990
0
556
0
251
0
594
0
514
0
2
0
3
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13381
0
12214
0
12138
0
9571
0
شموع الحميد*
هل تساءلت يومًا عن أهمية الكتابة أو قوتها؟ كم من فكرة توصلت لها بسبب الكتابة؟ كم من القصص التاريخية التي قرأتها بسبب توثيقها من خلال الكتابة؟
فمنذ مطلع التاريخ، كانت الكتابة رفيقة للإنسان، تسجل وتعبر عن أفكاره وآرائه سواء السياسية أو الاجتماعية، وتحكي قصصه الممتع والسيء منها، وتبني حضاراته؛ لأنها أداة قوية لبناء المعرفة والإبداع والتواصل الفعال كما نستطيع رسم عالم مستقبلي مشرق، وكما تنبض الأرض بالماء لتزدهر، ينبض التاريخ بالكتابة لتروي الحكايات، فهي غذاء الروح والعقل وأصالة الفكر.
فالكتابة والخط ثنائي متكامل يشكلان معًا لغة بصرية آسره، فالكتابة هي الروح والخط هو الجسد الذي يلبسها حلة الجمال والإبداع، فالفكرة لا تكتمل إلا بالتعبير عنها بأسلوب فني لافت.
وقبل أن نتحدث عن الخط العربي نريد أن نذهب لرحلة توضيحية لأصل ومنشأ الخط العربي فكان الغموض يدور حول هذا الموضوع لتضارب أقوال المؤرخين والعرب القدامى وآرائهم، فالرأي الأول يرى أصحابها أن الخط توقيف؛ أي أن الله قد علمه لآدم فكتب الكتب كلها فلما أصاب الأرض غرق وجد كل قوم الكتابة التي سوف يكتب بها وكان إسماعيل هو الذي وجد العربي، لكن هذا الرأي لا يقوم على حقيقة علمية فلماذا لم يكن كذلك للأنبياء الذين سبقوا إسماعيل عليه السلام، ولماذا لا يكون إسماعيل عليه السلام هو أول من كتب الكتابة العربية وهو أول من تكلم بلسانٍ عربي أيضًا، أما الرأي الثاني أن الخط اختراع ولهما روايتان الرواية الأولى: أن العرب أخذت خطها عن الحيرة والحيرة قد أخذته عن الأنبار فقالوا أول من كتب العربية هم ثلاثة رجال سكنوا الأنبار اجتمعوا ووضعوا الحروف فمنهم من وضع الصور ومنهم من فصل ووصل، ومنهم من وضع الأعجام، لذلك سمي خط العرب بالجزم؛ لأن جزم واقتطع من المسند الحميري لأن الخط الكوفي كان أولًا يسمى بالجزم قبل وجود الكوفة، استكمالًا لها أن الكتابة العربية أتت من الحيرة والحيرة سابقًا كانت تدين بالنصرانية وتكتب بالخط السيرياني، فهل الكتابة العربية اقتطعت من الكتابة السريانية؟ بالطبع هذه الرواية تقابل بالرفض؛ لأن الخط العربي لم يقتطع من الخط السرياني، لكنهما قد اشتقا من أصل واحد وهو الخط الآرامي؛ نظرًا لأنهما خضعا لظروف واحدة، كما أن الخط العربي كان يكتب بالتنقيط؛ لذلك فإن الحقائق تنافي وتخالف الرواية.
الرواية الثانية: أن العرب قد أخذت خطها من ملوك مدين الذين كانوا من العرب العاربة أنهم وضعوا الكتاب على أسمائهم، ثم وجدوا بعد ذلك حروفًا ليست من أسمائهم وهي حروف منقوطة فسموها الروادف، وهذه أيضًا تنافي الحقائق مثل الرواية التي سبقتها؛ لأن الخط العربي كُتبَ قديمًا من غير تنقيط، لكن من الممكن أن العرب قد أخذوا خطهم من الأنحاء الشمالية واقتطعوه من كتابة شعب كان يسكن مدين، ولم يُذكر اسم هذا الشعب ولا الكتابة لكن المستشرقين بعد دراسات ورحلات علمية عدة توصلوا إلى نتيجة في القرن التاسع عشر الميلادي، عثروا على عدد من النقوش والكتابات التي تحمل اسم النبط التي كانت تسكن مدين أو ما يجاورها، وبعد الدراسات تبين أنها هي الأصل الذي تفرع منه الخط العربي وأول من عثر علي النقوش النبطية John Lewis Burckhardt وذلك سنة ١٨١٢ وتبعه بقية المستشرقين.
وباتفاق الجميع فإن الكتابة أتت قبل الخط لأنها وجدت كوسيلة لتوثيق الأحداث والمعاهدات الاقتصادية الاجتماعية، وكانت وظيفتها عملية بحتة لكن الخط ظهر لاحقًا بعد تطور الكتابة؛ لأن الجماعات بدأت تهتم بجمالية نصوصهم المكتوبة، ففي العصر الجاهلي (ما قبل الإسلام) فأجمع المؤرخون أن أول من أدخل الكتابة لمكة كان حرب بن أمية بن عبد شمس وقد تعلمه من أسفاره، فتعلم جماعة من قريش منه الخط، حيث وصل الخط الكوفي إلى الحجاز على شكلين الأول: التقوير (اللين أو النسخي) وكان يستخدم في الرقاع والمراسلات والكتابات، أما الشكل الثاني: المبسوط (اليابس) الذي استخدم للزخرفة والزينة ولم يتم استعماله إلا في النقش على المحاريب وأبواب المساجد والمعابد، وكتابة المصاحف الكبيرة.
أما العصر النبوي فكانت نقطة البداية للخط؛ لأن الإسلام والنبي محمد عليه الصلاة والسلام يدعوان بالنهل من العلم، فكانت هنالك مجموعة من الفتيان تعلموا الكتابة من حرب بن أمية وبشر بن عبدالملك الذي علم حرب ومن أبرزهم: عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيدالله وعلي بن أبي طالب فاهتم المسلمون بتعلم الكتابة ونشرها، فلما كانت غزوة بدر أسر المسلمون مجموعة من قريش وكان عددهم قرابة ال٧٠ رجلًا فأرادوا إفداء أنفسهم بالمال فقبل الرسول الفدية من الأُميين، وجعل فدية الكُتاب تعليم عشرة من صبيان المدينة، فاتخذ الرسول محمد لنفسه كتابًا من أجلاء الصحابة لكتابة الوحي وكتابة الرسائل التي يبعثها للملوك، وكان زيد بن ثابت لكثرة كتابته للوحي سُمي بكاتب النبي.
أما العصر الراشدي استمر تطوير الخط العربي وكتب زيد بن ثابت صحف القرآن بالخط المقور في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذلك كان بالجمع الأول، لكن عند جمع عثمان بن عفان للقرآن وهو الجمع الثاني له اختار أربعة من الصحابة لمهمة نسخه وهم: زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان أبرز ما ميز المصحف هو الرسم العثماني؛ لأن هذا الرسم مخالف في بعض الكلمات لما اقتضته قواعد الإملاء وليس متطابق مع اللفظ المنطوق ويحتمل في رسمه كل القراءات القرآنية المتواتر، أيضًا استمرت كتابة المصاحف بهذه الطريقة حتى الوقت الحاضر فأُرسلت هذه المصاحف إلى أقطار الدول العربية مكة والشام واليمن والبصرة والكوفة وغيرها، فتسارع الناس في نسخها وتفننوا في إجادة كتابتها فاتخذ كل ناسخ طريقته الخاصة.
أما العصر الأموي تقدم تقدمًا واضحًا ومؤثرًا مقارنة بالعصرين السابقين، فأبرز مهنة الخطاط فقد ابتكروا خطوط جديدة، ومن أبرز الخطاطين هو قطبة المحرر الذي مزج بين الخطين الحجازي والكوفي فيخرج بخط الجليل واستعملوه في الكتابة على أبواب المساجد ومحاريبها ولم يكن هذا الخط الوحيد الذي ابتكره، بل ابتكر خط الطومار وخط الثلث والثلثين الذي سمي أيضًا بخط السجلات وأصبحت هذه الخطوط تُرى في كل من القباب والمآذن والمساجد والقصور التي حُلِّيت بالفسيفساء والخشب والمطعم والفضة والمعدن والزجاج ومن هذه الأماكن هي المسجد الأموي في دمشق ومحراب المسجد الأقصى وقُبَّته وغيرها الكثير، فالعصر الأموي كان مرحلة محورية في تطوير الخط العربي.
أما العصر العباسي؛ لأن كانت الدولة في ازدهار ورخاء فسوف تكون البيئة المناسبة لكل فن فأصبح الخط العربي فنًّا راقيًا له قواعده وأسسه وبلغ ذروته في الجمال، فذاعت شهرة الخطاطين ومنهم: الضحاك بن عجلان في خلافة أبي العباس السفاح، والخطاط إسحاق بن حماد في خلافتي أبو جعفر المنصور، وأبو عبدالله محمد المهدي، حتى بلغ عدد الخطوط أحد عشر نوعًا وخلال ذلك جاء عصر الهارون الرشيد فنضجت الكثير من العلوم والفنون؛ ما زاد الخطاطون حماسة وتنافس فأصبحت عشرين خطًا منها المستحدث ومنها المطور، لكن جاء أبو علي محمد بن مقلة الوزير فضبط الخط العربي، ثم تلاه علي بن هلال المعروف بابن البواب فهذّب طريقة ابن مقلة في الخط وأنشأ مدرسة للخط، كما أنه اخترع الخط الريحاني، وفي أواخر العصر العباسي بلغت الخطوط ثمانين خطًا فكان العصر العباسي شاهدًا على قدرة الحضارة الإسلامية على الإبداع.
أما العصر العثماني فقد اكتسب العثمانيون الخط العربي عن مدرسة تبريز التي ازدهرت في صناعة الكتاب، وكل ما يتعلق فيه بدءًا بصناعة الورق إلى الخط والزخرفة والتجليد والرسوم والتذهيب، فكان للأساتذة الإيرانيين الفضل، فيما توصل له العثمانيون ومن ثم أصبح العثمانيون منافسين لهم وأصبحت لهم مدرسة مستقلة في خط الثلث، كما أن الخطاطين الأتراك خطو الكثير من المصاحف وراحوا يبدعون بالمصاحف الصغيرة التي توضع بالجيب، حتى أن الخطاطين نالوا احترام الخلفاء فأسندوا لهم العمل في الدواوين وبرواتب مجزية.
وامتلأت المساجد بالخطوط والزخارف المشتقة من الخطاطين الاتراك وغيرهم، وكان من أبرزهم: الخطاط حمد الله الأماسي والخطاط الحافظ عثمان والخطاط يوسف رسا، فيعتبر العصر العثماني هو العصر الذهبي للخط العربي؛ نظرًا لأن الدولة العثمانية كانت واسعة فجمعت جميع الفنون والجنسيات في ظل واحد وهو الإسلام، وكان التصوير محرمًا؛ لذلك شجعت الخطوط والزخارف لسد فراغ تحريم الصور، كما أن السلاطين العثمانيين كانوا يشجعون الخطاطين ويوفرون لهم الدعم المادي، فاستطاع الخطاطون ابتكار خطوط جديدة كالخط الديواني وخط الرقعة في ظل تكريم الدولة لهم.
فالخط العربي قد تطور عبر العصور من كتابة عادية بسيطة دون تنقيط، إلى أن أصبح عددها لا يحصى وتشكل فنًا من الفنون التي برع فيها مبدعوه، فسميت الخطوط العربية بأسماء المدن أو الأشخاص أو الأقلام التي كتبت بها من أشهرها:
الخط الكوفي وهو أقدم الخطوط ومأخوذ من الخط النبطي القديم وسمي بذلك؛ لاستخدام أهل العراق له بشكل كبير وانتقاله من الكوفة للمناطق الأخرى وقد كتبت به المصاحف خمسة قرون حتى القرن الخامس الهجري حين نافسته الخطوط الأخرى، فكان الخطاطون يزخرفون المصاحف سواء بعناوين السور أو بداية المصحف ونهايته بزخارف، منها المربعات والمستطيلات وصور لأشجار مروحية ونخيل، فكان يمتاز بحروفه الزاوية والقوية وشكله الهندسي المستقيم؛ لأنها غالبًا تكتب باستعمال المسطرة فكان لا يوجد مكان خاليًا من الكتابة بالخط الكوفي؛ ما أدى إلى زيادة أنواعه إلى سبعين نوعًا منها الكوفي البسيط، والكوفي المسطَّر ويسمى المربع أو الهندسي التربيعي، والخط الكوفي المسطَّر المتأثر بالرسم وغيرها.
خط الرقعة وهو خط يجمع بين البساطة والأناقة فهو من الخطوط العربية التي من السهولة قراءته وكتابته، ويعتمد على النقطة فهي تكتب بشكل معروف فيستخدمه الكثير من الناس في كتاباتهم اليومية عناوين للكتب والصحف والمجلات واللافتات الإعلانية أيضًا وسمي بذلك؛ نسبة إلى كتابته على الرقاع قديمًا.
خط النسخ يعتبر وليدًا لخط الثلث وسمي بذلك؛ لكثرة استخدامه في عملية النسخ ونقل الكتب بسبب دقة حروفه ووضوحها، حيث امتاز هذا الخط في خطوط القران الكريم لوضوح حروفه وقراءته ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل وصل إلى الأمثال واللوحات والمتاحف، وأصبح خط أحرف الطباعة فتستعمله الصحف والمجلات في مطبوعاتها وتم تسميته بالخط الصحفي.
انتقالًا إلى الأدوات المستخدمة في كتابة الخط العربي؛ لأنها تساهم في زيادة جماليته وتشكيل الحروف بأسلوب أكثر إجادة.
القلم وهو أداة الكتابة الرئيسية؛ حيث كان يسمى بالمِزْبَر فاستعملوا جريد النخل ومن ثم القصب المصري في البداية، ثم انتقلوا للقصب الفارسي وهو أفضل أنواع القصب، وبعد أن برع العرب في صناعة الحبر والورق اخترعوا قلم الحبر الذي يمتاز بخزان صغير للحبر وقبضة، وله ريشة مدببة ثم تفننوا بصناعة الأقلام والمحابر وطوروها.
السكين وكانت تستخدم لبري القلم وتكون حادة كالشفرة تصنع من المعدن أو الفولاذ المطعم بالذهب.
الحبر فكانوا يجلبونه من الصين ثم أنتجوه من السخام أو الهباب والصمغ، أما المحبرة كانت تصنع من الزجاج أو الخزف وتعبأ بطبقات من حرير لامتصاص الحبر.
الورق كان العرب قديمًا يكتبون على أكتاف الإبل، واللخاف، وعسيب النخل، والجلود، وعلى ورق البردي، وعلى الورق الخرساني، لكن الآن يستخدم الورق الأبيض في الخط وبالأخص ورق الكوشية الناعم.
مع تطور التقنية أثر ذلك على الخط العربي وأضاف إليه أبعادًا جديدة، لكنها إيجابية سواء من ناحية ممارسته أو تعليمه أو نشره فيستطيع أي شخص التفنن في كتابة الخط العربي دون الحاجة لاستخدام الأقلام والورق؛ ما يتيح استخدامها في التصميم الجرافيكي والطباعة ويساهم في انتشار هذا الفن ودعم الخطاطين المبدعين، ويساعد ذلك في نشر الوعي بتنظيم المعارض والورش لتعريف الناس بأهميته وتعزيز الثقافة العربية، لكن لنعي عن مساوئ التطور التقني والتحديات التي سوف تواجه الخط العربي في هذه العصر وهي التقليل من العملية الإبداعية والتركيز على النتيجة، فقدان الصلة بالجذور التقليدية للخط العربي وتبسيطه، تراجع أهمية تعلمه وتقليد الأعمال الأصلية لانتشار الخطوط الجاهزة، وعلى الرغم من التحديات إلا أن المستقبل يبدو واعدًا. حيث تم تسجيله في اليونسكو، ففي ٢٠٢١ أدرجت منظمة اليونيسكو الخط العربي على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي في 16 دولةً عربيّةً تقدّمت بطلب تسجيلها في الملف المشتركة وهي: المملكة العربية السعودية، والجزائر، والبحرين، ومصر، والعراق، والأردن، والكويت، ولبنان، وموريتانيا، والمغرب، وعمان، وفلسطين، والسودان، وتونس، والإمارات العربية المتحدة، واليمن، بناءً على اقتراح قدمته المملكة العربية السعودية لتسجيل عنصر فنون الخط العربي: المهارات والمعارف والممارسات لإدراجه في القائمة التمثيليّة للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

للفنان السوري منير الشعراني

للخطاط محمد شوقي رحمه الله
صورة صدر المقال للخطاط التونسي عمر الجمني