
أحمد فلمبان*
في العام 1326هـ قررت مدرسة النجاح الخيرية الأهلية بمكة المكرمة (وهي المدرسة الرحمانية الابتدائية حاليًا) بتدريس مادة الرسم والخط العربي والأشغال اليدوية، كعلم مفيد لتربية الوجدان وتنمية الإبداع، الذي يعتبر أقدم إشارة لظهور هذا الفن رسميًا، وتنظيمها في العام نفسه معرضاً من رسومات التلاميذ وأعمالهم الخطية والأشغال اليدوية، ونماذج من لوحات المعلمين الفنانين بالمدرسة، تتوج بها قرارها بتدريس هذا الفن، كأول حدث فني تشكيلي، (الذي كان حصاداً من عدة قرون لما سبق من نشاط فني) وتواصلت المعارض المدرسية ببطء وحذر، والتي كانت تقام عادة ضمن الأنشطة المدرسية في نهاية كل عام، وأكثرها في مجال الخط العربي والزخرفة ورسم المناظر الطبيعية والأشغال اليدوية، ولم يهتموا بالرسم كثيرًا في ظل المحاذير، لذلك ابتعدوا بتصوير الانسان والحيوان والطير احتراماً للدين، وانتهت هذه المرحلة التي تعتبر مرحلة البدايات واللبنة الأولى، والممارسون في تلك الحقبة، يعتبروا رواد بدايات أو رواد تأسيس منهم (محمد طاهر الكردي، الذي كان معلمًا بالمدرسة وممارساً للفن من عام 1337هـ، وشارك في معرض فني تابع لمكتبة الكونجرس في واشنطن عام 1366هـ باسم المملكة، بأمر من الملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه، ومحمد راسم، الذي أقام معرضه الشخصي الأول في جدة عام 1354هـ، وعرض محمد الزرقاني لوحاته في متجره في منطقة المسعى بجوار الحرم في عام 1354هـ الذي كان شبه جاليري) وغيرهم.
ثم جاءت المرحلة التي قررت فيها وزارة المعارف في عام 1375هـ تدريس مادة التربية الفنية بمدارس البنين، وإقامتها المعرض العام الذي افتتحه الملك سعود بن عبدالعزيز طيب الله ثراه، كأول معرض فني مدرسي على مستوى السعودية، وفي العام 1380هـ بدأت البعثات الدراسية إلى القاهرة وروما لدراسة الفنون الجميلة، وفي عام 1385هـ أنشئ معهد التربية الفنية، وعودة الدارسين للفنون من البعثات الخارجية وافتتاح كليات التربية الفنية، وتأسيس القنوات الرسمية المشرفة لهذا الفن، ومعها بدأت تتضح الملامح للفن المعاصر، بإشراف الجهات المسؤولة وغيرها، وهذه المرحلة تعتبر مرحلة التأصيل والتوثيق، وأصبحت الساحة التشكيلية السعودية مفتوحة للجميع، بما فيهم الهواة والمغامرون الشغوفون والمتطفلون، وأقيم خلالها عدد من الأنشطة والمعارض الفنية، وأصبحت الساحة كرنفالاً للأعمال المقلدة والمماثلة والمتشابهة وأكثرها تتجه إلى الصيغ التزيينية أو الأكثر ديكوراتية والبورتريهات، والمناسبة مع المجالس والصالونات، ومستنسخة من الرسومات والتصاوير والمناظر الطبيعية والأشكال الهندسية والنقوش والخطوط والزخارف الشعبية في كتب الفن ومن الانترنت، أو تقليد من يفوز بالجوائز أو طلب السوق، ومنها برز أكثر من 19486 فناناً وفنانة، نقارع بهم إيطاليا وفرنسا بعدد الفنانين، وفي نهاية الثمانينيات الميلادية، وصلت “المفاهيمية” إلى بينالي الشارقة، وأعجب بها الشغوفون والمتطفلون لدينا، دون فهم فلسفتها وفكرتها (بأن الفن ليس منتجاً جمالياً بقدر ما هو منتج فكري) مدعين مجاراتهم الفن العالمي والتحرر من قيد الكلاسيكية والقواعد الأساسية في الفنون الجميلة وجربوها بوسائل عتيقة، في عصر التقنيات الحديثة والفيديو والسينما والكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، مثل (البالونات ولساتك العجلات والمسامير، واللوز والحمص وعجين السمبوسك وكريم النيفيا وعلب العصائر، وتكسير القوارير والفناجين والصحون الصينية، وبلاطات الأرصفة، وقدور الشربة وتباسي البسبوسة ومرسة المعصوب، وصواني السليق والمندي، وفساتين الدمية باربي، وقشور البيض المسلوق) أُطلقت مسميات كبيرة على أوهام صغيرة نُفخ فيها وتضخمت حتى باتت تتصدر المشهد، وهم عندما يخرجون إلى الناس بهذا الإنتاج، يجدون أنفسهم أمام ظروف أبعد من أن تكون ملائمة لمستواهم الفني، في عالم الفن المتطور، ومعتبرين أنفسهم مبدعين ووصلوا إلى مرتبة (فنان) بفضل مقالات هواة الكتابة من الفنانين التشكيليين ومعلمي التربية الفنية، ويسهمون بكتابات نقدية، ومنح الألقاب المفخمة (رائد فنان عالمي، صائد الجوائز، فارس التشكيل، عميد الفن، من أعمدة الفن الراسخة، متوهجًا بالجمال والإبداع) لم نقرأها لرموز الفن صناع الحضارات الفنية (بيكاسو، دالي، فان جوخ، كندنسكي كوبشكا، كليمنت) وهذه الحالة لم تكن لتحدث لولا أن النقاد الحقيقيين الذين يكتبون من خلال تخصصهم في النقد الفني التشكيلي، وهم حماة الفن وحراسه، ساكتون واكتفوا بمراقبة هذا العبث الذي ابتليت به الساحة التشكيلية بما يمكن أن نسميه بــ (الفوضى العارمة) اهتزت فيها المعايير ودخلنا في حالة من شعوذة المصطلحات ولخبطة المفاهيم، وتوالدت الأوهام وتناثرت كالنمل في زمن وجيز، ونحن إذا تأملنا ملياً في الموضوع، نرى أنه لا ذنب لهم في هذه المغامرة؛ لأنهم في حاجة لتحقيق حلمهم ليصبحوا فنانين، ساعدتهم الظروف والفرص المتاحة وتشجيع المطبلين هواة رص الكلمات في الصحف الفنية، واغراءات الصالات، ولا ينتهي الأمر إلى هذا الحد، بل وصل بعضهم إلى “الأساتذة” بإعداد الدورات التدريبة والورش الفنية وتقييم الفنانين ومنح شهادات البراءة كفنانين، ومن هذه الحالة أصبح الإنتاج متشابهاً مقلداً، وضاع الخط الفاصل بين مبدع ومبتدع، والفرق بين فنان جاد ومتطفل، بسببها اندثرت التجارب الجادة، وأغلقت السبل والفرص إلى ما هو أكثر اختلافًا، والتكريس إلى توجهات متزعزعة، والتشجع على الإنتاج المتضعضع، بالتالي المساهمة في تحييد التغيير أو الجرأة الفنية نحو ما هو مختلف ومعبر عن حالة فنية أصيلة بتقديم معالجات تختلف في مقدار تجويدها عن بحثهم إلى شخصيات فنية تميزهم، ولم يتطور الفن ويرتقي إلى مستوى الحراك بمفهومه العلمي.
وأذكر في هذا السياق قيام مشروع قبل نصف قرن لم يتحقق، عندما فكرت وزارة المعارف في منتصف الـتسعينيات الـهجرية، تـطوير مـعهد الـتربية الفنية إلى الـمستوى الأكـاديمي الـجـامـعـي فاستدعت خبراء من أكاديميات الفنون في إيطاليا، بمشاركة لجنة سعودية لدراسة تطوير المعهد لتخريج معلمين وفنانين، تتماشى مع خطط التنمية في البلاد، لكن المشروع اصطدم برأي الإيطاليين، (إن مثل هذا التطوير غير كافٍ ليكون لدى المملكة متخصصون في المجالات الفنية المتعددة والتربية والتعليم)، لذلك أوصت اللجنة المشتركة بأن يتم إنشاء قسم للتربية الفنية في جامعة الملك سعود في الرياض، ليقوم بتخريج معلمين في التربية الفنية، استكمالاً لدور المعهد، وأن يتم إغلاق المعهد فيما بعد لحرص الوزارة على مستوى الكفاءة الأكاديمية بين المعلمين بشكل عام وأن يتم فتح كلية للفنون الجميلة في الجامعة ذاتها، لتخريج المتخصصين في مجالات الفنون الأخرى، وبالفعل بدأت الجامعة بالاستعداد لفتح قسم التربية الفنية في كلية التربية، واستدعت لذلك بعض الأساتذة من الرواد في هذا المجال وعلى رأسهم الأستاذ الدكتور لطفي محمد زكي والأستاذ الدكتور عبد الغني النبوي الشال، وعدد من الأساتذة المصريين، وبالفعل بدأ القسم في العام 1394هـ بقبول أولى دفعات المتقدمين، وكانت حجر الزاوية والأساس في تكوين الخلفية الأولى للفن المعاصر، والبعض ممن يمتلكون الموهبة وأكملوها بالممارسة والبحث عن تطوير الذات بذاتها، وقبلهم بعض الخريجين من معهد التربية الفنية الموهوبين، بدعم من رعاية الشباب بوزارة المعارف ووزارة العمل، ثم الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ثم وزارة الإعلام والثقافة، وأخيراً وزارة الثقافة التي تولت المسؤولية باقتدار، بعد فترة الركود والخطوات المتزعزعة المضطربة وصلت إلى درجة الترنح إلى التغيير الجذري، برؤية عصرية ونقطة الانطلاق الجديدة للتشكيل السعودي بتراثه وثقافته، وترسيخ القدرة الفنية والبناء المتكامل والتخطيط المحكم، والتي تعتبر الفترة الذهبية للفن التشكيلي، بقيام عدد من الفعاليات والمهرجانات والبيناليات العالمية، حيث أثمرت عن تجارب ناضجة وناجحة، ودخولها خارطة التشكيل العالمي؛ لإيصال هذا الفن إلى المكانة المرموقة إقليميًا ودوليًا يواكب الحركات الفنية المعاصرة في العالم، وتعزيز مكانة المملكة الدولية، وتوثيق العلاقات مع الشعوب الأخرى وربطها مع العالم الفني، باعتباره واجهة حضارية ورافدًا مهمًا للثقافة السعودية يُنظر له بعين الاعتبار، كجزء من ثقافة وحضارة الوطن وانعكاس لواقع ثقافة ووعي المجتمع، ثم جاء الخير من يد الخير بتحقيق المشروع الذي كان ينتظره الجميع قبل نصف قرن، بصدور الأمر الملكي الكريم بتأسيس “جامعة الرياض للفنون” الذي يمثل تحولًا نوعيًا في مسار التعليم الثقافي بالمملكة العربية السعودية، كونه مشروعًا أكاديميًا جديدًا، وإطارًا متكاملًا لإعادة صياغة العلاقة بين التعليم والصناعات الثقافية، ومنصة إنتاج معرفي وثقافي تشرف عليها وزارة الثقافة، وهو ما يضعها خارج القوالب البيروقراطية للجامعات، ويمنحها استقلالًا ماليًا وإداريًا، ويمنحها مرونة واسعة في تصميم البرامج واستقطاب الخبرات العالمية، بما يتماشى مع طبيعة القطاعات الإبداعية التي تتطلب سرعة في التطوير والتحديث، لبناء منظومة متكاملة تغذي السوق الثقافي بكفاءات متخصصة، تعكس تركيزًا واضحًا على القطاعات الأكثر نموًا وتأثيرًا، مثل: (صناعة الأفلام والفنون الأدائية والموسيقى) إلى جانب الإدارة الثقافية، وهو ما يشير إلى توجه استراتيجي نحو ربط التعليم مباشرة باحتياجات السوق، ومن أبرز ملامح المشروع الشراكات الدولية مع مؤسسات أكاديمية عالمية مرموقة؛ والتي تهدف إلى نقل الخبرات العالمية وتطوير المناهج الى المملكة، بما يضمن جودة المخرجات الأكاديمية، كما تمنح الأنظمة الجديدة صلاحيات واسعة في مجالات البحث العلمي وتنظيم الفعاليات وعقد الاتفاقيات، بل والاستثمار وتأسيس الأوقاف والصناديق، ما يعكس توجهها نحو نموذج جامعي حديث يجمع بين التعليم والإنتاج الثقافي والاستدامة المالية، ويُنظر إلى المشروع باعتباره إحدى أدوات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للثقافة، التي تسعى الدولة إلى تحويل القطاع الثقافي إلى “رافد اقتصادي” وخلق بيئة أكاديمية تدعم الابتكار، بل تسهم في احتضان المواهب وصقلها، وتفتح آفاقًا جديدة للإنتاج الفني، في وقت تشهد فيه المملكة حراكًا ثقافيًا متسارعاً، ومشروعاً استراتيجياً، يعيد تعريف دور الفنون في التنمية، ومن فنانين محترفين بكفاءات إبداعية في مجالات الثقافة والفنون لدعم جهود التبادل الثقافي الدولي، لتكون ركيزةً أساسية للتعليم الإبداعي، والابتكار الثقافي ولتمكين الطلاب من اكتساب المهارات والمعرفة والرؤية اللازمة، وهم مستعدون للتألق في مشهدٍ إبداعي متطور باستمرار، يعيد تعريف دور الفنون في التنمية، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاقتصاد الإبداعي في المملكة، وننتظر افتتاح كلية الفنون البصرية، لتحسين الوضع التشكيلي والخروج بالتشكيل السعودي من البنود البيروقراطية، والتحرك بفاعلية لمواكبة العالم الفني ومنحه المنظومة المتكاملة، التي تثري مجالات الفنون البصرية لرسم ملامح مستقبل التشكيل السعودي والخروج من التقليد واللطش والنسخ إلى الخصوصية الفنية الأصيلة، والارتقاء إلى مستوى الحراك، وتتكامل في ضوئها الجهود بين المؤسسات التثقيفية فيه وتنبثق منها الخطط والأهداف الواضحة والاستراتيجيات والمخرجات المدروسة، للوصول به إلى المستوى الذي يميزه عن باقي الفنون العربية والعالمية، وإحدى أدوات تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للثقافة، وتسعى الدولة إلى تحويل القطاع الثقافي إلى رافد اقتصادي، وترسيخ مكانتها كمنارة ملهمة للمعرفة والتعليم والثقـافة والفن، ويتقاطع مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
دروس لتعليم الرسم من الفنون العالمية








