1
0
2
0
1
0
1
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13379
0
12214
0
12138
0
9570
0

صالح الحسيني *
عقلانيًا: المجاملة هي فعل لغوي يهدف إلى صُنع انسجام اجتماعي عبر قول ما يُسعد الآخر أو يطمئنه، حتى لو لم يكن مطابقًا تمامًا للحقيقة.
رمزيًا: تُشبه المجاملة ورقة ذهبية تُغطّي سطحًا عاديًا؛ لا تُغيّر مادته، لكنها تُغيّر شكله، و منطق المجاملة يقوم على معادلة بسيطة: قليل من اللطف = قد يفتح أبوابًا كثيرة، لكن داخل هذه المعادلة تناقض خفي. المجاملة تُبنى على نيةٍ حسنةٍ لكنها قد تُفضي إلى معنىً زائف، هي جسر للتقارب، لكنها قد تتحول إلى قناع يخفي المسافة الحقيقية. وهي شمعة تُنير لحظة، لكنها قد تُذيب نفسها إن أُشعلت أكثر مما ينبغي.
المجاملة ليست اختراعًا حديثًا؛ إنها أداة اجتماعية قديمة نشأت من حاجة الإنسان إلى التعايش، إلى تهدئة الخلافات، إلى تليين حواف الحقيقة.
وهي في كل عصر تغيّر وزنها. في المجتمعات التقليدية كانت المجاملة قانونًا غير مكتوب؛ أما في العصر الحديث فقد أصبحت مهارة اجتماعية، وفي زمن التواصل السريع صارت -أحيانًا- عملة رخيصة تُصرف بلا حساب.
وحين التأمل نجد أن المجاملة تُؤثر في وعينا بطريقتين متعاكستين: تُخفف قسوة الحقيقة، وتُسهّل العلاقات، وتُنعّم الاحتكاك اليومي؛ لكنها قد تُربّي فينا عادة الهروب من المواجهة، وتُضعف صدقنا الداخلي. المجاملة ريشة: خفيفة، جميلة، لكنها لا تستطيع حمل الحقيقة إن ثقل وزنها. وتتجلى قيمة المجاملة أو الملاطفة عند مقارنتها بنقيضها وهي الصراحة؛ فوزناً نجد أنَ
الصراحة تُشبه حجرًا ثقيلاً صلباً، لا يتزيّن، والمجاملة تُشبه زهرةً 🌹 جميلةً، لكنها سريعة الذبول. وبين الحجر والزهرة يعيش الإنسان، يحاول أن يجد توازنًا بين قول الحقيقة كما هي، وقولها كما تُحتمل.
في ميزان الوعي: هي فكرةٌ متوسطة الوزن؛ ليست خفيفةً إلى حد التفاهة، ولا ثقيلةً إلى حد الإضرار، وتُصبحُ نافعةً حين تُستخدم كـ«زيتٍ» يُسهّل حركة العلاقات، وتصبحُ ضارةً حين تتحول إلى «طِلاءٍ» يُخفي الصدأ بدل إصلاحه.
ختاماً؛ يمكن القول: إن المجاملة مفتاح صغير، يفتح أبوابًا كثيرة، لكنه لا يصلح لإغلاق باب الحقيقة.
يقول زهير بن أبي سُلمى:
ومن لم يُصانع في أمورٍ كثيرةٍ يُضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسمِ
وهذا البيت هو جزء من معلقة الشاعر الجاهلي الحكيم (زهير) ويحمل حكمةً بالغةً في ضرورة المداراة والملاينة في التعامل مع الناس لتجنب الأذى.
المعنى العام هو أن من لا يُجامل الناس ويُداريهم في كثير من الأمور، سيواجه منهم القهر والظلم والإذلال، كما يُعَضُّ بالأنياب ويُداس بخف البعير (المنسم).
*كاتب سعودي