الأكثر مشاهدة

أحمد فلمبان* يقول صاحب مذهب المستقبلية الإيطالي “امبرتو بوسكوني” أن …

الاختلاف في طرق الرؤية والتعبير

منذ أسبوعين

39

0

أحمد فلمبان*

يقول صاحب مذهب المستقبلية الإيطالي “امبرتو بوسكوني” أن الرسم يتضمن ثلاثة عناصر:

  • حجم الأشياء الذي يجب ألاّ يذوب في غياب الأسلوب.
  • خط القوة الذي يجب أن يعزز الحجم.
  • الوسط المحرك للشعور، حيث اهتم فنان المستقبلية بالتغير المتميز بالفاعلية المستمرة، الذي عُرف بالسرعة والتقدم التقني، ويحاول الفنان التعبير عنه بالحركة والضوء، فكل الأشياء تتحرك وتجري وتتغير بسرعة.

ومن الملاحظ أن العنصر (الأول) الذي تكلم عنه “بوكسوني” كان قد وصل إليه أتباع المدرسة التأثيرية، الذي يعتمد على نقل الواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة وكما تراه العين المجردة بعيداً عن التخيّل والتزويق، في حين أن العنصر الثاني، يشكل بدعة بالنسبة إلى “التأثيرية” إذ أن هؤلاء كانوا قد أخذوا بنظرية “برغسون” التي تلغي الامتداد المكاني، وبالرغم من أن التأثرية باعتبارها مذهباً مرئياً محدودة الأهداف لم تعش طويلاً، فقد أشاعت موجة من التحرر في الفن، ولكن “برغسون” شدد على مبدأ الانطلاق الحيوي وجعل منه ينبوع الحياة الأول، وجاء “بوكسوني” يستوحي هذا المبدأ ليضع فكرة “خط القوة” أما العنصر الثالث، وهو (المحرك للشعور) فيتطلب شرحا مطولا، وكان “التكعيبيون” في بداياتهم يعطون الأسلوب الفني أهمية كبرى ويشددون على الروح ويخففون من قيمة الطبيعة، وكانت طريقتهم في تشريح الطبيعة تشبه طريقة الطبيب الجراح -على حد تعبير الشاعر “ابولنيز”- ولكن سرعان ما تبين أن التحليل الفكري لا يكفي لإنتاج الروائع الفنية، وهذا ما حمل الرسام “مارك شاغال” معللا الملاحظة أن “التكعيبية” تُغالي في الواقعية، أي أنها تهتم كثيرا بالحجم والأشكال الهندسية وهي أمور “فيزيائية” بدلا من أن تهتم بالأحاسيس الفنية (كالأفراح والألآم) هنا تجدر الإشارة إلى أن (الوسط المحرك للشعور) الذي يتكلم عنه “بوكسوني” يلبي الحاجة التي أبرزها “شاغال”.

وعندما أطل على العالم الفني المذهب “التعبيري” وأمتاز أتباعه باستعمال التصاميم والمخططات المجردة من أجل الوصول إلى درجة التعبير عن العواطف والأهواء النفسية، وليس الوسط (المحرك للشعور) الذي أراده التعبيريون، إلا نتيجة نظرية (لنبدأ الانطلاق الحيوي) وفي هذه الأثناء ظهرت فلسفة الإيطالي “بنديتو كروتشي” وأحدثت تأثيرا عميقا في الأوساط الفكرية العالمية، حيث رفض “كروتشي” الفلسفة الوضعية، وأحتفظ فقط بما تقوله عن الملموسات، ولكنه أعتمد في تحليل الملموسات على الطريقة المثالية التقليدية، التي تعتبر أن الروح متغلغلة في المادة، لقد همس ” كروتشي” في آذان الرسامين أنهم ليسوا بحاجة لتشريح الواقع تشريحا نفسيا، وأنه يكفي وينبغي أن يتحسسوا بالواقع كاملا بوصفه حياة الروح، حيث اعتبر “جورجو دي كيركو” مؤسس المدرسة “الميتافيزقية” الإيطالية، وابتكر أسلوباً جديداً في التصوير، مزج فيه بين الطبيعة والطبيعة الصامتة والعمارة، اتسم بالشاعريّة المتماهية في الوحشة والقلق والخيال الكابوسي، الذي يقدم رؤية جديدة للحياة، بدت فيه مقفرة ومنعزلة وواسعة ورافلة بالوهم.

ومن هذا التداخل الفني الذي يوضح التكيف بفلسفة ” كروتشي”، ولكنه أصر مع أتباعه على إعطاء الأشياء المحسوسة معنىً خارقا مستخلصا من حياة الروح، ومهما يكن من أمر، فإن فضل المدرسة “الميتافيزقية” وهو السعي؛ لإدراك ما يمكن وراء الأشياء المحسوسة واقتناص ما تتضمنه هذه الأشياء من عناصر شعرية مخبأة واتجاه فني من صلب المستقبليّة، ويعني التصوير الماورائي، أو ما بعد الطبيعة، أو ما وراءها، أو ما هو أبعد منها، أو بتعبير آخر، هو التصوير الذي يسعى إلى التعبير عما يختفي خلف الطبيعة، واذا نحن وضعنا نظرية “فيرويد” (المعروفة بعلم النفس التحليلي الميتافيزقية المثالية) التي ينادي بها “دي كيركو” وأتباعه، ندخل في هيكل المدرسة “السريالية” التي ترجع جذورها البعيدة إلى الشاعر “بودليير” وبجذورها القريبة إلى الشاعر “ابولينيز”، حيث أراد “السرياليون” أن يُسخّروا الرسم من أجل تنقيب علمي يستهدف اكتشاف النشاط النفسي “للّاوعي” المستقل عن النشاط الفكري، وكانت نتيجة ذلك أن شددوا في لوحاتهم على “الشهوة الجنسية المكبوتة”، وأهملوا النشاط الفكري إهمالا تاما.

فجاءت آثارهم خالية من أسس الخلق الفني، ولم تلبث الطريقـة “السريالية” أن تلاشت، فأبتعد عنها الفنانون بعد أن شغفوا بها زمنا، لأن أي نشاط فكري، يكون مرتبطا بتاريخ العصر الذي يظهر فيه، لأن الآثار الخارقة في جمالها، تتعدى الزمان وتصبح خالدة، ولكن هذا لا يعني أبدا أنها تختلف عن عصرها، بل تقدم للأجيال المقبلة القيمة الفريدة الفذة التي تتضمنها كل حضارة من الحضارات، وعلى الرغم من التشاؤم الذي يسود زمننا، يمكننا القول (ان الحضارة التي نشأت وتكونت خلال الماضي التي هي أيضا قيمة فريدة) إذا أردنا اكتشاف المعطيات النظرية للفن، علينا أن نرجع أولا إلى مثالية القرن التاسع الأوروبي- التي تقول (إن الفن هو التعبير عن مُثل أعلى، لا تقليد الطبيعة) بل يتطلب بعض الخصوصية والتميز في الأسلوب، كنموذج يجب التقيد به، وذلك فالانطلاقات الخيالية أو العاطفية (مثلا) كانت تشجب بشدة ليس فقط الفنانين، بل عند الفلاسفة المثاليين أيضا، حتى رأينا أن طريقة رسم الواقع واختياره، لم تلبث أن سيطرت على الفلسفة الوضعية والتصوير الواقعي، لذا نرى في الفنانين اندفاعا في الاتجاهات التعبيرية والتجريدية والسريالية والتكعيبية، وفي تجارب تشكيلية متنوعة، لأنهم -على حد قولهم- يرغبون في التوصل إلى شي (ما)؛ لأن الشعور في الواقع ليس إلا وجها آخر لحقيقة مادية، وأن الأهداف المتغيرة التي أخذ الفنانون في وضعها لأنفسهم والتي تعكس التطورات الاقتصادية والفكرية والاجتماعية، أخذت شكلا آخر للتعبير يناسبها، ألا أن التناقض يكمن في وجود علاقات اجتماعية سائدة تتصادم والأوضاع الحياتية الجديدة التي خلقتها هذه التطورات، ومهما تنوعت أشكال الفنون، فأن المحرك الأول وراء هذه التنوعات، هو إحساس الفنان الإنسان، الذي يحاول جاهدا أن ينقله للآخرين عن طريق مادة معينة، ولا يمكن معرفة نتائج هذه العمليات أو قيمتها قبل أن ترى النور، ويستجيب معها الآخرون الذين منحتهم الطبيعة من الحساسية ما يمكنهم من الاستجابة لهذه القيم الجمالية والإحساس بها:

  1. لمألوف وغير المألوف) وهو معالجة المواضيع المألوفة بزاوية جديدة وبطريقة مغايرة غير مألوفة، (مثال ذلك) لو أردنا رسم (كرسي) كما هو في وضعه المألوف، لأصبح شيئا عاديا، ولكن لو رسمناه بطريقة مختلفة وبوضع مغاير، لأصبح الموضوع “ملفت للنظر”، لأنه لم يعد (كرسيا) وإنما صورة لكرسي، وهذه الميزة يسبب صداعا حقيقيا للفنانين، لا يتحقق بسهولة دون سنوات طويلة من الثقافة والخبرة والاحتكاك والتجارب، لأن لذة الحياة تتضمن، الاستمتاع بقيم جديدة، وقد نستمتع بالتجديد في لون “رداء” أو “مفرش” أو تقسيم حديقة، أو تغيير أماكن الأثاث من حين لآخر، يعني (التجديد) فالإنسان يرتاح “للتجديد”؛ لأنه من طبيعة الحياة وفي أرقى حالاتها، فكما أن الكائن الحي يجدد خلاياه، وتجديد الخلايا من صفات الحياة نفسها.
  2. (الاستجابة) أن وجود استجابة للأعمال الفنية، لها أهمية في اتساع تأثير هذه الأعمال، وفي خروجها من دائرة المجتمع الصغير إلى دائرة المجتمع الأكبر، تدل على نجاح هذه الأعمال، وهذا النجاح يرتبط إلى حد كبير بعمومية الرموز والعلاقات الجمالية الخاصة بمشاعر الناس واهتماماتهم وتذوقهم لهذه الأعمال وتقديرهم.
  3. (تأثير البيئة) أن البيئة والظروف المحيطة والمناخ المناسب، هي التي تشجع على عطاء الفنان، وازدهاره، ووجود الثقة والدعم والاهتمام تساعد على نمو الموهبة، وإعطاء الانطلاق، وعدم الإصرار على انتهاج نهج محدد ليصل في نجاحه إلى مستوى ارقى، وهناك عامل مهم في المنظومة، يحب الأخذ في الاعتبار، ألا وهو التناسق في استخدام الخامات والأدوات مع الفكرة، لإيصال المنظومة إلى آفاق التلقائية والاندهاش المتمثلة في أساليب الشفوفية، بما يناسب الموضوع الذى يتشكل في أحضان الخيال والعاطفة والجمال، الذي يتصف به أي عمل فنى، فهو ما يثير الرغبة في التأمل؛ دون الحاجة إلى الفهم، يمكن أن يراها المتلقي بأكثر من معنى وأكثر من وجهة نظر، وخاصة الألوان، حيث تلعب دورا أساسياً في المنظومة، فتبدو أحياناً تتحاور فيما بينها، ومرات أخرى كأنها في صراع دائم مع الآخر، اذ تمتزج فيه العديد من التناقضات التي تثير فكر ومشاعر المتلقي بقوة، وتدعوه للتفاعل معها برؤية ذاتية، تغوص في أعماق الفكرة، برؤية تلقائية تتميز بقوة التعبير تتوحد فيها المادة وتتعانق الألوان والخطوط برؤية شمولية شديدة الحيوية والحركة تقترب كثيرا من عالم الأسطورة، وأيضا التقنية، فهي مهمة في ترجمة الموضوع بشكل صحيح ومتوافق مع بقية الخامات، هي عادة جملة من الأسباب، أما الأسباب الأخرى، فهي المُثل الأعلى الذي يؤمن به الفنان (الأصالة والشعور النفسي والقيم الحضارية) هي فلسفية شخصية، قد تؤثر في عمل الفنان (مثلا) الرسام الذي يرسم الأشجار الملآى بالأوراق الخضراء والزهور المتفتحة، ينتمي إلى بيئة تختلف عن الرسام الذي يرسم الأشجار التي ثوّبتها الزوبعة والأعاصير، وهناك عامل مهم يجب أن يعمل له الفنان، وهو (تنمية التذوق الفني لدى الجمهور) وهذا لا يتم الا بالتقرب من هذا الجمهور، من مشاغله وأحاسيسه وهمومه ومعاناته بصدق بعيدا عن -المبالغة- وعلى ألا يحمل هذا الهدف أكثر من الغاية التي نتوخاها، وهي إنماء الذوق الفني والحاسية الجمالية لديه، حيث أن العلاقة الطبيعية بين الفنان والجمهور، ستؤدي بلا شك إلي التأثير على نوعية الإنتاج وعلى ذوق الجمهور معا، فيؤثر أحدهما على الآخر، ويظهر أثره أيضا على المجتمع، معبرا عن حاجة الجمهور وادراكه وفهمه، مع الأخذ في الاعتبار عدم التنازل عن شخصية الفنان ومبادئه الفنية، بانتقاء الأعمال المميزة والتجارب الجادة، وان المكسب المعنوي يفوق أي مردود مادي.

مصادر الاقتباس من الأعمال العالمية 

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود