولما توصل إليه من محتويات ومضامين.

إنّ كتابة الرواية، وفق هذا المعنى، لا تتأدى بوصفها كتابة (حكاية) فالحكي غير السرد، ورواية حدث لا يتم بوقائعه وحذافيره، بل إن ثمة تشكيلات فنية جوهرية تلامس أعماق الخطاب الروائي، وتفضي به إلى أن يتعدد ويتنوع، سواء على مستوى الأسلوب أم التوجه أم اللغة أم الرسالة الأدبية والفنية والإنسانية بوجه عام.

إننا إزاء رؤية روائية تنبثق من وسط ركام المشاهد والأساليب، لتحدد مسارات الخطاب الروائي وهويته ، مذاهبه وغاياته ومصائره، وهو ما يمكن أن يطل عليه القارئ في مختلف الأعمال الروائية.

إنّ الكتابة تفضي إلى توليد الكتابة، والحكي يفضي إلى توليد الحكي، ويأتي العمل السردي ليصوغ ذلك بطرقه وأساليبه التي تكثف هنا، وتنطب هناك، وتركز هنا وتستطرد هناك بحيث تتشكل من ذلك بنية العمل الروائي وهويته الفنية والتعبيرية والجمالية، كما تتشكل بنية الحكاية ككل التي يمكن إيجازها وتلخيصها في صفحات قليلة، أما السرد فهو ما نقرأه ونتفاعل معه، ويسكن وجداننا في جوانياته.

إنّ السرد هو الذي يهب الرواية بنيتها، هو ابنها الراكض دائما، والمتشوف، والباحث عن اليقين عبر الأسئلة، وعن الغاية عبر تعدد الدروب والسبل، ولذا حين يكون السرد بمنزلة أدبية شاهقة، فإنّ القارئ لا يمل من استقصائه وقراءته باستمرار، وهو ما يعطي الرواية حضورها وتجليها الفني المنير.

وتستند رواية : ( على كفّ رتويت)  ( مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى 2020 )  للكاتبة الدكتورة زينب إبراهيم الخضيري، على الدلالة الأولية التي تفضي إليها بنية العنوان، فهو عنوان مفارق، قامت فيه الكاتبة بتغيير المعنى الدارج، وتناصّتْ معه، كي تشكل بعده الغرائبي ، وتعطيه دلالة ممتزجة تذهب إلى أفق آخر، ومعنى دلالي راهن.

فالبحث السردي في رواية : ( على كفّ رتويت) يحيلنا بدئيًّا إلى اختيار هذه العنونة الدالة للرواية، التي تضفي على واقع الميديا بعدًا غرائبيًّا ، من حيث مزج المفردة المعروفة في عالم الميديا خاصة منصة (X ) ( تويتر سابقا) وهي     ( ريتويت) إعادة نشر التغريدة، بكلمة رائجة في المخيال الشعبي العربي مرتبطة بعالم الميتافيزيقا والجنّ ، وهي كلمة ( عفريت) التي ترتبط أيضا بمقولة شعبية هي : ( على كفّ عفريت) التي تعبر عن عدم الطمأنينة، وعن السقوط المعنوي أو النفسي أو المادي في أية لحظة، فالصورة هنا غير ثابتة، إنها ترتبط بعالم العفاريت، وهو عالم مرتبط بالميتافيزيقي، وبعالم الجنّ واللا معقول، كما ورد في سورة (النمل) :

( قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) ( سورة النمل الآية 39)

إن ربط مادة علمية تكنولوجية هي: الميديا ، بالعالم الميتافيزيقي هو ربط غرائبي، يؤسطر الأشياء والأفعال، ويجعلها عرضة لقراءة تأويلية أخرى، ويجعل من الحدث مشمولا بهذه الغرائبية المؤسطرة، وبهذه الرمزية التي تجعل القلق والتوتر حادثين بالضرورة في لحظتنا المعاصرة.

إن كل شيء هنا عرضة للتغيير وعدم الثبات، كل شيء ( على كف رتويت) وقابل للإعادة أيضا بأخطائه نفسها أو سلبياته أو إيجابياته.

إن تسمية الرواية بهذا العنوان جاء موفقًا إلى حد كبير في وصف اللحظة التي نعيشها، وفي قراءة الواقع الذي يتطور للأمام بسرعة غير مسبوقة، طاويا خلفه التاريخ والفلسفة والرؤى والحكمة والتأمل. هنا لا تأمل في شيء بل طيّ صفحات للأمام، عالم أصبح ( عفريتيًّا) و( رتويتيًّا) كما تقدر الروائية زينب الخضيري في هذه الرواية .

في ظلال هذا الوعي شكّل العنوان (عتبة نصية) بارزة ، تفضي إلى أن يؤوّل القارئ مباشرة العنوان إلى مراميه الغرائبية، ودلالاته المفارقة التي ربطت الميديا بحالة خارج آليات السبب والمسبب، وإلى داخل آليات اللامعقول التي تتطلب وعيا مغايرا في التلقي، وهواجس خارج الواقعي، وهو ما يتواءم وطموحات الفعل الروائي في الرواية الذي يمضي إلى تشوف الواقع الافتراضي من خلال إحدى أهم منصاته وهو موقع ( تويتر) الذي يقدم المشتركون فيه كتابات قصيرة موجزة مكثفة ، معززة بالصور والفيديوهات والـرسـومات واللـوحـات الـفـنية والـجـداول والإحـصائيات أحيانا،  تحمل عنوان (تغريدة) كأنها التقاطة طائر سريعة، لكن لها أبعادها ومعانيها. من هذه المنصة وعنها ينطلق المحتوى الروائي العام للرواية التي نورت للقارئ بجملة دالة مفارقة أنه سيذهب إلى عالم الميديا عبر ( رتويت) وإعادة التغريد، وإعادة تشوف هذا العالم الافتراضي.

إن العنوان – بوصفه عتبة نصية بتعبير جيرار جينيت – يعطي للعمل هويته ودلالته المبدئية، ويشكل هو ولوحة الغلاف الكاريزما الإبداعية الأولى المحفزة للقارئ على تناوله وقراءته.

حركية البناء:

يتصدر رواية : ( على كف رتويت)  مشهد متعدد الأفعال، مشهد حركي بامتياز، التأملات فيه قصيرة جدا، لكنه يخضع لحركية سردية متتالية، تصنع له نوعا من الحيوية التي تجعل القارئ مجذوبا إلى تتالي الحدث، وتجعله يتابعه من أول فعل إلى آخـر فـعـل، ويـقـع هذا المشهد الحركي في الصفحة الأولى من الرواية (ص 5) ولو أننا قرأناه باستقلالية نصية، وبمعزل عن الرواية ، سيشكل لنا قصة قصيرة لوحده، مكتملة الأركان، حيوية الأداء.

إن زينب الخضيري تـستهـل روايـتـهـا (عـلى كف ريتويت) بـهذه الطاقة السردية المتحولة، التي تسرع من تتابع الحدث، وحيويته، عبر رصد الشخصية بضمير غائب، (هو) راصدة حركاته وسكناته .

ولنا في البدء أن ننقل مستهل المشهد:

”  جلس في هيئة تأمل يحدقُ في الفراغ، وملامحه يشوبها القلق، سمع صوت ارتطام قوي، سرت قشعريرة في جسده حتى بلغت رأسه، وقف واستدار نحو النافذة، أزاح الستارة ببطء، ولوهلة رأى وجهًا ليس بشريا، أغمض عينيه وفتحهما بسرعة، حاول أن يستوضح الصورة التي أمامه، فإذا به قط أسود ظهرت بعض ملامح وجهه على زجاج النافذة، أحسّ بارتياح وتنفس بعمق” / ص 5

 

يتكون هذا المشهد القصير من (17) فعلا متتابعا، الجمل الفعلية قصيرة وسريعة، كأنها تنقل مشهدا فيلميا بلقطات سريعة، وهي لقطات تركز على شخصية واحدة قلقة، وتركز على حركاتها السريعة والانفعالية والبسيطة عبر آلية (الكلوز أب). وهي آلية من آليات التصوير السينمائي والدرامي التي يتم فيها التركيز على المشهد، أو على وجوه الشخصيات وإبراز انفعالاتها وتقاطيعها بشكل مكبر وقريب، وهي آلية تُستثمر في العمل الروائي للتركيز على بعض المشاهد واللقطات المهمة، وقد استثمرتها الكاتبة في إبراز بعض التفاصيل الصغيرة جدا والتركيز عليها، مع إضفاء أهمية على مقدمات المشهد وخلفيته بشكل سردي سينمائي.

وتستمر الروائية في هذا التركيز لتكمل هذه الحالة الحيوية المشهدية:

” عاد إلى الأريكة التي كان يجلس عليها، تمدد وحاول أن يسترخي، عبث قليلا بهاتفه المحمول، أدار مقطوعة الدانوب الأزرق ل ” يوهان شتراوس” لعلها تبدد وحشة الصمت المنتشر في أرجاء المكان، عاد بذاكرته إلى الوراء في محاولة منه لإعادة اكتشاف حياته وترتيب أولوياته، إلا أنه في كل مرة يفشل في عدّ الخيبات التي عصفت به، أحسّ بالضيق فانقلب على جانبه الأيسر، وغطّى وجهه بوسادة صغيرة كان يستند عليها، أغمض عينيه واستسلم للنوم بصعوبة” / ص 5

وبعد هذا المشهد الاستهلالي تبدأ حركة الرواية في أفقها الدرامي حيث تتعدد الأشخاص، وتتعدد وجهات النظر، وتبدأ الرواية في صنع أحداثها المتتالية.

فالمشهد الأول، بالصفحة الأولى كان بداية استهلالية ركزت على الشخصية الأولى بالرواية، وبعد هذا التأسيس الأولي الحيوي، بدأ الانتقال إلى مشاهد أخرى، وتغيير زوايا الرؤية وتعددها عبر شخصيات ولحظات وأمكنة جديدة.

أجواء الميديا :

وتبتكرُ الكاتبة د. زينب الخضيري إذن آليات إبداعها التقني في روايتها :” على كف رتويت” من خلال استثمار أجواء الميديا في صنع حالة سردية مختلفة، فإذا كان السردُ في أفقه المعهود يتشكل من جملة من الفقرات والفصول المتواترة التي تنبني فيها الأحداث والوقائع، وتتكرر الشخوص وتتنوع، مع صنع دائرة زمكانية محددة تترى فيها الأحداث، فإن الكاتبة هنا تتخذ من الواقع الافتراضي مجالا لتخليق عمل روائي يلوذ بالحقيقة والخيال معا، وتنشط فيه حركة السرد على وقع أجواء الميديا، والحاضر الأكبر فيها تلك المنصة، أو موقع التواصل الاجتماعي ( تويتر) ( منصة إكس حاليا) هذا الموقع الذي شغل مشاركيه وحاضريه، وشغل معرفاتهم التي تنطوي على تنوع هائل من المحتويات التي يبرزها الموقع وتبرزها آليات التعامل مع شبكة الإنترنت.

إنّ المشهد الأول بالرواية، يبرز حالة القلق والتوتر وربما الخوف التي يعيشها بطل الرواية، فهو مشهد حافل بالتوتر والخيبات التي تحدث له، حيث يصبو إلى أن يعيد اكتشاف حياته وترتيب أولوياته، لكنه يشعر بالضيق فينام.

هكذا جاء المشهد الأول ليضع أمام القارئ هذا المجال المبدئي الذي تعانيه شخصية الرواية، وهو في التحليل الأخير يشكل عنصر قلق لا يوقفه حتى سماع الـموسيقى عبر الـموبايل الـذي يـشـكل عـنصرا جـوهـريا دالا من عناصر الرواية، كأداة تقنية تصلنا بالمجتمع والعالم.

وتعرف الكاتبة أول شخصيتين بالرواية في وقت لقائهما:

” التقيا أمام أحد صرافات البنوك الآلية، تحدّثا مطولا، هي محامية في أواخر العقد الثالث، وهو شابّ في منتصف الثلاثين من عمره يمتلك مؤسسة للدعاية والإعلان، تآلفت روحاهما، ونشأت بينهما مشاعر غامضة وغريبة بعض الشيء، ودون مقدمات قررا أن يختليا ببعضهما ” / ص 6

كان المشهد كابوسيا إذ انتقل اللقاء من غرفة فندقية، ومحاولة الامتزاج معا، إلى سرقة ومسدس والانتقال من الجحيم الأرضي إلى الجحيم السماوي . ولعل المفارق هنا أن الكاتبة قامت بتوصيف الغرفة والفندق كأنها حقيقة، على الرغم من الحالة الكابوسية التي يمر بها بطل الرواية، لتقنعنا أننا أمام حدث حقيقي، ثم تصدمنا في نهاية سرد المشهد بأنه لم يكن سوى حلم كابوسي تعرّض له (علي)

لقد استهل المشهد بترتيب اللقاء، وكان الاتفاق أن يكون فندقيا:

” في لحظة مجنونة التهبت فيها الرغبة، قررا أن يذهبا إلى فندق يقع آخر المدينة، حجزا غرفة في آخر الممر تحمل الرقم 313 . كانت غرفة عادية، بها سرير خشبي قديم ومفرش (كاروهات) يختلظ فيه الأزرق بالبيج، وكومودينو مكسور من الجانب الأيمن، وسجادة دائرية داستها أقدام كثيرة” / ص 6

المشهد يوحي بأننا أمام لقاء حقيقي، لأن التفاصيل الصغيرة المسرودة تدل على ذلك، الغرفة ومكوناتها والسرير والكومودينو المكسور من الجانب الأيمن، هي تفاصيل من الصعب سردها حلما أو كابوسا، لأن سرد الحلم تتنقل فيه الأحداث بسرعة، في مختلف الجهات، ولا تترك مجالا لسرد التفاصيل، على الأغلب، ومن هنا قامت الكاتبة بحركة سردية مخاتلة عبر وصف التفاصيل الصغيرة الدقيقة لتوهمنا أن ما يحدث هو لقاء حقيقي ، بل تستمر في هذا الإيهام في التفاصيل التالية:

” جلست على حافة السرير خائفة، أقبل من خلفها وضمّها، انكمش جسدها كأنها بين فكّي أسد. فجأة فُتح الباب بعنف وتسلّل رجل طويل القامة، حنطيّ اللون، كان مكشوف الوجه، أشهر مسدّسًا في وجه علي وطلب منه محفظته. صرختْ وزحفتْ إلى أعلى السرير إلا أنّ الرجل أمسك بها وطلب منها حقيبتها، بلا تردد أعطته إياها ففتحها باحثًا عن المحفظة. باغته عليّ ورمى بثقله عليه، ثم لكمه لكمة أصابت خده الأيسر إلا أن الرجل الطويل كان أقوى منه، تخلص من قبضته وضربه على رأسه بعقب المسدس فأغمى عليه، وحين أفاق وجد نفسه في أسوأ حال، وما عكّره أكثر هو اختفاء المرأة من الغرفة” / ص.ص 6-7

من الجلي هنا أن المشهد يشبه أفلام الحركة والأكشن، فهو مشهد صراع بين اللص وعليّ والمرأة التي قابلها، وهو مشهد مترع بالتوتر والرهبة والخوف، كأن طبيعة حياة علي الفوضوية انعكست في هذا المشهد الكابوسي ، وهو ما يزيد من توتر القارئ وتحفيزه على إكمال الحدث، وما سيتعرض له علي بعد ذلك .

بيد أن الحدث القادم في الحلم انتقل من الفندق وخروج علي منه، إلى عالم آخر، إلى العالم الميتافيزيقي المرتبط بالنار والجحيم، وهو ما يقل الحدث من دائرة الواقع، الحلم، إلى دائرة أخرى هناك، حيث القيامة والجحيم، فتنقل الكاتبة هذه الصورة المشهدية باستعارة فقرات من الكوميديا الإلهية لشاعر الإيطالي: دانتي إليجييري:

” خرج عليّ من الفندق مسرعًا وهو يترنح من آثار الضربة، فجأة، تهاوى في حفرة دائرية عميقة مليئة باللهب، أخذ يصارع النيران ولهيبها وإذا بصوت من بعيد ينادي : ” مرحبا بك في الجحيم” حينها تراءى له رجل يشبه صديقه عبدالملك فسأله : ” من أنت؟” فرك عينيه وأضاف : ” يا إلهي هل أنتَ الشاعر الروماني ” فيرجيل” ؟” نظر إليه نظرة ماكرة وقال له:” ها أنت هنا في دائرة الجحيم الثامنة نتيجة استهتارك وسرقاتك وغشك وتحايلك وغطرستك، مرّغ أنفك بنيران الجحيم مع هذه الوجوه الكالحة المقطبة التي تحيط بك” التفت عليّ إلى الخلف، رأى ألسنة النار، وكلابا من لهب يلتقط ثوبه، ورجلا يقول بصوت عالٍ: ” يا بني أولئك الذين يموتون والله غاضب عليهم، يجتمعون هنا من كل حدب وصوب، متحفزين لعبور النهر، لأنّ العدالة الإلهية تهمزهم فيتحول الخوف عندهم إلى رغبة. لا تمرّ من هنا نفس طيبة أبدًا ” . / ص 7

إنّ الانتقال من الجحيم الأرضي إلى الجحيم السماوي، هو فعل سردي مختلف، ومفارق، لكنه يضفي على المشهد الكابوسي حالة من الرعب والرهبة والتوتر، وهو ما تقصد الكاتبة إليه في هذا المشهد الحركيّ، بيد أن الانتقال للعالم الآخر هو انتقال يحدث في الحلم، وربما يحدث بالتخيل، وإضفاء سمة ثقافية متداخلة بين حالة عليّ والنموذج الغربي القديم، يعمّق أيضا من مستويات التلقي السردي للرواية، ويذهب بدلالاتها بعيدا.

هكذا جاءت المشاهد الأولى أكثر سخونة وحيوية، وهو ما يحدث نوعا من التحفيز المبدئي للقارئ ليتابع الأحداث ويدخل في التو إلى صلب الرواية وعمقها.

ويبدو هنا، من قراءة الصفحات الأولى أن شخصية (علي) شخصية مختلفة، وهو ما تقصد إليه الكاتبة أيضا، من إبراز هذا التميز والاختلاف، لتصبح المشاهد أكثر إقناعا بحيويتها وغرائبيتها ومفارقاتها.

فالشخصية هنا منذ بداية الرواية، يحاصرها القلق والتوتر، سواء في حالة الصحو أم في حالة النوم، التي لا تنقلب إلى أحلام سعيدة، بل إلى أحلام كابوسية، والمشهد الأول ولقاء علي مع المرأة الغريبة، والرجل الغرائبي الذي سرق محفظته هو دليل على كابوسية اللحظة الروائية الأولى، وتوتر الزمن، حيث تأتي الحالة الصادمة نهايات الصفحة السابعة، إذ يومئ السرد إلى أن كل ما حدث كان عبارة عن حلم كابوسي، حيث يستيقظ علي ويدخل صديقه (سامي) حاملا معه كوبين من القهوة ، قائلا له: ” تركتك تنام من أجل الاستعداد لمحاضرة الليلة” / ص 8

وهنا تبدأ الرواية بعد تأثر علي بالحلم الأكثر إزعاجا، حيث يدور حوار كثيف ما بين (علي) و(سامي) الشخصيتان اللتان تعبران عن واقع الرواية وتجوهرها، فيما تصبو إليه من غايات سردية في وصف عالم السوشيال ميديا.

في الحوار الأول للرواية، يتسنى لنا أن نكتشف هوية الخطاب الروائي وغايته التي يرنو إلى تشكيلها، فالحوار لا يقدم معلومات فحسب، في خلفية الكلمات المبثوثة، ولكنه يفضي إلى تشكيل رؤية مبدئية مؤسسة، خاصة في الصفحات الأولى ، وهي رؤية تأتي تالية للحالة الكابوسية الصادمة التي يستشرفها القارئ لأول وهلة .

ينتقل الحوار بالخطاب الروائي نقلة معرفية، ما بين شخصيتين مثقفتين، الشخصية الأولى هي: (علي المأجور) والثانية هي:  ( سامي رضا التايه ) ، وقد تمت الانتقالة عبر الاستيقاظ من النوم:

” استيقظ عليّ من النوم مفزوعًا، كاد يسقطُ من أعلى أريكة يرقدُ عليها وخدّه الأيمن مجعّد به أثرُ كريستالات صغيرة زُيّنت بها الوسادة التي نام عليها. أدار بصره في الغرفة فإذا بصديقه سامي يدخلُ عليه حاملًا كوبين من القهوة: “تركتكَ تنامُ من أجل الاستعداد لمحاضرة الليلة” .. نظر إليه عليّ ثم ردّ بعصبية: شكرًا لك ” / ص 8

” أحـسّ عـليّ بـإهمال سامي له إلا أنّه كتم غيظه، لن يغفر له ذلك وسينتقم منه. أمسكَ كتابًا وبدأ يقلّب صفحاته على عجل، وفجأة ضحك بصوت عالٍ ، التفتَ سامي ناحيته بهدوء ووجهه مليء بالدهشة، ثم سأله:

– ما الذي يدعو للضحك، أخبرني لمن هذه المقطوعة الموسيقية العظيمة التي تستمع إليها الآن؟

– بيتهوفن

– ما اسمها؟

-هل أنا في اختبار؟ ( كان لا يعرف اسمها لكنه يعرف أنها شيء عظيم أُهدي إليه) / ص 9

 

وبعد هذه الفقرات الحوارية ما بين عليّ وسامي، تضفي الكاتبة امتدادا سرديا لعرض تفاصيل ومعلومات عن كل من سامي رضا التايه وعلي المأجور، حيث يتواتر السرد في الرواية مع تواتر الأحداث.

فالبنية الأولية لبناء الخطاب الروائي اتخذت من عنصر الصدمة الحدثية المرتبطة بالكابوس، ثم بالحوار بين شخصيتين سبيلا مبدئيا لتخصيب الفعل الروائي، وإثراء الفعل السردي بفقرات متعددة متنوعة، لم تغفل فيها الكاتبة أحد العناصر البارزة لديها الذي يتجسد في المثاقفة النصية .

وهي لا تقدم الحوارات على الأغلب بشكل حواري محض، بل تقرن إلى جانبه بعض التفاصيل السيناريوهية التي تعزز من قيمة الحوار، وتبين هيئة المتحاورين وانفعالاتهم وملامحهم وحركاتهم عند أداء الجمل الحوارية.

وتواصل الكاتبة الحوار بين عليّ وسامي بشكل يحمل هاجسًا ثقافيّا، يتسنى للقارئ عبره أن يطلّ على مساحات من الوعي الثقافي لدى الشخصيتين:

” أزاح نظارته التي لا يرى بها إلا الأشياء البعيدة، ولبس نظارته للقراءة فقد تعوّد أن يحمل نظّارتين كعادة الكثير من المثقفين.

– ما شاء الله يا سامي ، صاير مثقف عميق، من أين حصلتَ على هذه الكتب؟

– اشتريتها بنفسي وبعضها هدايا، لازم أستأذنك – طال عمرك – قبل ما اشتري (بتهكم) .

– أثارني عنوان كتاب نقد العقل العربي.

– بالتأكيد هو كتاب يجب أن يقرأه كل عربي.

– يا عزيزي سامي لديّ رأي مختلف تماما حول كتب الجابري لن يعجبك، لكن قل لي: هل تشعر بأنك أكثر سعادة عندما تقرأ هذا النوع من الكتب؟

– أحسّ بأنني أكثر اطمئنانًا وأمانًا ووضوحًا.

– اشرح لي من فضلك .

– أجد فيها تأكيدًا للكثير من الأفكار التي أؤمن بها، لكن ما الذي يثير اعتراضك عليها؟

– هههه يثير اعتراضي.. لا شيء لكنكَ ذكّرتني برواية ” أوليس” لجيمس جويس، حين يقول البطل ستيفن:” التاريخ كابوس .. أحاول أن أستيقظ منه” أحبّ جويس المتعالي، بارد الأحاسيس ، هو صاحب أسلوب جاف وصادم ، يكتب أشياء لا تعجب القارئ، وعدوانيته تجاه الزمن وصلت إلى تمزيقه لأي روزنامة تعترض طريقه.. هذا المختل والمختلف خلّده التاريخ، لذلك فإن التفكير في المستقبل هو الأهمّ من وجهة نظري.

– أحيانًا يا عليّ تصبح رجلا تقليديًّا متعصّبًا ، ويمتلئ رأسك بأفكار سخيفة. كل هذه المحاضرة من أجل عناوين كتب لم تعجبك، خفّفْ من تسلطك قليلا يا أخي !

– نتجاوز يا سامي نتجاوز، المهم أن يكون حضوري هذه الليلة حيًّا وعنيفًا، أريد أن يكون اسمي مكتوبًا بطريقة جذابة ( رفع يده وكتب على الهواء ” تجربة علي

علي المأجور من أين وإلى أين؟ ” واو .. متحمس جدا، الآن سآخذ حمّامًا دافئًا وأستعد، سنغادر بعد ساعة وسنذهب بسيارتك.

– تمام . (قالها سامي وهو يتفرّس في هاتفه المحمول، رفع رأسه وتأمل علي مغادرً إلى غرفته، وحدّث نفسه : في بعض الأحيان يخيل إليّ أن تحوّل عليّ إلى رجل بلا هدف يبعث على السأم ) .

ومن الجليّ ها هنا في هذه المشاهد الحوارية أن ثمة خمسة أنواع من الحوارات، تتمثل في : الحوار المباشر القصير السريع الذي لا يذهب إلى الاستطراد في التفاصيل وردّ الكلام على الكلام فحسب، والحوار المطول قليلا الذي يستدعي آراء واستشهادات وذاكرة ثقافية ومعلوماتية، والحوار المصحوب بالسيناريو الذي يلتقط حركة الشخصية وانفعالها في الرد والسؤال والإجابة ، والحوار الذي يدفع الحالة السردية للأمام، ويضيء وينور الشخصيات ويقدم بعض ملامحها الذاتية وأفكارها ورؤاها، ثم الحوار الداخلي الذاتي الذي تحاور الشخصية ذاتها، وتلقي بعض الهواجس الكامنة بها، لكن هذا الحوار لا يذهب للآخر، بل يكمن في ضمير الأنا، معبًرا عما تجيش بها الذات الساردة من هواجس وهموم وأسئلة.

ويشكل تعدد الحوار وأنماطه المتنوعة قدرًا من الحيوية السردية بالرواية، ذلك لأن لكل حوار بناه الأسلوبية التي ينطلق منها وينوع من آليات الكتابة فيها، بما يثري الخطاب الروائي، ويحفّز لغة الرواية وتوجهاتها، فيما يصنع ، كما أشير كثيرًا ، بنية درامية تجعل من تعدد الرؤى محفزًا لاستقراء الواقع من مختلف مراياه وأسئلته، وتخفي الصوت الأحادي الذي قد ينطلق من رؤية مغلقة أو من خطابات ضيقة مكتومة.

إن تعدد الأشكال والحوارات والسرديات ومستويات اللغة وتعدد الشخصيات والرؤى في البنية الروائية هو ما يعزّز من قيمة العمل الروائية وقيمة توصيله وتأثيره .

*شاعروناقد من مصر

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود