5
0
5
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13513
0
12341
0
12194
0
9660
0
إعدادـ هدى الشهري
وُلد عنترة في منطقة نجد لأَمَة حبشيّة يُقال لها زبيبة، فأخذ منها سواد لونه وتشقق في شفتيّه؛ ولهذا كان يلقب بالفلحاء وبأبي الفوارس، وبأبي مغلس بسبب سيره إلى الغارات في الغلس وهو ظلمة اللَّيل، كان أبوه سيّداً من سادات عبس، وقد تعلّم الفروسية مبكراً حتى أصبح من أشهر فرسان العرب في ذلك الوقت، فظهرت فروسيته بجلاء في حرب داحس والغبراء التي أبلى فيها بلاءً حسنًا.
عانى عنترة من شَظَف العيش وقساوة الحياة في صغره؛ فقد عاش مملوكًا لعائلته وكان أبوه هو سيِّده، وكان يعاقبه دائمًا أشدَّ العقاب على ما يرتكبه، ولم ينتسب عنترة إلى والده إلا بعد قصَّة رواها التَّاريخ حيث أنَّ قبيلة طئ أغارت على قبيلة عَبس في ثأر لها، حينئذ صاح أبو عنترة به قائلاً: كر يا عنترة؛ وذلك لشجاعته، وخوفًا على قبيلة عبس من الدَّمار وعلى النِّساء من السَّبي، فأجاب عنترة: لا يحسن العبد الكر، إلَّا الحلاب والصر، فصاح به أبوه كر يا عنترة وأنت حر، فهاجم عنترة مع قبيلته، ودوَّخ أعداء عبس في تلك الحرب، حتى كان لهم النَّصر، ونسبه أبوه إليه بعد ذلك، فيكون عنترة بذلك قد نال حرِّيته بشجاعته.
أحبَّ عنترة ابنة عمّه عبلة حبًَّا شديدًا، وقلَّ أن تخلو قصيدة له من ذكرها، فقد كانت عبلة من أجمل نساء قومها وأكملهم عقلًا، إلَّا أنَّ عمَّه لم يزوُّجه إيَّاها بسبب سواد لـونه، وقـد كـرَّرعنترة طـلب الـزَّواج منها، وعـمَّه مـصرًا على رفضه له، ومن هنا اشتهر عنترة بالغزل العفيف قولًا وفعلًا، وكان غزله لها نموذجًا للغزل العفيف الذي يصدرعن شاعرٍ يتمتع بأخلاق رفيعة حيث كانت تذوب في أشعاره العاطفة القوية الصادقة، وتبرز فيها أشواقه العميقة ولوعته للقائها، ويُـجـمع الـنقـاد عـلى أن قـوة قصائد عنترة الغزلية نابعة من صدق التجربة؛ فهو لا يتكلف النسيب أو يختلق المشاعر كغيره من الشعراء، بل يعكس لوعة حقيقية حُرم بسببها من ابنة عمه عبلة لظروف طبقية واجتماعية، ومن ذلك قوله:
يـا عَــبــلَ إِنَّ هَـــواكِ قَــد جـازَ الـمَـدى
وَأَنـا الــمُــعَـنّـى فـيـكِ مِـن دونِ الـوَرى
يـا عَـبـلَ حُـبُّـكِ فـي عِـظـامي مَـع دَمـي
لَمّـا جَـرَت روحـي بِـجِـسـمـي قَـد جَرى
كما يدور معظم شعر عنترة حول الفروسيَّة والفخر، ومن ذلك قوله:
حـسنـاتي عند الـزَّمان ذنـوب
وفـعــالـي مــذمَّـة وعــيــوب
ونـصـيـبي من الـحبيب بعـاد
ولـغـيري الـدُّنـو منه نـصيب
سائـلي يـا عــبيلَ عني خبيراً
وَشُجـاعـاً قَـدْ شيَّبَتهُ الحُرُوبُ
فـسـيـنبيـكِ أنَّ في حـدَّ سيـفي
مـلكُ الموتِ حاضرٌ لا يغيبُ
تعتبر معلقة عنترة أول قصائده الطوال وأجودها؛ وذلك لأنَّ جميع ما سبقها كان عبارة عن أبيات مُتفرّقة ومقاطع شعريّة قصيرة، وهي عبارة عن قصيدة طويلة على وزن البحر الكامل، وقد نظمها خلال حرب السباق بعد أن شتمه شاعرٌ من قبيلته وعايره بسواد لونه ولون أمه وإخوته، فنظم عنترة معلّقته رداً عليه مضمنها الافتخار بنفسه، وتعداد لمناقبه وصفاته، وكان يُظهر نفسه كما وصفه الأديب طه حسين بصورة الشاعر العربي الأصيل الذي يتصف برقّة القلب دون ضعف، وبالشّدة دون عنف، والتي يقول في مطلعها:
هَل غـادَرَ الـشُعَـراءُ مِـن مُـتَرَدَّمِ
أَم هَل عَـرَفتَ الدارَ بَـعـدَ تَـوَهُّـمِ
ثم يقول:
يُخبِركِ مَن شَهِـدَ الـوَقـيـعَـةَ أَنَّني
أَغشى الوَغى وَأَعِفُّ عِندَ المَغنَمِ
مستعرضًا قوته، وبسالته في قوله:
لَـمّا رَأَيـتُ الـقَومَ أَقـبَلَ جَـمعُهُـم
يَـتَذامَرونَ كَـرَرتُ غَـيرَ مُـذَمَّـمِ
يَـدعـونَ عَـنتَـرَ وَالـرِماحُ كَأَنَّها
أَشـطـانُ بِـئرٍ في لَـبـانِ الأَدهَـمِ
ما زِلتُ أَرمـيهِـم بِـثُغرَةِ نَـحرِهِ
وَلَـبـانِـهِ حَـتّى تَـسَـربَـلَ بِـالـدَمِ
جاء شعرعنترة على نوعين هما: النوع الغنائي الوجدانيّ، والنوع الأخر قصصي ملحميّ، ورغم الاختلاف بين هذه النوعين إلا أنّهما كانا مترابطين؛ بحيث لا يُقال أحدهما دون الآخر، ولا يُفهمان إلا مع بعضهما بعضًا.
فقد أجمع النقاد على تميزها بالصدق العاطفي، والفخر، والشجاعة، كما اعتبروها من عيون الشعر الوجداني، كما أن
التزام الروي المكسور(النون المكسورة) يـمنح الأبيات جـرسًا مـوسيقيًا حزينًا ينـاسب لـوعة الـفراق، ويحـاكي الأنين الداخلي للشاعر، كما يرون أن استهلال القصيدة بـ “ذَكَرتُ صَبابَتي مِن بَعدِ حينِ” يعكس عاطفة جياشة وحنيناً لا يصدأ حيث يمزج فيها بين حبه العميق لـ “عبلة”، وبين شوقه الأصيل لجزيرة العرب.