الأكثر مشاهدة

أحمد فلمبان* لاحظت بعد البحث والتقصي وقراءة علمية فاحصة في الكتب والمصادر والمقا …

الاقتباس.. ظاهرة أم حالة؟

منذ يوم واحد

7

0

أحمد فلمبان*

لاحظت بعد البحث والتقصي وقراءة علمية فاحصة في الكتب والمصادر والمقالات المنشورة عن الفن التشكيلي السعودي، أنها أسقطت نصف قرن من تاريخه، وتجاهلت أسطرًا مهمة في مسيرته، واكتفت بذكر نبذة بسيطة أو كحاشية، والتي ينبغي تبنيها وتصحيحها ووضع الأمور في نصابها، بالتأكيد على أن نشأة الفن التشكيلي السعودي منذ العام 1326هـ، الذي يعتبر أقدم إشارة لظهوره والبداية الحقيقية للحراك التشكيلي، لأن كل أنواع الفنون كانت موجودة، لكنها تحت قيود صارمة من التعامل والتنفيذ وعدم مخالفتها الشرع، والتقاليد والعادات، وكيف يكون ذلك في وقت كان موجود بعض المهن الفنية التقليدية والخط العربي وفن الزخرفة والنقش، والأشكال التزينية أو النفعية، ولم يظهر فجأة، وكان حصادًا لعدة قرون، وما زال بعضها موجودة إلى الآن، ومستمرًا، رغم ما أصابه من كبوات وعثرات، والفنانون يعتبرون رواد بدايات أو رواد تـأسيس؛ لأن المجتمع السعودي هو نفسه والمقومات الجغرافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية للمملكة، هي نفسها عبر قرون من الزمن، لم يتغير شيء، ورغم بساطتها، لكنها قادرة على قلب تاريخه، وتقسيمه وجعل كل فترة معزولة عما قبلها وما بعدها، والفنان السعودي المعاصر بينه وبين الفترة الماضية من الفنون انقطاع؛ ولم ير شيئًا ولا يعرف عنها، وهذا يعود إلى غياب المعالم للفنون، وعدم وجود المتاحف والكتب والموسوعات وقاعدة البيانات، وتجاهل المؤرخون والكتّاب، لذلك لم يجد أمامه سوى الإنجازات العربية والتجارب الفنية الغربية، والتنقل من مدرسة إلى مدرسة ومن تيار لآخر، وإعادة إنتاج الآخرين في ظروف مختلفة، باتجاهه إلى التقليد والاقتباس من تلك الفنون، ويمكن تقسيم الممارسة التشكيلية منذ بداياته إلى أربع مراحل:

(1) مرحلة البدايات بجهود ومبادرات ذاتية من التلقائيين والهواة في الخط العربي والزخرفة والنقش وبعض التصاوير للمناظر الطبيعية والطبيعة الصامتة، المقتبسة من الصور في المجلات، بخامات بدائية.

(2) هي امتداد للمرحلة الأولى مع بعض اللمحات من المفردات التي ترتبط بالبيئة الشعبية، بتناولها مفردات من معطيات التقاليد والعادات والمعمار، والمعروفة في كل منطقة.

(3) هي مكملة للمرحلتين السابقتين، لكن بعض الأشكال المرئية في المراحل السابقة تختفي، وتقليد بعض الأساليب المعروفة بالفن؛ لوجود معلمي التربية الفنية من الفنانين، وبعض الهواة المقيمين من العرب، تعلموا منهم بعض الأساليب المعروفة (الواقعية والأكاديمية الكلاسيكية ورسم البورتريهات).

(4) في هذه المرحلة ظهر الفنانون الذين تلقوا دراساتهم في معهد التربية الفنية وكليات التربية والبعثات الخارجية، وظهرت معهم الأساليب الفنية المعروفة، مثل (التأثيرية والتكعيبية والسريالية والتكعيبية) وازداد عدد الأشكال المرئية، وظهور مواضيع مقتبسة ومقلدة من الأساليب وتقنيات الفنون الغربية، وما زالت مستمرة إلى الآن، والبعض يبحث بحذر في التأويلات المطلقة.

وتبني المدارس الفنية الحديثة، خاصة (التجريدية والمفاهيمية) للبحث عن صيغ شخصية محلية وأساليب معاصرة، بإيحاءات بصرية وصور متنوعة، وتنظيرات شخصية، لكنها تبقى في إطار الأساليب المعروفة في الفن؛ لأنهم غير محترفين ومتفرغين للفن، ولا يجدون الوقت للبحث والتجريب، لذلك اتجهوا إلى الاقتباس الجاهز الموجود من الأساليب والتقنيات الغربية، من هنا لا نجد تعريفًا فنيًا بشخصية مستقلة، ومعظم الإنتاج استنساخ وتقليد المدارس والأساليب المعروفة، وتكرار لأعمال الآخرين أو الاقتباس منها، ووظفوا جهدهم إلى إنتاج لوحات المجاملات والمناسبات والبورتريهات، ورسم الفرس والصقر والنخل، واللجوء إلى المفردات الشعبية والعمارة القديمة، والتشكيلات الهندسية التي يُعاد تكرارها بالتكبير والتصغير، دون أي تغيير أو تبديل، تحكمه الإمكانية الفنية التي يمكن أن تميز فنانًا عن آخر أو عمل عن آخر، وفي الآونة الأخيرة دخلت تقنية الكمبيوتر وتصاميم الجرافيك، وبذلك وجد الشغوفون منفذًا للإنتاج السريع دون أي جهد فكري أو يدوي وإحساس فني، بالتالي سيظل التشكيل (مكانك سر) ولا يرنو نحو ما هو مختلف، ومعبر عن حالة فنية أصيلة، ما يجعل إنتاج الفنانين المعاصرين مرتبكًا ضعيف الشخصية لدرجة مؤثرة؛ لأنه لا يعرف أصل وجذور فنونه، فالطابع مفقود والأصالة ممحاة، وهناك تشابه كبير فيما بين الأعمال، ولا يمكن التفريق فيها سوى (الاسم)؛ لأنه كما هو معروف في الفن لكل أمة، تقوم على خطوط متسلسلة للفنون ومحفوظة ومدونة في الكتب والمتاحف.. (مثلًا) في “الهند” نرى في لوحات الرسامين المحدثين إشارات واضحة للفن الهندي كذلك في الصين، وفي اليابان وفي اندونيسيا وفي السودان ومصر والعراق، ففي كل أمة من الأمم ترى في فنونها أصالة، وتشير إلى أن هذه “اللوحة” هندية أو تلك صينية أو مكسيكية أو هذه إيطالية وتلك كمبودية أو روسية، والغرب طلعوا بأساليب جديدة، (مثلًا) “المستقبلية” للإيطالي امبرتو بوسكوني، أسلوب “الوضعية” للإيطالي “بندتو كلاروتشي، “والميتافيزقية” ابتكرها “جورجو ديكيركو” والسوبر رياليزم” ظهرت في أمريكا، “والعبثية” ابتكرها”كيركجارد”، والفنان محمد السليم أسلوب “الآفاقية” ابتكره في إيطاليا بتنظيرات الناقد لإيطالي “فرناندو تمّبستي” لكنه لم ينتشر نظرًا لوفاته، وغيرها (الناس تشتغل مش تقلد). 

ولسنا ضد التعرف على الأعمال الأوروبية؛ لأنها وسيلة إيضاح للتعلم والاطلاع على فنون الآخرين، وهي مهمة وضرورية، والاستفادة منها، ومحاولة التجريب والبحث عن أسلوب جديد ومميز وابتكارات موائمة للمعاصرة، بعيدة عن التمدرس والتصنيف، ليس اللجوء إلى النسخ والاقتباس أو الجمع بينها ومحاولة إبرازها وإعادة إنتاج الآخر ينفي ظروف مختلفة تبرز فيها بعض اللمسات التهجينية، وتظهر ملامح البيئة الخارجية، من خلال تناول مفردات من البيئة المحلية، على اعتبار ان ذلك مزاوجة للوصول إلى الأصالة، لكنها تبقى تناصًا مباشرًا مع المجال الخارجي، فهذا يزيد من غربتها ويعيق تقدمها وخروجها إلى أبعاد خاصة ومميزات شخصية فنية، مثال لذلك أعمال فناني البدايات (السليم والرضوي واليحيى والعبيد والعيدي والدمنهوري ورشيد سلطان والصبان والفلمبان وضياء والراسم والحماد وفوزية عبداللطيف والمصلي والمغربل والأعرج والجعيد والباجودة والعبدان والمسعري وبن زقر والخيال والبقشي والادريس والشلتي والشيخ والعبد اللطيف والحماس والنواوي والفلالي والرزيزاء والغامدي والأعجم والرصيص والصقعبي والصندل والمنيف والموصلي والشيخون) وأن أطلقوا عليها تنظيرات شخصية فضفاضة، ونُفخ فيها وتضخمت، لكنها تبقى تقليدًا من الأساليب المعروفة في الفن (الواقعية والتأثيرية والتجريدية والرمزية والتكعيبية والسريالية) ومستمرًا في الأجيال اللاحقة، ولا يمكن وصفها بالأسلوب المميز الخاص، وأقترح لمواكبة ركض العالم الفني، ومحاولة الخروج من ضائقة الاقتباس والتقليد: 

(1) صياغة رؤيا مغايرة للفن، وتحريره من القيود والمحاذير، والانفتاح على المعطيات الحديثة، ومنح الفنان مساحة من الحرية الفنية، ليعبر عن ذاته الفنية بمقومات وجوده وكيانه المستقل وإدراكه للجمال والتعبير عنه بحرية من إحساسه وتأثره ببيئته وارتباطه بالأرض، بعبقها وأصالتها بالحاضر، والحرص على أن يكون البناء الجديد وفق معطيات العصر القائم على ثقافته وحضارته العربية الإسلامية، الذي يؤكد على احترام الفنان لذاته ومجتمعه والتزامه بالقيم النابعة من دينه.

(2) توفير الفرص لبعض أصحاب التجارب المتميزة للاحتكاك الخارجي مع تجارب تصقل تجربتهم وتثريها.

(3) عمل دورات فنية متخصصة مكثفة للفنانين والفنانات، خارج المملكة التي لها برامجها ومناهجها، بما يدفع بالحاجة إلى تبني طاقاتهم وتنمية قدراتهم الفنية، وبما يتناسب متطلبات الواقع التشكيلي وتحقيق الفائدة المرجوة ومنحهم فسحة أطول لبلورة تلك القدرات وتطويرها.

(4) الاستعانة بالخبراء المختصين من الخارج في الشأن التشكيلي، لوضع إستراتيجية للتشكيل المحلي.

(5) إعادة فتح معهد التربية الفنية أو تحويله إلى أكاديمية للفنون، لتخريج فنانين ممارسين، وليسوا معلمين للتربية الفنية، لضمان استمرار العطاء الفني المتميز الأصيل وإيجاد فنانين محترفين ونقاد ومؤرخين للمساهمة في الوصول بالفن التشكيلي السعودي إلى مستوى الحراك التشكيلي بمفهومه الشامل.

(6) العمل على استئناف البعثات الخارجية في مجال الفنون الجميلة خاصة التخصصات النادرة.

(7) إنشاء مراكز للفنون الجميلة في كل بلدية، وورش عمل فنية ومرسم حر.

(8) إنشاء متحف للفن التشكيلي السعودي المعاصر، ويصبح جزءًا من برامج الدولة السياحية كما في دول العالم، وشراء أعمالهم من المفتنين ليس الاستعارة، لتوثيق تجاربهم، التي تعد جزءًا من النسيج الثقافي للفن التشكيلي السعودي.

(9) إنشاء جائزة الدولة التقديرية في الفنون التشكيلية.

(10) تشجيع الباحثين والمؤلفين في الشأن التشكيلي وإصدار الكتب والموسوعات وقاعدة بيانات للفنانين السعوديين.

(11) تفعيل هذه الاقتراحات لانتشاله من الركود والترنح، والخروج من ضائقة التكرار والاقتباس والتقليد، والتأكيد على تنوع التجارب وأصالتها وفتح السبل والفرص إلى ما هو أكثر اختلافًا وأكثر تميزًا، وتقليص اللوحات التزيينية أو الأكثر ديكوراتية ورسم البورتريهات وأعمال المجاملات والمسابقات؛ لأنها مجال للتزييف والفبركة واستعمال الفانوس السحري والاستعانة  بالرسامين المتسكعين، بالتالي نكرس إلى توجهات بعينها، كأننا نشجع على التقليد والاقتباس وإقصاء التجارب لما هو مختلف، وعليه فإن هذه الجدية في التعامل، قد تكون فاعلًا للخروج من ضائقة الاقتباس والتقليد.

(وسيصدر كتاب في هذا الشأن بعنوان “120 عامًا من الإبداع التشكيلي”).

أعمال بداية الحراك الفني

الكلمات المفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود