الأكثر مشاهدة

أحمد فلمبان  المتأمل للفن التشكيلي السعودي، يرى حيرة الفنان السعودي في خطه العام …

حيرة الفنان السعودي

منذ 7 أشهر

289

0

أحمد فلمبان 

المتأمل للفن التشكيلي السعودي، يرى حيرة الفنان السعودي في خطه العام، وبحثه عن الخصوصية الذاتية والشخصية الفنية المحلية بأشكالها ومفرداتها واساليبها المستقلة، لا شك أن لديه موروثات من حضارات عريقة وإلى فنون وثقافات وتقاليد الشعوب التي استوطنت هذه البلاد، التي جلبت معها عاداتها وتقاليدها الشعبية والفنية، وانصهارها بالعادات والتقاليد الاجتماعية المختلفة لدول الجوار، وشعوب شرق القارة الأفريقية، وجنوب الجزيرة، فهل يأخذ من الأشكال التي تعبر عن هذه المجتمعات المتمثلة في العادات والتقاليد والأنظمة والمفاهيم والظروف؟ أو عن المجتمع المعاصر بتطوره السريع وتناقضاته الحادة ومتطلباته ومفاهيمه المعقدة والمتشعبة، وتقديم معالجات لها علاقة ببعض المتغيرات الفنية؟! أم يتجه إلى آثار “الفن الإسلامي” بنقوشه وريازته والزخرفة البنائية والتشكيلات الهندسية، أو الحروف العربية؟! أو إلى التصاوير القليلة المتوارثة في بعض المخطوطات؟ يبدو أنه استثنى كل ذلك! لأن بعضها صعبة التنفيذ والبعض لم يستوعبها جيدًا، أو بعيدة عن بيئته،  فالنقوش والريازة، والهلال والقباب والمنابر والمنائر والأقواس والسجاد والسبح ومناضد قراءة القرآن، هي من الرموز الإسلامية، وملك مشاع، وملهم لكل فنان مسلم، بما فيهم الأمريكي والإيطالي والفرنسي، أذكر أن الفنان الإنجليزي سبنسر تارت، أقام معرضًا شخصيًا في عام 1399هـ بعنوان (جدة في 55 لوحة مائية) رسم عن النقوش والزخارف والرواشين والشبابيك والأبواب والمشربيات والبيوت والقصور القديمة ومقرات السفارة الإنجليزية والفرنسية، ومبنى وزارة الخارجية، والقشلة ومسجد الشافعي، وحرفي المهن التقليدية والصناعات اليدوية والباعة الجائلين والصيادين، وعمال البناء، وألعاب الصغر والبنقلة القديمة، وجلسات الطرب، ورواد المقاهي في العمارية والكندرة وباب شريف، أيضًا الفنان الباكستاني “تنوير شمس” في معرضه الشخصي عام 1408هـ، قدم 98 لوحة مائية وزيتية وباستيل، عن أهم المعالم ومظاهر البيئات الشعبية والحواري القديمة في جدة، حي اليمن والبخارية والهنداوية وغليل والمظلوم والخاسكية والعلوي وباب شريف وباب مكة وسوق الأهدل وحراج الصواريخ والكرنتينة، وقهوة الفيشاوي وقصر خزام، ومناجر صناعة القوارب، ومحارق الخزف والفخار ومسالخ الدباغة ومصاهر الحدادة ومعاصر السمسم في الكندرة، ومطاحن الدخن والدقيق في العمارية، وبازان البغدادية، ومخبز عبدالصمد شكري للعيش الحب والصامولي،  وورشة عمر جوخب ومحمد نور أشهر صانعي الأعواد والسمسمية في جدة، ودكان الأمير للفول والعريكة، وصندقة عمر باقراع لبيع السوبيا، ودكان عثمان كنو للراس المندي، وفنون الرقصات الشعبية، المجرور في الطائف والعرضة في نجد، والخطوة في جازان ونجران، والمزمار والزومال في مكة، وبيوت الشعر والطين والحجر والقعدة في نجران وبيشة، والأثار التاريخية في تاروت والعلا والمهد والفاو، وغيرها من مدن المملكة، حتى أصبحت أعمالهما مصدر إلهام للعديد من الفنانين السعوديين؛ لأنها الجاهزة والمرسومة بدقة وحرفية، يقتبسون وينسخون منها طيلة أربع عقود، وإلى الآن يستقون ويقلدون منها، وينسبونها لأنفسهم، وأصبحوا بفضلها فنانين وروادا؛ لأن هذه المعالم، لا يعرفها الكثيرون لأنها من مئات السنين، بما فيهم أدعياء الصياغة الجمالية والهوية البصرية لمدينة جدة، إضافة إلى أن هذه المفردات أقرب إلى المعمار منها إلى التصوير ولم تأخذ طابعًا تشكيليًا التي يمتزج فيها المعمار والفن التصويري، بدرجة تصبح مصدرا للإلهام الفني؛ لأن بعضها موجودة في بعض الدول والمجتمعات المماثلة؛ مثلًا الرواشين والشبابيك والمشربيات، موجودة في تونس والمغرب وبعض مدن اسبانيا، المستقاة من العمارة الكويتية، والمتأثرة من الفنون الهندية والنقوش الفارسية من حيث الزخارف وأغصان العنب وأوراق السنابل وطريقة الحفر، وهناك الحياكة المطرزة (الشبيهة بالسدو في الجزيرة العربية) الموجودة في بعض قرى باليرمو بصقلية الإيطالية، وقد تختلف في النقوش بأشكالها الدقيقة المعقدة والزخارف الهندسية المثلث والمربع والمعين، وغالبًا ما يستخدم في حياكته شعر  الماعز أو صوف الغنم، ويعتمد في التلوين بالمواد الطبيعية المستخلصة من ركام بركان اتنا، ويُصنع منها المنتجات المعاصرة،  مثل: الأزياء والديكورات والمفارش وسجادات المجالس والممرات، وأغطية السرر والمخدات والمساند والتكايات والبطانيات  والملايات، وأغطية الطاولات والكراسي والكنبات، ودعاسات المداخل والحمامات، والستائر، والملابس والشالات الصوفية الشتوية، وأغطية الرأس التقليدية والدينة للنساء، والقبعات التقليدية السشليانية، وأزياء الاحتفالات والمهرجانات والكرنفالات.

إذًا؛ لم يبق أمام “الفنان السعودي” مورد آخر غير “الفن الغربي”، وهنا كان عليه أن يختار المرحلة التي يأخذ منها أشكالها التي تناسبه في حدود القيود والمحاذير، وإمكاناته التقنية وثقافته الفنية، ترافقت مع بعض الاجتهادات البسيطة أو بالتقليد والنسخ من أعمال الآخرين، وحشوها بالوحدات الهندسية “المربع، المثلث، الدائرة، المعينية، والهلالية” إلى جانب المظاهر البيئية والاجتماعية والتقاليد والعادات، لمنحها البعد المحلي، بأسلوب رمزي أو تكعيبي أو التجريدية، للابتعاد عن تصوير الإنسان وذوات الأرواح رسمًا ونحتًا، وإن تباينت في الطرح؛ لأن ثقافة معظم الفنانين السعوديين بل جميعهم، من مصادر غربية -وإن كانت غير مباشرة- تعزز مكانة الفن الأوروبي، وتدعو له بكل الوسائل المتوفرة، على الرغم من الاختلاف في واقعنا وواقع الغرب، في الطبيعة والحضارة والتفكير والثقافة والممارسة الفنية؛ لأن الظروف الاقتصادية والفكرية والثقافية، والحاجة التي خلقت هذه الحركات، أخذت تنمو بشكل متدرج مهيأة للأصول المادية اللازمة لانبعاث حركات مماثلة، فالتطورات الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا هي امتداد لتطورات الحضارة المعاصرة في العالم، وأن الأساليب والاتجاهات والمدارس الفنية التي ظهرت لديهم ما يبرره، غير أن الفنان السعودي إذ يخرج للناس بإنتاجه، يجد نفسه أمام ظروف أبعد من أن تكون ملائمة لإمكاناته، إذ تتفاوت في درجة علاقتها بموضوع اهتمامهم، خاصة أنه ليس مُحتَرِفًا بالمعنى السائد، إذ هو لا يعيش على فنه، فأكثرهم معلمون أو هواة ميالين للفن، لذلك يتجه أكثر الفنانين إلى التجريدية وهم بها جاهلون، أو إلى الفن الحديث وما بعده،(مثل) المفاهيمية، والتشكيل في الفراغ، والتشخيص المرتبك والطوتمية، كمصادر لحلول سهلة وسريعة، لمن لم يجدوا للشهرة وسيلة غير الفن، على الرغم من أنها انتهت معاركها لدى الغرب، إضافة إلى الركض في تنفيذ أعمال المناسبات والمقاولات، ولمن تذهب له الجوائز وينجح في البيع، واللهث لمؤثرات السوق وتحقيق رغبات هواة الاقتناء، بسبب الفرص المتاحة من بعض الصالات التجارية للأعمال الرخيصة، التي دمرت نقاء الفن التشكيلي السعودي، وأحبطت الفنان الجاد، فمن خلالهم اهتزت فيها المعايير، حيث  توالدت  الأوهام من المغرورين الشغوفين، الذين يعيشون على سذاجتهم، وأوهامهم التشكيلية التي في نظرهم، تجارب تستحق الوقوف والحديث عنها، فهذا هو السخف والغباء بعينه، وقد يصل صاحب هذا (الغباء) إلى الشهرة –هذه الشهرة- التي لا تتعدى رأسه، وهذا الواقع سبَّبَ كثافةً ملحوظة في الإنتاج تتفاوت في درجاته بين الغث والرديء، أُطلقت مسميات كبيرة على أوهام صغيرة،  نُفخ فيها وتضخمت، حتى أصبحت بضاعة كبقية البضائع الاستهلاكية، لتلبية رغبات فئات معينة، ولا يهم هنا النوعية، المهم ماذا تريد هذه الفئة؟ حتى باتوا يتصدرون المشهد، وهنا يجد الفنان الجاد، في إحباط ويأس بين الجزء المؤثر القادر على الشراء واغراءات السوق، وبين التقاليد الفنية الموروثة لديه، وتحت وطأة هذه الظروف جعلت أكثر أعمال الفنانين في سلة واحدة وصيغ إنتاجهم تتشابه وتتكرر، ولا يألون جهدًا في البحث والاطلاع والدراسة والتجريب، والتريث في الإنتاج، بالتالي يكون انحسار الفنانين بعيدًا عن بحث يوصلهم إلى اختلافاتهم وإلى شخصياتهم الفنية وإلى تميزهم، ولا إلى تطوير قدراتهم، وارتقاء مستواهم الفني، بالدراسة المتخصصة في الفن والممارسة الجادة والتجارب المدروسة، للوصول بفنهم إلى آفاق أوسع تضيف لهم مدارك ومفاهيم إبداعية شاملة، فليس الشغف والاقتباس واللطش، وسيلة للوصول لذلك؛ لأن هناك فرقًا بين الإبداع وصناعة التصوير.

من أعمال الفنان الهولندي  Harbor Sunrise

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود