د. عصام عسيري*
في مشهد بصري صاخب ومكتنز بالمفردات والرموز، نرى لوحة ضحمة للفنانة المصرية الشابة مها إبراهيم، وهي عمل أكريليك على كانفس (٢×٢ متر)، بمثابة متاهة بصرية ونفسية في آنٍ معًا. هذا العمل ليس مجرد لوحة تشكيلية بل هو “خريطة رمزية” لمخيلة الفنانة، المتأثرة بقراءات عميقة في علم النفس التحليلي وقصص وتاريخ الحضارات، بدءًا من أساطير مصر القديمة إلى رموز الميثولوجيا الكونية، وصولًا إلى تحولات الإنسان المعاصر في مواجهة تغييرات الزمن، تطورات التكنولوجيا واضطرابات الداخل.
اللوحة هي تشريح النفس عبر هندسة الأسطورة، بُنيت حول مركز دائري كعين كونية ومحورًا فلكيًا، تنطلق منه إشعاعيًا أشكال هندسية، ميكانيكية وآلات موسيقية، وعناصر عضوية سمك، خيول، ثور، فيل، فراشات… إلخ، في تشابك متنافر لكنه منسجم. تتناثر المفردات في محيط هذه الدائرة المفتوحة القراءة من كل الاتجاهات شظايا بشرية، ملامح، أذرع، وأعضاء متداخلة بكل ما تحويه من دلالاتٍ ومعانٍ، في تكوين يحاكي التفكك الداخلي للذات المعاصرة، ويستدعي كذلك الخرائط القديمة للعوالم السماوية والسفلية.
تستخدم الفنانة تقنيات متعددة في التلوين تجمع بين التشكيل البصري بالتضاد اللوني، والتعبير الخطّي، والتفكيك الشكلي. تغلب درجات الأزرق النيلي، والألوان الرمادية، مع لمسات من المعدنية، ما يضفي على اللوحة جوًا من القدسية والرهبة، كما لو كانت هذه “أيقونة حداثية” لما بعد العقلانية.
تستلهم المفردات البصرية نظريات فرويد ويونغ وديانة الشمس، تحضر في العمل إشارات كثيرة إلى النفس البشرية كما قرأها علماء النفس (من خلال الصراع بين الهو والأنا)، ويونغ من حيث الانشغال بالـ”أنِماط البدئية”(Archetypes). نلمح تشكّلات تشبه قناعًا، أو “قبة”، أو عجلة سماوية، كلها تحمل في طياتها أسئلة الهوية، الذاكرة، والخلود. في جانب من اللوحة، تكاد ترى ملامح وجوه إنسانية تختفي في البنية التكوينية، كأنها تبحث عن معنى أو تنصت لوحي داخلي.
يتمتع العمل بالكثافة التعبيرية والرؤية الرمزية وبلاغة بصرية تحوّلها إلى ما يشبه “قصيدة لونية” أو “رواية مشفّرة”. ليست من الأعمال التي تُقرأ في نظرة عابرة، بل تتطلب تأملًا عميقًا ومراكمة معرفية للولوج إلى عالمها الداخلي. إنّ مها إبراهيم تطرح هنا عملًا شديد الطموح في بنائه المفاهيمي، متجاوزًا الشكل التقليدي للطبيعة أو الجسد، لتنتج خطابًا تشكيليًا يتقاطع مع الفلسفة، علم النفس، والأسطورة، وتاريخ الحضارة.
ورغم تعقيد الطرح، فإن العمل يملك سحرًا سرديًا يجذب المتلقي للدخول في متاهاته، محاولًا إعادة تركيب شظاياه ورموزه. ولعل هذه الخاصية هي ما يجعل من العمل تجربة نخبوية دون أن تكون منعزلة عن العمق الإنساني المشترك.
للتعرف على الفنانة المصرية مها إبراهيم، فنانة معاصرة من مواليد 1994. خريجة كلية التربية الفنية عام 2017. منذ دراستها، أبدت ميولًا نحو الفن التأملي المرتبط بالعمق النفسي والرمزي.
شاركت في عدد من الملتقيات الدولية المهمة، منها:
– ملتقى الأقصر الدولي للتصوير – مصر 2016.
– ملتقى برلس الدولي للرسم على الحوائط والمراكب – مصر 2019.
– ملتقى بنك القاهرة عمان – الأردن 2018.
– سمبوزيوم أيلا – العقبة – الأردن 2017.
– مهرجان عمّان عربيًا – الأردن 2019.
-ملتقى المكان – جزر قرقنة – تونس 2019.
– معرض شخصي – ضي الزمالك – 2024.
وقد نالت جائزة الدوحة لإبداع الشباب – قسم التصوير – قطر 2019، والجائزة التشجيعية لصالون الشباب 2023، وشاركت في عدة معارض جماعية داخل مصر وخارجها. تعدّ من الأصوات التشكيلية الشابة التي تسعى لخلق لغتها الخاصة عبر مزج الحرفية الأكاديمية بالتجريب الرمزي والبعد الفلسفي.
ختامًا: لوحة مها إبراهيم ليست فقط عملًا بصريًا، بل مرآة داخلية للوعي المتشظي في عالم تتسارع فيه الأزمات والهويات والتكنولوجيا. إنها دعوة لإعادة التفكير في معنى الوجود، عبر لغة تشكيلية مدهشة، تنبئ بموهبة ناضجة ومشروع فني واعد في ساحة الفن المصري والعربي المعاصر.
التعليقات