الأكثر مشاهدة

بقلم : م.د. سارة إحسان رميض* الملخص :-          إن اللغة هي وعاء ثقافة المجتمعات …

الألفاظ العامية الدخيلة في رواية ساعة بغداد (للكاتبة شهد الراوي)

منذ 9 ساعات

8

0

بقلم : م.د. سارة إحسان رميض*

الملخص :-

         إن اللغة هي وعاء ثقافة المجتمعات، ونبراس حضاراتها؛ إذ تنتقل العلوم والآداب من خلالها، وتتوارث المعارف والفنون بلسانها؛ وهي قبل كل شيء أولى وسائل الإنسان في التواصل  بالتالي نستطيع عدها الحجر الأساس في مقياس الدراسات النفسية، والمستودع السلوكي لأفراد المجتمعات، ولأن اللهجات تتطور طبيعياً مع المجتمع؛ بالتالي فهي تعد المحطة الأولى في مسيرة الدراسة السلوكية .

فكرة الرواية :-

         تدور أحداث الرواية حول طفلتين صديقتين تكبران في أحد أحياء بغداد، وتشاهدان التحولات التي تعصف بمحيطهما، مثل : انقطاع التيار الكهربائي، دوي صفارات الإنذار وأحاديث الكبارالمشبعة بالقلق، ومع ذلك تنجحان في ابتكارعوالم خيالية تمنحهما ملاذًا نفسيًا يحمي براءتهما، ويحمل عنوان «ساعة بغداد» دلالة رمزية على الزمن بوصفه شاهدًا صامتًا على تلك التحولات القاسية، وقد جاء سرد الوصفي في الرواية باللغة الفصحى والعامية العراقية، وهي تنقل بدقة للمتلقي ما يدور في ذهن الطفلتين من محاورات داخلية وخارجية (ديالوج و مونولوج).

نشأة الألفاظ العامية الدخيلة :-

تُعَدّ اللغة العربية واحدة من أقدم اللغات السامية وأكثرها ثراءً في مفرداتها، وتراكيبها، وأساليبها التعبيرية. وقد حافظت عبر قرون طويلة على أصالتها وقوتها، وأسهم في ترسيخ مكانتها الدينُ والعلمُ والأدب، إلا أنّ التحولات الاجتماعية، والتطور التكنولوجي، والتواصل الثقافي بين الشعوب أفضت إلى بروز ظاهرة تسرب الألفاظ العامية والدخيلة إلى الاستعمال اليومي في اللهجات العربية، سواء في الخطاب الشفهي أو في وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي؛ بما يلبي متطلبات العصر ويسهّل تداولها على الألسنة.

ومن هنا نلحظ حرص العرب ـ على اختلاف مشاربهم وتباين ظروفهم الزمانية والمكانية ـ على إحياء هذه اللغة واستنهاضها من حالة الركود التي أصابتها قرونًا طويلة؛ لتواكب اللغات الحيّة التي تتداولها المجتمعات الحديثة ، وقد أسهمت هذه التحولات في تسرب مصطلحات غير عربية إلى بعض اللهجات المحلية، الأمر الذي أدى إلى تراجع طائفة واسعة من الألفاظ الفصيحة التي كانت شائعة الاستعمال حتى زمن قريب؛ حتى غدا فهم بعضها يحتاج إلى الرجوع إلى المعاجم اللغوية، ولا تزال بعض المجتمعات العربية تختزن في مفردات لهجاتها عددًا كبيرًا من الألفاظ الأجنبية التي تسربت إليها خلال فترات الاستعمار، إذ أفضى الاحتكاك المباشر إلى اقتباس أنماط من السلوك والتعبير اللغوي، فشاعت مصطلحات لم تكن معروفة قبل ذاك.

إلا أن العربية الفصحى ولهجاتها لم تقف عاجزة أمام هذا التأثير الثقافي؛ إذ وُضعت بدائل عربية أصيلة لكثير من المصطلحات الدخيلة، وانتشر بعضها في الاستعمال اليومي والكتابي، وحلّ محل نظائره الأجنبية . ويعود ذلك إلى وعي العلماء واللغويين بأثر المصطلح في تشكيل التصورات الحديثة المتسقة مع الهوية الثقافية، وفي التعبير عن المشاعر والقيم المرتبطة بها.

الألفاظ العامية الدخيلة في الرواية :-

برزت مجموعة ألفاظ عامية ودخيلة على المجتمع العراقي منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد اقتبست الكاتبة جملة من هذه الألفاظ في روايتها حتى تلامس الواقع العراقي آنذاك وعلى لسان الطفلتين (البطلتين)، ومن هذه الألفاظ: (طاك ، ملطلط ، زاحف ، قفاص …). فاللهجة _على مر زمان_ تنمو وتتطور طبيعيا مع المجتمعات؛ لكن هناك استثناءات أحياناً هناك مجموعات ثقافية محددة أومهمشة مثل المقامرون، أو اللصوص، أو البنّاؤون … وغيرهم، يخلقون مفردات جديدة تكون دخيلة على اللهجة المحلية وخادشة لها، ولا يكون  هناك تواضع اجتماعي عليها، فمثلاً في سوق اللصوص يتم بيع سلعة معينة بطريقة احتيالية ، فاطلقوا على هذا الفعل باسم (قفاص). وكذلك لفظة (زاحف) التي تداولتها الألسن، على الرغم من أن لها مصدر لغوي ودلالي في المعاجم العربية، إلا أن دلالتها تغيرت من معناها المقترن بفصيلة من الحيوانات أو كمحاولات للمشي، إلى تعبير رمزي لكل محاولة تقرّب عاطفي للجنس الآخر (رجل إلى امرأة أو بالعكس). ولفظة (ملطلط) أيضاً تحولت من دلالتها المعجمية التي تشير إلى الغليظ من الأسنان، واصبحت تدل على الشخص الأرعن الفوضوي، أو متقلّب الرأي ، بلا شخصية محددة. وغيرها من الألفاظ التي انتقلت إلى المجتمع وهي حاملة دلالات اخلاقية خطرة فضلاً عن معناها المغاير لمبادئ ومعايير الذوق العام؛ مما أحدثت شرخ في أخلاقيات وقيم المجتمع المتعارف عليه قبل وجود هذه الألفاظ.

*كاتبة عراقية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود