
عبدالعظيم الضامن*
ينتمي الفنان الضامن حسب تصنيف بعض الكتاب (أحمد فلمبان) إلى الجيل الثاني في تاريخ الفن التشكيلي السعودي، حيث بدأ بمشاركاته الرسمية منذ العام ١٩٧٨ م، وهو أول معرض شخصي أقامه في نادي النور بسنابس، وتوالت مشاركاته الفنية الجماعية مع معارض الرئاسة العامة لرعاية الشباب والمعارض الفردية حتى يومنا هذا.
في زمن عاشه جيل الستينات كان للحكاية أهمية كبيرة في حياتهم، بعضها كانت خرافات تحكيها الجدات للأطفال قبل النوم، وبعضها حوادث مرت على المنطقة؛ مثل تلك الحادثة الشهيرة التي ما زال البعض يستلهم منها بعض المفردات لصياغتها فنيًا وأدبيًا، وهي سنة الطبعة التي القت بظلالها على ذاكرة المجتمع في الخليج العربي، وهذا ما كان يسمعه الفنان عبدالعظيم الضامن من والدته ووالده حينما يأتي الحديث عن سنين مضت وتذكر بحوادثها في جزيرة تاروت بمحافظة القطيف من المملكة العربية السعودية.
وظلت تلك القصص عالقة في ذاكرته حتى بدأ يستلهم المتخيل منها ليحوله لقالب فني رمزي.
سنة الطبعة
في حديث خاص تم تصويره للكاتب (الضامن) مع المؤرخ عبدالله تركي التركي، أحد أشهر النواخذة في جزيرة تاروت، يقول:
في ليل أظلم جاءت زلزلة أغرقت جميع السفن في الخليج العربي، وبعد الزلزلة رمى البحر جنائز البحارة، وهم من كل مكان، من عمان والكويت والإمارات والبحرين وقطر، أجساد غرقى شوهدت على شاطئ مدينة سنابس بجزيرة تاروت، وخرجن النساء إلى الساحل يندبن ذويهن الغرقى.
واحترقت السفن والبساتين، وأكلت اليابس والأخضر، وقال فيها الشاعر حمد بن علي الحمود التاروتي:
يا ليلة صار فيها الويل والصايح كم من غريق وكم من نادي صايح
حدثت سنة الطبعة في عام 1923م
بالتحديد على الساحل الشرقي للجزيرة العربية ابان موسم الغوص، والطبع في لغة أهل الخليج الدارجة يعني “الغرق” فيقال ان المركب “طُبع” أي غرق. حدثت تلك الواقعة بينما كانت سفن الغوص متواجدة على المغاصات للشروع في عملية الغوص صباحًا، وكانت أكثر السفن على مغاص يقال له “الديبل” بينما بقية السفن الغوص متفرقة على المغاصات الأخرى، ففي منتصف الليل هبت رياح نشطة تصاحبها أمطار غزيرة، فثار البحر وزمجر، وتعالت امواجه وتلاطمت جوانبه ودفعت الرياح والأمطار السفن مع كل الاتجاهات، فتلاطمت مع بعضها وتعالت أصوات خلق الله بترديد التضرع والتوسل إلى الله والالتجاء إلى رحمته، وهم يصارعون هول هذه الليلة الليلاء الحالكة الظلمة ويسمعون النداءات والاستغاثات من كل ناحية يتعالى مع صرير الألواح وتمزق الأشرعة وتلاطم الأمواج ببعضها وغرق أكثر السفن والمراكب بما فيها إلا من كتب الله له النجاة.
بعد انتهاء العاصفة وسكون البحر هرعت سفن الإنقاذ من الموانئ القريبة حاملة الطعام والشراب والاسعافات الأولية .
نجو من نجو بأعجوبة ومات من مات، وظلت تلك الحادثة تترد على مسامع الأجيال، جيل بعد جيل، تتناقلها الجدات والأجداد.
ولم تكن تلك الحادثة بعيدة عن مسمع الفنان التشكيلي عبدالعظيم الضامن ابن مدينة سنابس الساحلية في جزيرة تاروت، التي تحيطها مياه الخليج العربي من شمالها إلى جنوبها، بينما هو يستمع لتلك القصة من جدته، ارتسمت في مخيلته الكثير من الأفكار، حتى نضج وفهم الحكاية، وكرس جزء كبير من تجربته الفنية ملتصقًا بالبحر وقصص البحر، يرسم تلك السفن التي عصف بها الزمن، لتتحول إلى ذاكرة الإنسان الذي عاش فترة الغوص والصيد، ويحولها إلى تلك النوافذ المطلة على البحر، المرتبطة بالترحال وثقافة الأمكنة.
أما علاقة الرسوم الصخرية برمزية الإنسان في لوحات الضامن تأتي من زياراته المستمرة لمدن المملكة والعالم، ورحلته إلى حائل شمال المملكة كانت مفصلًا مهمًا في التجربة اللونية والفكرية.
جبال أم سنمان
حينما زار منطقة جبة في حائل شاهد تلك النقوش والرسوم على تلك الجبال (جبل أم سنمان) التي تعتبر من أهم الرسوم الصخرية على أرض الجزيرة العربية.
لم تمر تلك الرسوم على ذاكرة الفنان الضامن بصريًا دونما تحتل مكانة مهمة في تكويناتها الرمزية في أعماله الفنية.
(تعد الرسوم الصخرية والنقوش مصدرًا مهمًا من مصادر دراسة تاريخ حضارات الممالك والمدن والمجتمعات المتباينة في شبه الجزيرة العربية حيث يتضح من خلالها تاريخ ونشاط وثقافة تلك المجتمعات، والمستوى الفكري لمجتمعاتها، وطريقة تفاعلهم وتفكيرهم مع البيئة، وتهدف دراسة مثل هذه الرسوم الصخرية والنقوش إلى فهم حياة تلك المجتمعات على اختلاف أوضاعها، سواء أكانت الدينية أو اجتماعية أو اقتصادية سياسية ثقافية، حيث تمثل هذه الرسوم الصخرية الأسس الأولى لفكرة الكتابة وتعكس التغييرات والتطورات التي طرأت على تاريخ الجزيرة العربية وحضارتها، وكيف تعامل الإنسان مع البيئة المحيطة به).
في العام ٢٠٠٩ للميلاد زار الفنان الضامن باريس لملتقى أعلام السلام، وأثناء الملتقى طلب من كل فنان يعبر عن رسالته في لوحاته الفنية، وكان الفنان الضامن يردد الآية الكريمة (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير). وحينما بدأ برسم الفكرة وهي عبارة عن ثلاثة لوحات بدأ في ممارسة رسم الشخوص دون ملامح، ودون الاهتمام بالنسب البشرية بشكل دقيق، فإنه يحمل دلالات تعبيرية وحسًا فنيًا يتصف بالتلقائية والبساطة والتجريد، لا يهتم بتفاصيل اليدين ولا يهتم بالأطراف، لقد اهتم بثنائي الأبعاد حيث ظهر عنصر التسطيح لشكل الإنسان في مجمع الأعمال الفنية التي سمتها البارزة هو الحس التجريدي المسطح، وتظهر الأعمال الفنية الأخيرة للضامن وجود الحركة والتفاعل التي أراد الفنان ان يبرزها في أعماله.
وحينما حضر الجميع ليستمع الفكرة من وراء هذه اللوحات أوجزها بالآية الكريمة لتختزل كل ما يمكن قوله من خلال التجريد اللوني للجسد، وهو نفس الفكرة الموجودة في الرسوم الصخرية في كل مكان في العالم، وبالتعريف للفنون الصخرية ومقاربتها للعمل الفني يمكننا القول:
(الفنون الصخرية هي تلك الرسوم من الأشكال الآدمية والحيوانية وبعض الأدوات التي كان يستعملها الإنسان في بيئته، والتي قام الإنسان في مرحلة زمنية ماضيه بنحتها على الصخور، وبقيت آثارها موجودة، وكان توافر الصخور على الأرض فرصة عظيمة للإنسان كي يدون عليها أفكاره ومعتقداته من خلال تلك العناصر الفنية، سواء أكان ذلك بالحفر أم النقر أم الغراة، وعندما صارت هذه الفنون تدرس بطريقة علمية أطلق عليها الفن الصخري أو الفنون الصخرية).
بينما تأتي بعض الأعمال الفنية المرتبطة بالعقل الباطني للفنان واهتمامه بالمنمنمات، فقد تناول في بعض أعماله الفنية مقاربات بين ما رسمه الواسطي في مقامات الحريري وما أنتجه من أعمال فنية، في لوحة (كلنا إنسان) التي تعتبر منعطفاً مهمًا في تجربة الفنان الضامن، حيث بدأ في الاختزال والدلالات الرمزية وتوظيفها بحس تجريدي، رسم لوحة (كلنا إنسان) الشخوص الآدمية بخطوط موحية بأجساد الإنسان المجرد، وفي أعلى اللوحة كتب عليها آية قرآنية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). تلك اللوحة كانت المنعطف الذي غيّر أسلوب الضامن، واستمر في ممارسة الشخوص المجردة في أعماله الفنية حتى يومنا هذا، وهنا يمكننا التقريب في ما تم ذكره في سياق الحديث حول الأثر والتأثر، حينما نشاهد الرسوم الصخرية في جبال جبة في حائل وبعض الرسوم في جبال نجران وتبوك، نستطيع المقاربة بين ما أنتجه الفنان السعودي من خلال ما شاهده وارتسم في عقله الباطني، لينتج ولو من غير قصد أعماله الفنية بتلك التراكمات الفنية البصرية.
وهو ما استخدمه رسامو المنمنمات في أعمالهم الفنية، التي بلا شك كان لها أثر كبير في ممارسات بعض الفنانين التشكيليين في المملكة العربية السعودية والعالم.
(المتتبع لرسومات الواسطي الذي أثرى الحياة التشكيلية بجمالياته ورؤيته الثاقبة ورونق ألوان الفاكهة وخططه الرشيقة ما بين الرسم التوضيحي وفن التلوين، تركت حالاتها للمتلقي العربي والغربي، عناصر تكويناته المعمارية وتشكيلاته الزخرفية وشخوصه وحيواناته الرقيقة المناسبة والدقيقة الناعمة التي تملأ سطح اللوحة، ليس خوفًا من الفراغ كما يرى البعض ولكنها حالة من حالات التجلي والشجن والإيقاع وما رآه بعينه الثاقبة اللاقطة، كل ذلك لمصلحة أعماله، وشاهد ثقافات الشعوب والحضارات، ورغم السكون والحركة في أعماله فإننا نحس بالتبتل وغامر الشفافية في خطوطه الناضجة المنال مناسبة وألوانه المتداخلة في نسيج أعماله) المراجع الخليج العربي بقلم السير ارنولدت ويلسون، الصلات الحضارية بين آبار حمى وقرية الفاو من خلال الرسوم الصخرية د. سلمى محمد هوساوي دراسة تحليلية مقارنة للفنون الصخرية في جبل الكوكب بمنطقة نجران الدكتور/ فيصل بن حمد آل جبرين المنمنمات الإسلامية، د. حسين جمعان عمر روائع القيمة العالمية والمظاهر الحضارية في موقع حمى الثقافي بالمملكة العربية السعودية الدكتور/ ضيف الله العتيبي.