252
0
885
3
2030
1
270
0
506
0
109
0
72
1
118
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12355
0
12075
0
11749
1
10928
5
8761
0
شموع الحميد*
عمارة عريقة تاريخها يمتد لآلاف السنين، فالعمارة الصينية تحكي قصة حضارة فريدة جمعت بين تفوق هندسي ونهج بيئي عميق، فهي ليست مجرد هياكل خشبية بل إظهار ملموس للوئام بين البشرية والطبيعة، وانعكاس مادي للفكر الكونفوشيوسي وتجسيد للانسجام والترتيب الهرمي؛ ما أنتج نظامًا معماريًّا عمقًا، فالعمارة الصينية هي منبع عمارات شرق آسيا؛ مثل كوريا و الفيتنام واليابان، حيث انتقلت هذه المعرفة المعمارية إلى الدول المجاورة من خلال التجارة والتبادل الثقافي والبعثات الدبلوماسية والوفود الفنية التي حملت هذه الخبرات، فلم تكن مجرد أسلوب عمراني خاص، بل كانت منارة ألهمت الابتكار المعماري.
فتعتبر المدينة المحرمة في قلب بكين، فهي ليست مجرد قصر إمبراطوري، بل هي الأكبر في العالم وتتجاوز مساحتها قصر اللوفر في فرنسا بثلاثة أضعاف، وهذا يوضح ضخامة هذا الصرح التاريخي الاستثنائي. وتعتبر من أبرز المدن في العالم التي تظهر عظمة وتناظر التخطيط وروعة المباني فسميت بذلك؛ لمركزيتها كمقر لسلطة الإمبراطورية فهي مركز سياسي وإداري للبلاد لأكثر من ٥٠٠ عام، حيث أقامت فيها ٢٤ إمبراطورًا من أسرتي مينغ وتشينغ، فقد منح علماء الفلك في الصين القديمة الموقع أهمية كونية، فربطوا مسكن الإمبراطور الذي اعتبروه محور العالم الأرضي مع النجم القطبي زيوي يوان، فكل مبنى وأثاث وضع داخل المدينة كان مصممًا ليعكس هذا المفهوم، وتقييد الوصول إليها، فلم يسمح لأي شخص بالدخول أو الخروج من المدينة دون إذن الإمبراطور، وذلك يعبر عن معنى اسمها بالصينية “zijin cheng”.
تم بناء المدينة المحرمة عندما تمكن الإمبراطور يونغ لي من الإطاحة بابن أخيه وتولى زمام الأمور في الإمبراطورية، ونقل العاصمة إلى بكين بعد أن كانت في نانجينغ، وفقًا لتصميم المهندس كواي شيانغ ليانغ تشنغ من عام ١٤٠٦ إلى ١٤٢٠، فاستغرق تشييده ١٤ عاماً على مساحة تبلغ ٧٢٠ مترًا مربعًا وعمل على إنشائها ٣٠٠ ألف فرد، ويزعم بأن المجمع يضم ٩٩٩٩ غرفة، لكن في السنوات الأخيرة أظهروا أن العدد يبلغ ٨٨٨٦ فقط، وتقع داخل سور يبلغ ارتفاعه ١٠ أمتار، كما يحيط بالمدينة نهر اصطناعي يعرف باسم تشنغ؛ أي نهر الدفاع عن المدينة. لكن الأمر لم يقتصر على الدفاع، بل كانت ترمز لنقاء والتوازن وتلعب دورًا في فلسفة الفنغ شوي لضمان تدفق الإيجابية، وعام ١٦٤٤ انتقلت السيطرة على المدينة المحرمة من أسرة مينغ إلى أسرة تشنغ بعد غزو المانشو. وشهدت المدينة لاحقًا احتلالًا من قبل القوات الانجلو-فرنسية في عام ١٨٦٠، كما فرت الإمبراطورة تسيشي منها خلال ثورة الملاكين في عام ١٩٠٠؛ ما أدى إلى احتلالها من قبل المعاهدة حتى العام التالي. وبعد أن توقفت المدينة عن كونها مقرًا سياسيًا بتنازل الإمبراطور بوئي عام ١٩١٢، وبعد طرده من القصر عام ١٩٢٤ تحول الفناء الخارجي إلى متحف القصر عام ١٩٢٥. وخلال الحرب اليابانية تم إخلاء كنوزها الوطنية إلى تايوان حمايتها، وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام ١٩٤٩ تعرضت المدينة لأضرار بسيطة، وبعد تقريبًا ٤٠ عامًا أعلنت موقعًا للتراث العالمي لليونسكو تقديرًا لأهميتها المعمارية والثقافية لبدء مشروع ترميم استمر ١٨ عامًا لافتتاح متاحف ومعارض؛ من ضمنها متحف شوكانغ عام ٢٠١٣ ومتحف السيراميك والمجوهرات في ٢٠١٥، كما أدرجت في اليونسكو كأكبر مجموعة من الهياكل الخشبية القديمة المحفوظة في العالم.
فتعددت القصور والمعابد والقاعات والأفنية فيها؛ لذلك تم تقسيمها لقسمين رئيسين، القسم الأول وهو الخارجي (البلاط الخارجي) ويقع بالجزء الجنوبي ويستخدم للمناسبات الاحتفالية والطقوس الرسمية، حيث الإمبراطور ووزراؤه، ويقيم الاحتفالات الكبرى ويضم ثلاث قاعات وهي قاعة التناغم الأعلى وقاعة التناغم الأوسط وقاعة الحفاظ على التناغم، أما القسم الثاني وهو القسم الداخلي (البلاط الداخلي) يقع في الجزء الشمالي، وهو بمثابة المقر السكني للإمبراطور وعائلته ولمكاتب العمل اليومية، وهذا القسم يتكون من ثلاث قاعات رئيسية وثلاث قصور جانبية، وهي قصر النقاء السماوي، وقاعة الاتحاد، وقصر الهدوء الأرضي، وكل جزء مصمم بعناية فائقة ليعكس التسلسل الهرمي للسلطة والنظام الصارم والمفاهيم الكونفوشيوسية.

كما تم بناؤها باستخدام مواد فاخرة؛ مثل أخشاب نانمو الثمينة والرخام الأبيض والبلاط الذهبي، معتمدين على تقنيات البناء الصينية “دوغونغ” الأطر الخشبية المتشابكة دون مسامير أو غراء، وهي تسمح للمباني بالمرونة ومقاومة الزلازل، وهذه الطريقة تعتبر تراثًا من القرن السادس قبل الميلاد، وتتميز أيضًا بأسقفها المنحنية ذات الرتب الهرمية وتتألف من أربعة أنواع رئيسية ؛سقف هيب الأكثر تعقيدًا وفخامة، وسقف غابل، حيث تضاف تماثيل على طول حواف السقف يزداد عددها بزيادة أهمية المبنى، أما الألوان فكانت لونين سائدين هما الأحمر الذي يرمز للسعادة والحظ، واللون الأصفر الذي يرمز إلى الإمبراطور، وتستخدم أيضًا في الحجارة المنحوتة التي تصور التنانين والفينيق. فالفكر المعماري الصيني استخدم الخشب كعنصر أساسي يركز على استخدام التعبير المجازي والرمزي في التصميم مع جملة الأساطير ومعتقداتهم.
فمنذ عام ٢٠١٢ شهدت المدينة المحرمة ١٤ مليون زائر سنويًا، وقدرت القيمة السوقية للمدينة بنحو ٧٠ مليار دولار أمريكي؛ ما يجعله القصر الأكثر قيمة في العالم والقطع العقارية في أي مكان في العالم.
تقف المدينة المحرمة اليوم كصرح عظيم يتجاوز كونه مجرد قصر؛ إنها شاهد حي على عظمة الحضارة الصينية وتاريخها المديد، فجسدت المدينة المحرمة قرونًا من السلطة، والفلسفة، والفن، عبر تصميمها المعماري المتقن، بدءًا من أسطحها الذهبية وأعمدتها الشاهقة، وصولًا إلى ترتيبها الهرمي، فهي ذاكرة حية لأسلوب حياة، ونظام حكم، وفلسفة استمرت لقرون. إنها تذكير بأن العمارة يمكن أن تكون أكثر من مجرد هياكل، بل هي تعبير فني ورمزي عن روح أمة بأكملها.
التعليقات