كانت بدايات الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية أشبه بوميضٍ خافتٍ في ليلٍ طويل، سرعان ما أخذ يتوهّج حتى صار ضياءً يبدّد عتمة الفراغ البصري. لم تكن تلك البدايات مجرّد محاولات فردية معزولة، بل كانت فعلًا حضاريًا عميقًا، تشكّل في رحم التحوّلات الاجتماعية والثقافية التي شهدها المجتمع السعودي في منتصف القرن العشرين.
في تلك الحقبة، لم يكن الفن التشكيلي خيارًا مألوفًا، ولا طريقًا ممهدًا، بل كان ضربًا من المغامرة الوجدانية التي خاضها نفرٌ من الحالمين. عاد بعضهم من مواطن الدراسة في الخارج، محمّلين برؤى جديدة، وتقنيات حديثة، وأحلام أكبر من واقعهم؛ فعمدوا إلى صوغ لغة بصرية خاصة، تستلهم من البيئة المحلية من الصحراء واتساعها، ومن العمارة التقليدية، ومن الزخارف الإسلامية، ومن تفاصيل الحياة اليومية وتعيد تقديمها بروح معاصرة.
هناك، في تلك المساحات الأولى، كان اللون يُكتشف كأنه يُخترع لأول مرة، وكانت اللوحة تُعامل كأرضٍ بكْر، تُستصلح بالحدس والتجريب. لم تكن الأدوات متوفرة، ولا الصالات مهيأة، ولا الجمهور مهيّأً لتلقي هذا الشكل الجديد من التعبير؛ ومع ذلك، مضى الرواد بثقةٍ هادئة، كمن يعرف أن ما يزرعه اليوم، وإن بدا غريبًا، سيغدو يومًا ما جزءًا من ذاكرة المكان.
برزت أسماءٌ حملت على عاتقها هذا التأسيس، مثل محمد السليم الذي سعى إلى تأصيل علاقة اللوحة بالصحراء عبر مفهومه “الآفاقية”، حيث يمتد الأفق لا بوصفه منظرًا طبيعيًا فحسب، بل كفلسفة وجودية تعبّر عن الاتساع والسكينة والبحث. وكذلك عبدالحليم رضوي الذي خاض في عوالم التجريد، ممزوجًا الحس الحداثي بملامح البيئة المحلية، في محاولة لخلق توازن بين الأصالة والانفتاح. أما ضياء عزيز ضياء فقد كان صوتًا ثقافيًا لا يقل أثرًا عن فرشاته، إذ أسهم في نشر الوعي الفني، وفتح نوافذ الحوار حول دور الفن في المجتمع. ولا يمكن إغفال تجربة صفية بن زقر التي حفظت الذاكرة الشعبية في لوحاتها، وجعلت من التراث الحجازي سجلًا بصريًا نابضًا بالحياة.
لقد كانت تلك المرحلة، الممتدة على مدى ثلاثة عقود، زمنًا مركبًا من العناء والجمال؛ عناءُ التأسيس في بيئةٍ لم تعتد بعد على هذا الفن، وجمالُ الاكتشاف الذي يرافق كل خطوةٍ أولى. كان الرواد يشتغلون في صمتٍ غالبًا، لكن صمتهم كان مشحونًا بالإيمان، إيمانٍ بأن للفن دورًا يتجاوز الزخرفة إلى بناء الوعي، وصياغة الذائقة، وتوثيق التحوّلات.
ومع مرور الزمن، بدأت تلك الجهود تتراكم، كطبقاتٍ لونيةٍ فوق سطح لوحةٍ واحدة، حتى تشكّل منها مشهدٌ فني متكامل. ظهرت المعارض، وتأسست الجمعيات، وتوسّع حضور الفن في التعليم والإعلام، وصار للفنان التشكيلي مكانٌ في المشهد الثقافي العام.
هكذا، لم تكن البدايات مجرد ماضٍ يُروى، بل هي جذرٌ حيّ، ما زال يغذّي الحاضر، ويمنحه عمقه ومعناه. وكل ازدهارٍ نشهده اليوم في الحركة التشكيلية السعودية، إنما هو صدى لذلك الجهد الأول، وذلك الحلم الذي بدأ صغيرًا… لكنه كان، منذ اللحظة الأولى، كبيرًا بما يكفي ليصنع تاريخاً.
احتضن المتحف الوطني السعودي في العاصمة الرياض، العرس الثقافي الفني معرض بدايات الذي تنظمه هيئة الفنون البصرية، حيث جمع نخبة من جيل الرواد الأوائل للفن التشكيلي السعودي، بعضهم لم يرى الآخر منذ سنوات طوال، قد يكون منذ عهد معارض الرئاسة العامة لرعاية الشباب، حيث كانت تقيم معرض الفن السعودي المعاصر ومعرض المقتنيات ومعرض المناطق، وكان الفنانين شغوفين للحضور لتلك المعارض.
يوثق معرض بدايات فترة تأسيس الحركة التشكيلية في تاريخ السعودية التي تمتد منذ الستينيات وحتى الثمانينات من القرن العشرين.
ويحتفي المعرض بشخصيات مهمة في عالم الحداثة الفنية في السعودية، ومساهماتهم في التيار الفني للمملكة، ويطغى على بدايات مشهد الفن الحديث ارتباطه بالبيئة المحلية على تنوعها.
اليوم في عهد جديد مع هيئة الفنون البصرية كانت البدايات، والبدايات هو حلم كان يراودنا منذ زمن، ونعني بالبدايات هو جيل البدايات في الفن التشكيلي السعودي، ولعلي هنا أقول بأن هذا الجيل الجميل الذي تعلمنا منهم الكثير من الصبر والمعرفة، تعلمنا منهم الحب للعمل الفني، تعلمنا منهم الخبرة في تنظيم المعارض.
واليوم حان الوقت لنحتفي بهم ومنجزهم الفني، ونفرح لهم، ونؤيد ما تقوم به هيئة الفنون البصرية من اهتمام بالفن والفنانين، على أمل أن يحظى الجيل الثاني على حفاوة بالغة كما حظي هذا الجيل من حفاوة وتقدير، لاعتقادي بأن الجيل الثاني هو المهم اليوم للرعاية والحفاوة والدعم، لعدة أسباب، لعل أهمها انهم جيل لم يكن في دائرة المنافسة حين وقت الرواد، ولم يكن ضمن دائرة الحفاوة وقت جيل الرواد في البدايات واليوم، لذا من الجميل أن تلتفت الهيئة لهذا الجيل المهم في تاريخ الحركة التشكيلية في المملكة العربية السعودية مع مودتي.