الأكثر مشاهدة

فاطمة الشريف* في مشهد ثقافي يعكس تراثًا إنسانيًا مشتركًا، تكشف حرفةُ النسيج عن ت …

من النول إلى المعرض.. سرديات النسيج المعاصر

منذ 33 دقيقة

1

0

فاطمة الشريف*

في مشهد ثقافي يعكس تراثًا إنسانيًا مشتركًا، تكشف حرفةُ النسيج عن تنوّع غنيٍّ في اتجاهاتها مُجسّدة أبعاد العملية الإبداعية بما تحمله من قيم جمالية ووظيفية تعكس مهاراتِ الشعوب وخبراتها المتوارثة، يعرض المقال نماذج حرفية وفنية مختارة بعدستي، مع ترجمة فورية لبطاقات مجموعة منتقاة من معروضات متاحف وصالات عرض في مدينة واشنطن النابضة بالتنوع الثقافي والفني خلال ربيع 2026، حيث تتقاطع هذه التجارب الحرفية مع تقاليد الشعوب المهاجرة وقبائل الهنود الحمر، مجسدة القيم الإبداعية في الإنتاج اليدوي بوصفه تعبيرًا عن الهوية والاستمرارية الثقافية والذاكرة الجمعية.

في صالات متحف سميثسونيان للفنون الأمريكية، Renwick Gallery، تتخذ الحرف طابعًا محوريًا في جميع أقسام المتحف، وتظهر تنافسًا يوازي بعدها الجمالي، حيث وثق الفنانون الحرفيون قصصهم الشخصية وتراثهم الثقافي في المنسوجات والسيراميك والسلال، وتبرز هنا مساهمة النساء بشكل لافت، إذ تشكل معظم الأعمال المعروضة شاهدًا على حضورهن الإبداعي في فنون الريف الأمريكي والسلع اليدوية من ولايات متعددة، ومن أبرز تلك المعروضات ما يمثل اعترافًا رسميًا بالتميز ضمن منظومة تحكيم دقيقة في مسابقات (State Fairs)، حيث يحصل الفائزون على شرائط التكريم وجوائز نقدية.

وقد أقيم أول معرض يحتفي بالحياة الريفية والحرف اليدوية عام 1841 في مدينة نيويورك ويحتضن المتحف أكثر من 240 عملًا فنيًا يعود تاريخها إلى منتصف القرن التاسع عشر.

ومن أبرز المعروضات ما جلبه المزارعون المهاجرون من أوروبا من فنِّ نسج قش القمح إلى أمريكا الشمالية في القرن الثامن عشر، حيث ارتبط، وفق التقاليد، بصنع أكاليل زخرفيةٍ من قشِّ القمح تُبشِّر بحصادٍ وفير، وقد نال عمل «إكليل الزهور» للفنانة (Donna Hall) جائزةَ أفضل عمل في (فن القش) عام 2022.

ومن أبرز سرديات النسيج باستخدام الصوف المغزول من شعر الأغنام، برزت سجادة الفنانة (Alice Ray)  “شجرة الحياة” بوصفها رمزاً عالميًا شائعًا في منسوجات إحدى قبائل الهنود الحمر (Dine Navajo) منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ يتوسط التكوين ساق الذرة الصاعد من الأرض، محاطاً بالطيور وحيوانات المزرعة، لتتشابك جميعها داخل بنية النسيج في تعبير بصري عن الترابط بين الإنسان والطبيعة والإنتاج.

وفي زاوية أخرى من المتحف تستعيد منسوجة الفنانة (Robbie LeFleur) “شجرة الحياة” في الأساطير الإسكندنافية مستلهمًا إرث النساجة النرويجية (Frida Hansen) من خلال توظيف تقنية الاعوجاج المفتوح (open warp)، القائمة على ترك مسافات بين خيوط السدى (Warp)، وهي الخيوط الطولية المشدودة على النول، في مقابل الأغصان المورقة في الأعلى والجذور الممتدة في الأسفل، حيث تظهر درنات البطاطس داخل التربة، في دلالة على الخصوبة والاستمرارية، ويمنح تباعد خيوط السدى النسيج شفافية وإيقاعًا بصريًا واضحًا، معززًا أثر الضوء داخل التكوين.

تعكس سجادة الفنانة (Agueda Martinez)، الحاصلة على أول شريط أزرق لها في معرض ولاية نيو مكسيكو عام 1975، أسلوب نسيج تشيمايو (Chimayó weaving) المرتبط بثقافة الإسبان المهاجرين إلى ولاية نيومكسيكو الأمريكية، حيث يعتمد هذا النسيج على استخدام أصباغ نباتية وخيوط مغزولة معاد تدويرها من الملابس البالية.

تعكس منسوجة (Ruth Ellen Klung) الزخارف الهندسية الملوّنة المستلهمة من النسيج الأفغاني، باستخدام تقنية الكروشيه، ومن خلال هذه المنسوجات ورموزها، تتحوّل بعض الأفكار إلى أعمال قائمة على صناعة السلاسل، التي تستلهم الألوان والأشكال من تلك التقاليد النسيجية. بذلك يشاهد الزائر أعمالًا تعكس دقة الصناعة ومهارة الحرفة، في إنتاج سلاسل ترتقي إلى مستوى العرض المتحفي.

ومن (Renwick Gallery) إلى معروضات النسيج في متحف (NWHM).. 

تُعدّ منسوجة الفنانة (Magdalena Abakanowicz) جزءًا فاعلًا من ممارسات النسيج الأمريكي المعاصر، بوصفها امتدادًا لأثر فن الألياف البولندي المهاجر منذ ستينيات القرن العشرين، حيث تحوّلت منسوجاتها إلى وسيط تعبيري ونحتي معاصر يجمع بين البعد الجمالي والمفاهيمي، ويعتمد هذا الفن على توظيف مواد طبيعية وصناعية، مثل الصوف والسيزال، مع استخدام اللون الأحمر للتعبير عن المعاناة والعنف، بما يعكس قضايا الهوية والذاكرة والتجربة الإنسانية.

تعكس منسوجة «Taxco El Viejo» للنسّاجة شيلا هيكس (Sheila Hicks) أثر فن النسيج المكسيكي في ازدهار حركة النسيج الأمريكي خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، إذ صُنعت من الصوف والقطن والأسلاك المعدنية، وصُبغت بدرجات من اللون الأزرق العميق تتخلّلها خيوط حمراء نابضة بالحياة، في إبراز واضح لأهمية اللون في تجربة الفنانة، واستلهامًا للتقاليد المحلية القائمة على استخدام المواد الطبيعية والألوان القوية.

تجسّد منسوجة (Melissa Cody) (الأنهار الثلاثة) توظيفًا معاصرًا لأسلوب جيرمانتاون (Germantown Revival Style) المستند إلى تقاليد دينية (Diné)، باستخدام خيوط متوسطة الوزن وألوان زاهية، ويعتمد العمل على تراكبات هندسية مع توظيف المقياس وعدم التماثل والانحناءات، في تكوينات تستحضر جماليات ألعاب الفيديو في ثمانينيات القرن العشرين وتستبطن ذاكرة (المشي الطويل 1864–1866)، حين أُجبر شعب دينيه على مغادرة أراضيه في أريزونا والسير إلى معسكر اعتقال في بوسكي ريدوندو بولاية نيو مكسيكو.

ونختم بحرفة السدو، التي تُعدّ تراثًا مشتركًا بين معظم دول الخليج العربي، من خلال عمل الفنانة الكويتية منيرة الشامي، المعروض في إحدى صالات عرض واشنطن 2026، حيث تمزج في ممارستها بين الحرف التقليدية والتقنيات الناشئة في تقاطع مع التراث الثقافي والاستدامة والابتكار، وتستعيد منسوجتها (بنات إبجد) حرفة السدو عبر إعادة تصور الجدار المُقسَّم في الخيام البدوية التقليدية، بوصفه عنصرًا للخصوصية وعملًا فنيًا منسوجًا ذا زخارف هندسية، يعمل أيضًا كمرشّح للضوء من خلال تداخل الخيوط وشفافيتها.

بالنظر إلى تجارب الشعوب في حرفة النسيج، التي تقوم على خامة الخيوط وجمالية اللون وتقنيات النسج على النول، يستلهم النسّاج المبدع أساليب متنوعة ويبتكر مواد جديدة لإنتاج قطع تحكي سردية اللون والخامة.. لا تُنسى.

مصادر إثرائية:

رابط معرض النسيج التابع لجامعة جورج واشنطن بعدستي

https://youtube.com/shorts/iWn66HV-S1k?si=KGlSex0bjWOo4MGy

بعدستي معروضات النسيج في بعض متاحف وصالات العرض في واشنطن خلال ربيع 2026.

 منسوجة صدر المقال تحكي قصة مسابقات (State Fairs) والشرائط الملونة.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود