مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد العميسي* نحن لا نعيش الحياة وحدنا، حتى لو ظننا ذلك، كل واحد فينا يمرّ في حي …

الإنسان وصناعة الأثر (٢)

منذ أسبوعين

22

0

محمد العميسي*

نحن لا نعيش الحياة وحدنا، حتى لو ظننا ذلك، كل واحد فينا يمرّ في حياة الآخرين مروراً يترك شيئاً، صغيراً كان أو كبيراً، كلمة نقولها، تصرّف بسيط، ابتسامة في وقت ضيق، أو حتى تجاهل في لحظة احتياج، كل هذا يصنع أثراً، شئنا أم أبينا.

الإنسان أحياناً يظن أن الأثر مرتبط بالشهرة أو بالإنجازات الضخمة، لكن الحقيقة مختلفة، كم من شخص غيّر حياتنا وهو لا يملك منصباً ولا اسماً معروفاً؟ معلم آمن بنا، صديق وقف معنا، أم صبرت، أب تعب بصمت، هؤلاء صنعوا أثراً عميقاً دون أن يكتب عنهم أحد.

الأثر لا يحتاج ضوءاً، يحتاج قلباً حاضراً، يحتاج إنساناً يشعر بغيره، ينتبه لكلماته، يعرف أن أمامه بشراً لهم قلوب تتأثر.

بعض الناس يمرون في حياتنا كنسمة، يخففون عنا دون أن نشعر، وبعضهم يمرون كعاصفة تترك فوضى طويلة، الفرق ليس في القوة، بل في النية والوعي.

حين يفهم الإنسان أنه مسؤول عن أثره، يبدأ يتغير بهدوء، يفكر قبل أن يجرح، يختار كلماته يحاول أن يكون سبباً في التخفيف لا في الثقل، ليس لأنه مثالي، بل لأنه جرّب الألم ويعرف كيف توجع الكلمة، وكيف قد تنقذ كلمة أخرى.

وصناعة الأثر تبدأ من أشياء عادية جداً: أن تؤدي عملك بضمير، أن تعتذر حين تخطئ، أن تساعد دون استعراض، أن تترك مكاناً أفضل مما كان، قد تبدو أموراً بسيطة، لكنها تتراكم في قلوب الناس، وتبني صورة عنك قد تبقى سنوات.

الغريب أن الإنسان قد ينسى ما فعله، لكن الناس لا ينسون كيف جعلهم يشعرون، شعور واحد صادق قد يبقى في الذاكرة أكثر من ألف كلام منمّق، لذلك الأثر الحقيقي ليس فيما نقوله عن أنفسنا، بل فيما يبقى منّا داخل الآخرين.

في النهاية، أعمارنا تمضي أسرع مما نتوقع، لا يبقى معنا إلا الذكر الطيب أو العكس، ليس المطلوب أن نكون عظماء في نظر العالم، بل أن نكون خفيفين على من حولنا، صادقين، نترك خلفنا شيئاً دافئاً يشبهنا.

الإنسان راحل، نعم؛ لكن أثره قد يمشي في الدنيا بعده بسنوات.
وكل يوم نعيشه هو فرصة جديدة لنختار:
هل نكون عبوراً عابراً..أم أثراً طيباً يبقى؟

* كاتب يمني

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود