الأكثر مشاهدة

أحمد فلمبان* في الفترة الأخيرة بدأت الاتجاهات الفنية في الساحة التشكيلية السعودي …

الفجوة.. بين الفن التشكيلي والجمهور

منذ شهر واحد

64

0

أحمد فلمبان*

في الفترة الأخيرة بدأت الاتجاهات الفنية في الساحة التشكيلية السعودية نحو “المفاهيمية” التي تعتمد على تحويل الفكرة إلى هدف وواقع ملموس، والتبديل الكلي في العلاقات التقليدية في العمل الفني، وتحويل مفهوم الجمال الفني إلى مفهوم الفكرة بشكل أساسي أو التعبير عنها باستخدام الوسائط المتعددة والخامات المختلفة، دون الاهتمام بالعمل نفسه وأثره الفني وحرفية الفنان أو التقيد بالأسس الفنية التقليدية المعروفة من حيث التكوين والكتلة والمنظور واللون، متحدية قواعد ومصطلحات الفنون ومعاييرها والقيم الجمالية والحسية، وقد ظهر هذا الفن مع الحركة الدادائية الأوروبية في منتصف الخمسينيات، وبرز من خلال كتابات الصحافي “هنري فلاينت” والفيلسوف “لودفيغ ويتغنشتِن”، ومر بعدة مراحل وتجارب وأفكار وسلسلة من الأطروحات والبحوث، وتطرق إلى مجالات الأدب والشعر والسينما والمسرح والعلوم والفلسفة، وواجه الكثير من النقد والجدل والرفض، إلا أن مسألة الاعتراف به وشيوعه كانت على يد “سول ليوت” عام 1967م، بعد ذلك انتشر منطلقًا من أمريكا الشمالية إلى غرب أوروبا وأمريكا الجنوبية وروسيا والصين واليابان، ووصلت إلى الساحة العربية في منتصف التسعينيات الميلادية، وما زال هذا الفن يواجه الكثير من النقد والرفض خاصة في أوروبا، التي بدأت في الآونة الأخيرة العودة إلى الفن التقليدي واللوحات وإلى الواقعية المفرطة أو واقعية الصور الفوتوغرافية، لأن المناهضين له يعتبرونه دخيلًا على الفن ومضيعة للجهد والمال، ينتهي ويتلاشى بعد العرض مباشرة، غالبًا ما تكون مؤقتة، ضخمة الحجم، وغير قابلة للملكية والاقتناء من قبل المتاحف والمهتمين، ولا يمكن تجميل الصالونات والمجالس وتزيين القصور والمساكن وتبجيل دور العبادة، وهو فن للعرض فقط شأنه شأن عروض الأزياء، ومسابقات الجمال، لأن بعض الفنانين البارزين في هذا المجال، لهم أعمال تقليدية اشتهروا بها، مثل: (بول كلي، وكاندنسكي، والبريزي، وشلّيني وجاكومو بالا، وكارلو كارّا).. وقد أخذت هذه الصرعة تغزو الساحة المحلية مع بداية الألفية الثانية، وراقت لبعض قنانينا بحجة التطور ومواكبة العصر، والدعوة إلى استلهام التراث العربي الإسلامي، وجربوه وعرضوه خارجّا عن فلسفته الحقيقية وزمنه ومناخه وبيئته، أفقدت مفاهيمه التي ابتكرت من أجلها.. لأنها -بالنسبة لهم- الأسهل والأسرع في التنفيذ، والأجدى للفزلكة والشهرة، لكن في الواقع، لم يأتوا بجديد في هذه المغامرة، فكلها من أفكار سابقة، مع بعض التعديلات للخروج من ضائقة الاقتباس، ومن هذه الثغرة يتواصل المغامرون، ليس لقناعة أو فهم ثقافي أو تكوين منهجي ومدلول فلسفي وفكري، بل المفاخرة في التطور والموضة والخروج عن المألوف والتباهي بالحضارة الغربية، كشيء ضروري ومهم لتأثيره الطاغي لا يمكن الاستغناء عنها، وهنا التناقض، بما يدعون إليه وبين ما يطرحونه والذوبان في ركب الثقافة الغربية التي لا توائم تقاليدنا ولا تتفق مع عاداتنا، فالأسلوب كحدث لفن ما بعد الحداثة، لا غضاضة فيه، لمواكبة ركض  العالم الفني، وكرد فعل على فن الحداثة والأنماط السابقة، لكن بادراك أهدافه ومضامينه، من أفكار وأطروحات، والسير نحو التيارات والاتجاهات والأساليب والأنماط الفنية السائدة والإنجازات الفنية الحديثة؛ والطرح المبتكر والتنفيذ أيضًا، يواكب التطور السريع والتقدم في التقنيات والأدوات، وبمواد وخامات حديثة، وفوق كل ذلك، فهم مبادئه جيدًا وتطبيقها، التي تشمل:

1- تحويل مفهوم الجمال الفني إلى مفهوم الفكرة أو التعبير عنها.

2- الابتعاد عن قواعد ومصطلحات الفنون ومعايرها والقيم الجمالية والحسية.

3- استخدام الوسائط المتعددة والخامات المختلفة، دون الاهتمام بالعمل نفسه وأثره الفني وحرفية الفنان أو التقيد بالأسس الفنية التقليدية المعروفة من حيث التكوين والكتلة والمنظور واللون، التي تعتمد خاصة مع الوسائل المعاصرة وتقنيات الكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، واستخدام الوسائط المتنوعة مثل الفيديو والسينما، وتقنيات الكمبيوتر والإنترنت المولتي ميديا، والجافا والـ VoIP و,.3D والألياف الضوئية والشبكات السحابية، والواي فاي، والضوء واللوحات الديجتال التعددية والعلاقة بين الإنسان والطبيعة، والتفاعل للتحديات المناخية والبيئية والمعيشية في الحياة، لكن للأسف، كل التجارب التي طُرحت وعُرضت، مقتبسة، فلا رأينا الجمال، ولا الجديد في الأفكار (سوى تفكيك بلاطات الأرصفة، ومخلفات ورش النجارة والحدادة، وعلّاقات فساتين الدمية باربي، وكريمات النيفيا، وشاسيهات الكانفس، وقراطيس الشاورما، وقدور الشربة، وصينيات البسبوسة، وقوارير البيبسي وعلب التونة، وحفائظ البامبرز، وأغطية المجاري، والكرسي والبيضة، وطقاطيق الجينز، والدرج المقلوب، وحوافر الحمير).. تجارب ردية، غثّة، واهية، وبعضها بأفكار مقتبسة في بيناليات، مع بعض التعديلات، للخروج من ضائقة اللطش، بخامات بدائية وأدوات بليدة، انتهت صلاحيتها، والسبب تدني ثقافة هؤلاء المغامرين وإمكاناتهم الموسوعية والثقافية والعلمية والفنية والتقنية والهندسية، والسير نحو التيارات والاتجاهات والأساليب والأنماط الفنية السائدة والإنجازات الفنية الحديثة، وجهلهم بأهدافه ومبادئه، ناهيك غياب الورش والمعامل والإمكانيات التقنية والطاقات البشرية المحترفة، والأدوات والتجهيزات الحديثة، والأفكار الجديدة تواكب ركض العالم في الديجتال والذكاء الاصطناعي، وليس الموضوع (مشي حالك، وطب طب وليّس يطلع كويس).. ومع هذه الفوضى العارمة، تحت دجل (المفاهيمية، وفن الأرض، والتشكيل في الفراغ، والفن التركيبي، والتشخيص المرتبك، والطوتمية) باسم الفن، لا تتفق مع المضمون،  ولا تشير للتكوين، بتنفيذ دكاكيني، ولا تواكب المشاريع الضخمة والهندسة المعمارية والبيئية، وغيرها من متطلبات الفعاليات والبيناليات العالمية وركض العالم نحو التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، لكنها أصبحت تتصدر المشهد، ويحيكون حولها الأساطير الخيالية والتنظيرات المفخمة، والاستنباطات البراقة، ويعتبرونها من سمات التطور، والتقدم في الفن، ومعها توالدت الأوهام ونمت كالطحالب، حتى أصبحت ظاهرة، في ظل فلتان الساحة التشكيلية، والطريف في هذه المغامرة، الخلط في المفاهيم، والتباس في المصطلحات، حيث ألصقوا الأعمال النحتية والجرافيك، واللوحات الإرشادية وعلامات الطرق، والصحون الصينية والأواني المفتتة، ونقوش القط والسدو ورسوم الناييف والأعمال الديكورية، وكثير من التهاويل أُطلقت مسميات، كبيرة على أوهام صغيرة نُفخ فيها وتضخمت، ليقدموه كأعمال مفاهيمية في زحمة اللعب بالألفاظ، ليرفع الستار عن هجمة لجحافل خلف شعار الفن المفاهيمية، وهم بالمفاهيمية جاهلون! ولا يعرفون الفرق بينها وبين (التشخيص المرتبك والتوطمية).. كله طحين، فمن الغرابة أن نجد خريج الزراعة ويعمل حدادًا، وفني جيرابكس، ومصلح دوافير، نراه فجأة ينقلب على عقبيه ليقدم لنا أعمالاً مفاهيمية! ونحن لسنا ضد جهدهم ولا ننتقد مغامراتهم، بل نشجعهم على البحث والتجريب، لكن بعلم ومعرفة ووعي وفهم مبادئ هذا الأسلوب جيدًا، وطرحه بما يتوافق مع ركض العصر من  تقنيات وأحداث، ومعرفة الفرق في المصطلحات والأهداف و… إلخ، وليس الخلط فيما بينهم، تحت كلمة (التجارب) ليكون جسراً لمرور المدعين، تسيء للتشكيل السعودي النقي، وكما هو معروف (في أنظمة الأدب والفن يحتاج زمنًا طويلًا وتجارب معمقة لتنضج وتتطور وتكتمل ومرتبطة بالتجديد واختراق الآفاق واكتشاف الطرق الجديدة) والضحية الأولى في هذا العبث، هو “المهتم” والتي تشوش على مشاعره، ونشبع منطق الحس لديه، وحب الجمال، وعلى أثرها اتسعت الفجوة بينه وبين الفن.

مصدر رزق جميل.

الكلمات المفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود