الأكثر مشاهدة

د. عصام عسيري* في المشهد التشكيلي المعاصر بالمملكة العربية السعودية، لا يقف الفن …

فلسفة الأحفورة، جيولوجيا اللون وأركيولوجيا الذاكرة

منذ أسبوعين

198

0

د. عصام عسيري*

في المشهد التشكيلي المعاصر بالمملكة العربية السعودية، لا يقف الفنان عبدالله إدريس كمجرد رسام يجيد تطويع الفرشاة واللون لخدمة الشكل والموضوع، بل يبرز كأنطولوجي يبحث في كينونة الأشياء، وأركيولوجي ينقب في طبقات الذاكرة ليعيد صياغة الهوية والتاريخ في قالب حداثي عالمي معاصر، إن المتأمل في أعماله الفنية ومشاركاته ومعارضه الفردية، يدرك أننا أمام تجربة فنية لم تتوقف يوماً عن القلق الإبداعي، تجربة ترفض السكون وتنتصر للتحول المستمر.
عتبة الذاكرة: استنطاق الأحفورة وتفكيك الرمز
تبدأ فلسفة إدريس من حيث ينتهي الآخرون؛ فهو لا يكتفي بمحاكاة الواقع البيئي، بل يعمد إلى تفتيته ثم إعادة بنائه كأحفور بَصري قادم من فنون فجر التاريخ.
إن الرموز المحلية لديه من البيوت الطينية التي تحتضن صمت النخيل، إلى الإبل التي تختزل شموخ الصحراء لم تعد عناصر فلكلورية جامدة، بل تحولت إلى جينات بصرية مخبأة في طبقات اللون.
في أعماله، يبدو السطح وكأنه مقطع عرضي لتربة تاريخية؛ حيث الملمس (Texture) الخشن والنتوءات والتشققات ليست مجرد تقنيات تقنية، بل هي شهادة زمنية تاريخية،  إدريس يرسم الأثر لا المؤثر النتيجة لا السبب، ويجعل من اللوحة جسماً ملموساً يحاكي قسوة الجغرافيا وعمق التاريخ، محولاً المكان من حيز جغرافي إلى حالة وجدانية ممتدة.
فلسفة اللون: صخب الأساسيات وسطوة الحياد
تتجلى عبقرية إدريس في إدارته للأوركسترا اللونية، حيث يعتمد اقتصاداً لونياً بليغاً يرتكز على تضاد حاد بين الألوان الأساسية والحيادية الألوان الأساسية (الأحمر، الأزرق، الأصفر)، تبرز في أعماله كطاقة متدفقة جارفة.
الأحمر عنده نبض وجودي، والأزرق فضاء ميتافيزيقي، والأصفر إشراقة ذهنية، هذه الألوان لا تتصالح بل تتجاور وتتناغم بنِدية، لتخلق صدمة بصرية تحرر الرمز التقليدي من قيود الماضي وتلقي به في أتون المعاصرة.
الألوان الحيادية (الأسود، الأبيض، الرمادي)، هي المسرح الدرامي الذي يتحرك عليه الوجود. الأسود لدى إدريس هو البطل، هو سيد الموقف، هو العدم الذي يمنح الرمز قدسيته، والأبيض هو الشرارة أو النفَس الذي يمنح الكتلة فراغها الضروري، بينما يمثل الرمادي منطقة البرزخ التي تربط صخب الحياة بسكون الفناء.
هذا التضاد يخلق ما يمكن تسميته بالتوافق المتوتر؛ حيث تشعر أن اللوحة في حالة صراع دائم بين الظهور اللوني والاحتجاب الحيادي، مما يمنح العمل عمقاً فلسفياً يتجاوز البعد البصري المجرد.
التجربة المنوعة: من عفوية الفطرة إلى صرامة التجريد
ما يميز عبدالله إدريس هو هذا التعدد والتنوّع في الأوجه؛ فهو يمتلك جرأة القفز بين التجريد الغنائي الذي يعتمد على الحالات الشعورية المحضة، وبين التجريد التشخيصي الذي يختزل الكائنات إلى خطوط بدائية تشبه رسوم الكهوف الأولى.
إن وصوله إلى مرحلة التبسيط ليس تراجعاً، بل هو السهل الممتنع الذي لا يصل إليه إلا فنان خبر الخامات وعارك المسافات لأكثر من أربعة عقود. إن خطوطه التي تبدو تلقائية هي في الحقيقة عفوية واعية ومدروسة، تهدف إلى الوصول لجوهر الشكل بعيداً عن زوائد التفاصيل المملة.
المختبر الرقمي: الفن كفعل يومي
لقد نجح إدريس في تحويل مرسمه مطبخاً من مجرد نوافذ للعرض إلى مختبر حي. إن غزارة إنتاجه وإبداعه الفني تعكس شخصية الفنان المثقف المشتبك مع واقعه، الذي لا يخشى مشاركة مسوداته، وتأملاته النقدية، وحتى يومياته الإنسانية من شخصيات ومواضيع أعجبته. هو يكسر صنمية اللوحة ليجعل الفن طقساً يومياً، ويدعو المتلقي ليكون شريكاً في عملية التنقيب المستمرة التي يمارسها فوق القماش.
ختاماً، مؤرخ الروح السعودية
إن تجربة عبدالله إدريس هي رحلة بحث في جيولوجيا الروح، إنه الفنان الذي لا يرسم ما يراه، بل يرسم صدى ما رآه في مرآة ذاكرته، لوحته هي وثيقة بصرية تجمع بين بدائية الرمز وحداثة المعالجة، مما يجعله واحداً من أهم القامات التي نقلت الفن التشكيلي السعودي من الإطار المحلي الضيق إلى رحاب العالمية، تاركاً خلفه أحافير لونية ستظل تحكي قصة الإنسان والمكان طويلاً.
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود