248
0
278
0
492
0
2096
1
458
0
48
0
261
0
32
0
33
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12622
0
12112
1
12089
0
11244
5
9024
0
شموع الحميد*
حوارية اللون والرمز.. في عالم الفنان محمد بوصابون
في صباح بارد على أطراف جبال الأطلس، الضوء ينزل على البيوت الطينية كخيوط ذهبية، ورائحة الخبز المنتشرة في الأرجاء التي تخرج من الأفران الحجرية تختلط برائحة التراب المبلل بعد ليلة باردة، في الساحة التي تحتضن عدد من الطاولات والكراسي وأكواب الشاي الفارغة التي تركت بعد ليلة قضوها في تبادل قصص الأسلاف والأساطير، وما زالت بقايا الجمر تتوهج تحت الرماد لتظهر آثار الأمس بوضوح، أتقدم نحو زقاق ضيق ليظهر لي متجر صغير ذو باب خشبي، معلقة به ستارة منسوجة يدويًا ذات نقوش هندسية، وبالداخل كان هناك عدد من الرفوف التي تحمل الكثير من القطع الفنية، أساور فضية محفورة بعلامات متكرر مثلثات، خطوط متوازية، دوائر متشابكة، حقائب منسوجة بخيوط صوفية حمراء، وأغطية صوفية مزينة بزخارف دقيقة، كل قطعة تحمل أثر يد عملت عليها ساعات طويلة.
هذا ما يتبادر في ذهني عند ذكر الفن الأمازيغي فهو ليس وليد لحظة محددة في التاريخ، بل امتداد لحياة عاشت فوق الجبال والسهول والصحاري منذ آلاف السنين، فهو يعد ركيزة من ركائز التراث الثقافي بشمال إفريقيا، وهو فن جماعي في جوهره أكثر من كونه نتاجًا فرديًا، فهو يعكس الوعي الجمعي للمجتمع الأمازيغي ويستجيب لحاجته الثقافية والاجتماعية، إذ يستمد موضوعاته من البيئة الطبيعية والاجتماعية، ويعبر عنها من خلال الأشكال والرموز الزخرفية التي تحمل دلالات ثقافية تاريخية متجذرة.
ويمثل الفن الأمازيغي وسيلة توثيق بصرية للثقافة الأمازيغية، إذ يقدم صورة واضحة عن نمط الحياة والعادات والتقاليد، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل علاقة الإنسان الأمازيغي بمحيطه الطبيعي والبيئي ومعتقداته وأساطيره، إلى جانب تفاعله مع الأحداث التاريخية واحتكاكه بالحضارات الأخرى على مدى زمني طويل، فإن هذا الفن لا يقتصر على الأبعاد الجمالية فقط، بل تجاوز ذلك ليشكل وثيقة ثقافية تحمل أبعادًا أنثروبولوجية وتاريخية واجتماعية، باعتبار أن الفن مرآة تعكس استمرارية الهوية الثقافية عبر الزمن.
حيث تتجلى خصوصية التراث الفني الأمازيغي ف تنوع مجالاته التعبيرية، وحيث لم يقتصر على شكل فني واحد، بل امتد ليشمل فنون متعددة منها الفخار، الحلي، النسيج، الوشم، بوصفها ممارسات فنية مرتبطة بالحياة اليومية والرمزية معًا، وشكلت معًا جزءًا من البنية الثقافية للمجتمع الأمازيغي.
فالفخار يعد من أقدم الحرف التي مارسها الإنسان تعتمد على العمل اليدوي والمهارة العالية، بداية من عملية التحضير على مادة الطين بوصفها عنصرًا طبيعيًا قابلًا للتشكيل، إذ يعالج باليد والأدوات البسيطة ومن ثم يجفف ويحرق في الأفران ليكتسب الصلابة.
وفي السياق الأمازيغي لم يكن الأمر مختلفًا، حيث تمثل صناعة الفخار عنصرًا أساسيًا في التراث الفني المرتبط بالحياة القروية، لكن تميز بأشكاله البسيطة وزخارفه الهندسية الواضحة، كما استعملت الألوان الطبيعية المستخرجة من البيئة المحلية ليعبر عن هوية ثقافية قائمة على الرمز والبساطة، ويتحول الفخار من أداة استعمال وحاجة يومية إلى وسيلة تعبير تحفظ الذاكرة الجماعية وتنقل القيم الفنية عبر الأجيال.
أما الحلي فتعد في التراث الأمازيغي رمزًا ثقافيًا وجماليًا يعكس الهوية والتقاليد العريقة في شمال إفريقيا، حيث تتجلى في أشكال هندسية وإبداعية متعددة تشمل دبوس مشبك لتثبيت الملابس (الخلالة) يختلف شكله بين القبائل مثلثًا أو نصف دائرة، حلية توضع على الجبين (تاونزا)، عصابة فضية مزينة توضع على الرأس (المشبوح)، عقود صدرية ضخمة (عصير صابون)، فيغلب استخدام الفضة في الأرياف والبوادي، بينما يفضل الذهب في بعض المدن.
فالحلي ليست للزينة وإضفاء البهجة فقط، بل تعتبر رمزًا للانتماء القبلي، ومؤشرًا صادقًا للحالة الاجتماعية والاقتصادية، ووسيلة للادخار المالي، وتعبيرًا عن الفرح، وتستخدم كتعاويذ للحماية وتعتمد الزخارف على أنماط هندسية ورموز مستوحاة من الطبيعة والأساطير الأمازيغية.
وتعد مدينة تيزنيت في المغرب ومنطقة القبائل في الجزائر، من أشهر مراكز إنتاج الحلي الفضية الأمازيغية.
كما لم يغفلوا عن استخدام خامات طبيعية أخرى لزيادة رونق هذه الحلي، مثل الأحجار الكريمة، العاج، والنحاس، حيث يتم تلوينها وتزيينها بدقة فائقة لتلائم الأذواق الشخصية، ما يجعل من كل قطعة عملًا فنيًا فريدًا يجمع بين الأصالة والتراث.
أما الوشم فعرفته القبائل الأمازيغية منذ القدم، فهي عبارة عن رموز تحمل معاني روحية للتمييز بين القبائل والأفراد، حيث شاع رسمها على الذقن، والجبهة، والخدود، والأنف، واليدين، والذراعين ويتم وضعها في الجسم عن طريق أدوات حادة ومواد كيمائية ملونة يتم إدخالها في الجلد بشكل عميق لتبقى مدة طويلة، وذلك عبر الوخز بالإبرة ثم وضع الكحل التي تعطي اللون الرمادي أو صبغة النيلة التي تعطي الوشم اللون الأزرق أو الأخضر، وذلك لأغراض عدة قد تكون بهدف الحماية أو الجمال أو التزيين.
أما النسيج فقد أبدعن النساء الأمازيغيات في صناعته، حيث استخدمن المواد الطبيعية من الصوف والقطن وأنوال يدوية تسمى بآزطا لإنتاج زريبة (السجاد) والحنديرة وهو لباس صوفي مطرز بعناية، ويعد جزءًا من جهاز العروس الأمازيغية ومنسوجات أخرى برموز هندسية تعبر عن الدلالات الامازيغية وتدمج المنسوجات بين الألوان القوية (الأحمر، الأصفر، الأزرق).
تشكل الألوان والرموز حجر الزاوية في الهوية البصرية للفن الأمازيغي، فهي ليست مجرد أدوات للزينة، بل هي لغة بصرية بليغة استلهمها الإنسان الأمازيغي من طبيعته المحيطة ليعبر بها عن معتقداته وارتباطه بالأرض.
فكل رمز هندسي وكل لون يستخدم يحمل دلالات عميقة تضرب بجذورها في التاريخ، حيث تندمج هذه العناصر لتمنح الفن الأمازيغي طابعًا تجريديًا وجماليًا فريدًا يميزه عن غيره من الفنون.
فالرموز مصدر إلهام، حيث كان الامازيغيون يزخرفون واجهات المباني والزرابي والحلي الفضية والأواني برموز هندسية وحيوانية ونباتية مجسمات أيضًا، حيث كانت تهدف قديمًا لحماية صاحبها من الأرواح الشريرة وجلب الحب والخصوبة.
واعتبرت هذه الرموز وسيلة لتتبع هوية القرية والقبيلة وظلت تعكس المعتقدات الروحية التي امتزجت لاحقًا بالشخصية الإسلامية، لتتجلى في مختلف الفنون والعادات، إذ كانت الزخارف من الثعابين والفراشات والعقارب والذباب والطيور والأشكال الهندسية (المربعات، المستطيلات، الصلبان، المثلثات، المعينات) وهي لا تزال موجودة حتى يومنا هذا، ومن أشهر دلالات الرموز الهندسية الأمازيغية المثلث فيرمز إلى الأمور المتعلقة بالآلهة والخصوبة الكونية، والمربع حيث يشير إلى قانون الطبيعة، الدائرة تمثل الكمال والجسد الأنثوي المفعم بالحيوية، نصف الدائرة يرمز إلى الخصوبة والإنجاب الصليب يرمز إلى التقاء روحين (الذكر والأنثى) لاستمرارية الحياة، الخطوط المتوازية تعبر عن الصراع الذي لا ينتهي، وغيرها الكثير من الرموز ذات دلالات مرتبطة بعمق الوجدان الإنساني، فهي لغة بصرية بليغة حفظت الذاكرة الجماعية للأمازيغ، حيث تُستلهم الأشكال من الطبيعة المحيطة لتتحول إلى رموز عقائدية وجمالية تحمي صاحبها وتعبّر عن هويته وارتباطه الأزلي بالأرض.
وبالانتقال إلى مفهوم اللون، فإنه يُعد أحد أهم العناصر الجوهرية في تشكيل الوعي الإنساني بالبيئة المحيطة، إذ لم يتوقف دوره عند الحدود البصرية الجمالية فحسب، بل امتد ليكون أداة إدراكية وتأويلية تعكس مسار التطور الذهني والنفسي للإنسان منذ الأزل. فمن الناحية السيميولوجية، ارتبط اللون بسلسلة من الدلالات الحسية المستمدة من التجربة الحياتية؛ حيث تحولت الألوان من مجرد ظواهر طبيعية كزرقة السماء وخضرة النبات إلى رموز وجدانية عميقة تُعبر عن ثنائيات الوجود، مثل اللذة والألم، أو الحياة والموت.
فلكل لون منها رمزية عميقة مستمدة من البيئة والمعتقدات، فاللون الأحمر يرمز إلى الحياة والقوة والدم ويعتبر طاردًا للأروح الشريرة، أما اللون الأصفر يدل على الشمس والرمال تدل على الثروة والنور والحرارة والإقبال على الحياة والحيوية، اللون الأسود يرتبط بالغموض والقوى الشريرة ويستخدم أحيانًا لرمز لتحدي ومواجهة الأعداء كما يعبر عن الحزن والألم، اللون الأخضر فهو يرمز للطبيعة والخصوبة والولادة الجديدة كما يرتبط بالبعد الروحي ويدل على الإسلام، اللون الأزرق يمثل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي وصفاء السماء فيعبر عن الرجولة والشهامة ونبل العواطف والمشاعر.
ولأن الفن هو الجسر الذي يربط بين النظرية والتطبيق، لا تكتمل قراءتنا لجماليات الرموز والألوان الأمازيغية إلا بالوقوف على تجربة إبداعية معاصرة استلهمت هذا الإرث وأعادت صياغته برؤية فنية متجددة. من هنا، نفتح باب الحوار مع الفنان التشكيلي محمد بوصابون، لنستكشف كيف تتحول هذه المرجعيات الثقافية والذاكرة الجماعية إلى نبض حي يتدفق عبر ريشته ولوحاته.
البدايات والجذور
أتذكر منذ طفولتي أنني كنت أحمل حلمًا بأن أكون فنانًا محترفًا، لكن الظروف لم تكن ممهدة في البداية. التحقت بالمدينة للعمل وأنا في سن السادسة عشرة، ومنذ تلك اللحظة بدأت أبحث بشغف عن قاعات العرض. بعد ثماني سنوات من العمل، شاركت في أول معرض جماعي، وحين نلت تشجيع الناس والنقاد، تيقنت أنني ولدت لأكون فنانًا، رغم أن البداية لم تكن سهلة أبدًا.
ما دفعني هو مزيج بين الموهبة الفطرية والرغبة الذاتية، إضافة إلى البيئة الساحرة في البادية التي أمدتني بألوان السماء والأرض والجبال. البيئة الأمازيغية، بكل ما فيها من لباس وتقاليد، ساهمت في تشكيل تفكيري البصري منذ الصغر، رغم غياب مدارس متخصصة في الرسم آنذاك.
بدايتي كانت فطرية تمامًا، لم أدرس في مدرسة فنون بل تلقيت تشجيعًا من بعض رجال التعليم الذين آمنوا بموهبتي. وفي بداياتي، كان لابد من التأثر بالفنانين الكبار والاحتكاك بهم لبناء لغتي الخاصة.
تطور التجربة والأسلوب
بالتأكيد، هناك طقوس إلهامية وإبداعية تسبق العمل. أغلب أعمالي تنبع من مخيلتي، وإذا لاحظتِ أعمالي ستجدين لها طابعًا خاصًا في الألوان الأمازيغية، وهذا ما أعتبره نوعًا من التميز. أما النقلة الكبيرة، فكانت حين قررت الخروج عن المألوف، كأن أقوم بـ”تكسير” الأشياء في اللوحة، مثل إناء مزخرف، وأضيف عليه لمسات من الخيال.
أرى أن المهارة التقنية تأتي أولًا، فقد اكتسبتها عبر السنين الطويلة والممارسة المستمرة، ومن خلال هذه المهارة نلج إلى مرحلة الإبداع الحقيقي.
الهوية الأمازيغية في العمل الفني
أنا أمازيغي أب عن جد، وكل ما تشاهدينه في لوحاتي هو واقع عشته بالملموس. أتعامل مع الرمز الأمازيغي كـ”ذاكرة جماعية” وكإعلان لحبي للانتماء. أحاول قدر المستطاع أن أساهم في توثيق تراثنا وحمايته من الاندثار من خلال الفن.
أعتبرها محطات منفصلة، فلابد من التجديد والإبداع في كل محطة. ومن خلال هذه الأعمال، أسعى لإرسال رسالة إلى العالمية مفادها أننا أصحاب حضارة عريقة، لذا أحرص على أن يلمس المتلقي عمق هذه الهوية.
الفن الأمازيغي والسياق المعاصر
الفن الأمازيغي كان ولا يزال وسيظل متمسكًا بتراثه العريق. نحن نمر بمرحلة نساهم فيها بما نستطيع ليبقى هذا الفن حيًا ومتجددًا مع مرور العصور.
الشيء الذي يجب ألا يغيب أبدًا هو الرموز المعروفة بالهوية، مثل تفاصيل الحلي واللباس الأمازيغي الأصيل.
ختامًا.. كشف لنا الحوار مع الفنان محمد بوصابون، أن قوة هذا التراث تكمن في قدرته على التجدد؛ حيث تتحول الرموز من ذاكرة جماعية إلى لغة بصرية معاصرة قادرة على محاورة العالم، وأن المزاوجة بين المرجعية الثقافية والرؤية الإبداعية هي التي تضمن لهذا الفن بقاءه كشاهد حي على عبقرية الهوية وأصالتها عبر العصور.
جميع الأعمال الفنية التشكيلية المستخدمة في المقال.. تعود ملكيتها الفنية للفنان محمد بوصابون






التعليقات